• عن الفراغ الذي خلّفته لميس الحديدي

    عن الفراغ الذي خلّفته لميس الحديدي

    د. جمال عبد الجواد
    07:00 م الجمعة 21 سبتمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    قارب سبتمبر على الانتهاء ولم تعد لميس الحديدي لشاشة سي بي سي. هناك برنامج ما يجري تقديمه في نفس وقت البرنامج الذي اعتادت لميس تقديمه. البرنامج البديل يحمل نفس اسم البرنامج الذي اعتادت لميس تقديمه، لكن هذا لا يكفي للقول بأن "هنا العاصمة" مازال يذاع على قناة سي بي سي في التاسعة مساء كل يوم. لو أن رئيسا لتحرير الأهرام اختار "بصراحة" عنوانا لمقال الجمعة الأسبوعي الذي ينشره في صدر الجريدة العريقة لما اعتبر هذا استمراراً لمقالات محمد حسنين هيكل. البرنامج في التليفزيون، مثله مثل البرنامج في الإذاعة والمقال في الجريدة، يرتبط باسم صاحبه.

    يمكن لأي مذيع قراءة نشرة أخبار التاسعة، ويمكن لأي صحفي مهني تحرير الخبر المنشور في الجريدة، فالخبر هو البطل في الحالتين. لكن لا يمكن لأي مذيع تقديم برنامج، ولا لأي صحفي كتابة مقال، حيث الطلّة والفكرة والثقافة والتحليل والأسلوب هو البطل، وكلها أشياء ترتبط بشخص مقدم البرنامج وكاتب المقال، واختفاؤه يعني الكف عن تقديم البرنامج والتوقف عن نشر المقال.

    المذيع الناجح الذي يقيم جسرا يصله بملايين المشاهدين هو عملة نادرة مثل لاعب الكرة الموهوب الذي يخلق فرصاً جديدة للتهديف في كل مباراة. لا أحد يعرف متى ستخرج لنا المئات من فرق الهواة والناشئين وأكاديميات تدريب الكرة لاعبا موهوبا في مكانة بيليه أو ميسي. بالمثل، فإن لا أحد يعرف متى سيتخرج لنا في كليات الإعلام الكثيرة مذيع موهوب يقنع الناس بالجلوس أمام الشاشة.

    لا أحد يصنع المذيع الناجح ولاعب الكرة الموهوب والكاتب الألمعي، فكل واحد من هؤلاء يصنع نفسه بنفسه. مهما كانت لديك من آلات الدعاية والترويج فلن تستطيع إجبار الناس على مشاهدة برنامج تليفزيوني فاشل، أو قراءة رواية ساذجة، أو الوقوع في غرام لاعب كرة قدم يخسر الكرة في كل مرة تلمسها فيها قدمه. لهذا فعندما يظهر لدينا واحد من أصحاب الموهبة فعلينا استقباله بما يستحق، ومساعدته للحفاظ على تألقه لأطول فترة، والتغاضي عن هفواته عندما تحدث، فهي بالتأكيد ستحدث؛ أما الخشونة والتلكيك والتآمر وتلقيح الكلام فليست الطريقة المناسبة للتعامل مع أصحاب الموهبة؛ فمن السهل تقويض أصحاب الموهبة وإفشالهم بإدخالهم في تفاهات وسخافات ومؤامرات، لكن لا يمكن لأي من كان اصطناع نجم واحد.

    الكثيرون كانوا يضبطون ساعاتهم وجدولهم المسائي على لميس الحديدي وهنا العاصمة. يشعر هؤلاء اليوم بالفراغ، ويبحثون عن شيء يشغلون به الوقت بين التاسعة والحادية عشرة. راح هؤلاء يتجوّلون بين قنوات التليفزيون بحثاً عن شيء يملأ الفراغ، وقد أخذتهم عملية تقليب القنوات إلى قنوات لم يشاهدوها من قبل، ولم يظنوا أبدا أنهم قد يبحثون فيها عن شيء يهمهم.

    يجذب الإعلامي الناجح قسما كبيرا من الجمهور. وفي السنوات الأخيرة كان الإعلامي الناجح إما معارض سياسي يحرّض الناس ضد الحكام، أو خبيث يتلاعب بغرائز الناس ومخاوفهم بقصص الجنس والعفاريت، أو داعية يستغل الدين لأغراض شيطانية. لم تكن لميس الحديدي - وآخرون اختفوا من على الشاشات مؤخرا - من أي من هذه الأنواع، وفي هذا كانت قيمتهم، وهذا هو بالضبط ما يجب أن نبحث عنه، ونحرص عليه عندما نجده؛ أما أن نرسل أمثال هؤلاء للجلوس على دكة البدلاء ففي هذا إفقار لنوعية حياتنا، وفيه تبديد لثرواتنا المعنوية.

    إعلان

    إعلان

    إعلان