• شيخوخة مبكرة

    شيخوخة مبكرة

    د. جمال عبد الجواد
    09:01 م الجمعة 03 أغسطس 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الأشياء الجديدة في بلدنا تشيخ قبل الأوان. نظرة إلى المدن والمباني والسيارات العامة والشوارع، كلها تصيبها الشيخوخة المبكرة. الأشياء الجديدة في كل الدنيا تعمل بكفاءة، وهي أيضا جميلة يسرك أن تنظر لها. الأشياء الجديدة عندنا تفقد بعضا من الكفاءة وكثيرا من الجمال بسرعة وبعد وقت قصير من إقامتها، فتصبح قبيحة المنظر، ناقصة الكفاءة.

    قليلة في مدينتنا هي المباني التي حافظت على تصميمها الأول الذي أبدعه المعماريون، فأي ساكن من أهلنا يستطيع أن يسد أي فتحة لا تعجبه في شقته، أو أن يفتح أي حائط يرى أنه يحجب عنه الرؤيا أو يمنع الهواء. بعضهم يسد الفتحات بالخشب، وبعضهم الآخر يسدها بالزجاج، وبعضهم الثالث بالطوب، الذي قد يتركونه أحمرا، أو "يليسونه" بالأسمنت، أو يلونونه بلون على هواهم.

    الشبابيك في عمارات مدينتي ليس لها أي حرمة، فبإمكان السكان تضييقها أو سدها تماما أو توسيعها، وبإمكانهم نزع الدلفات الخشبية واستبدالها بالألوميتال الرخيص أو الغالي، فكل هذا عادي وممكن ولا يستوقف أحدا.

    إنه أمر مفروغ منه في مدينتنا أن أي أحد يستطيع أن يلون بلكونة شقته باللون الذي يحبه، فتصبح العمارة في سنوات قليلة كرنفالا ملونا. طبعا هناك من السكان من يهمل مظهر شقته تماما، فتجد في واجهة العمارة أمامك خليطا من الأتربة المتراكمة، والألوان الفاقعة والهادئة، وكافة أصناف أحجار تجليد الواجهات.

    عام 2015 أهدتنا دولة الإمارات عددا كبيرا من الأوتوبيسات لتعزيز أسطول النقل العام في القاهرة. بعض أوتوبيسات المنحة الإماراتية مميز بلونه الأحمر وبعبارة "هدية من دولة الإمارات" المكتوبة عليها. مازال يمكنك تمييز الأوتوبيسات الإماراتية، لكنك لم تعد تستطيع وصفها بأنها جميلة أو جديدة، فثلاثة أعوام في عهدة هيئة النقل العام في مدينة القاهرة كفيلة بالقضاء على أي شيء جميل أو جديد.

    لاحظ أن هذه الأوتوبيسات لم تسر لكيلومترات كثيرة، فالزحام في القاهرة يمنع أي أوتوبيس من أن يقوم بأكثر من بضعة رحلات قليلة في الوردية الواحدة، لكن نظم الإدارة والنظافة والصيانة في هيئة النقل العام الحكومية كفيلة بتراكم الأتربة على زجاج الأوتوبيس وجسمه المعدني، وعلى تراكم بقايا من مادة سوداء لزجة، هي مزيج من الزيوت والأوساخ والأتربة، تتجمع في الأركان والزوايا المختلفة داخل الأوتوبيس وعلى سطحه الخارجي.

    سترى الأوتوبيس يمشي في الشارع وقد انطفأ أحد مصابيحه، في الأمام أو الخلف، فهذا عادي؛ وسوف تجده يمشي وقد انبعج الإكسدام أو تهشم جزئيا، فجعلته يبدو كأوتوبيس قديم متهالك، رغم أنه على الأرجح مازال يحظى بماكينة ممتازة، والله أعلم. باختصار لم يعد الأتوبيس جميلا، ولم تعد رؤيته تبعث البهجة كما كان يحدث قبل سنوات في بداية نزوله لشوارع العاصمة. المؤكد أن أوتوبيسات الإمارات مازالت تسهل الانتقال بين أحياء العاصمة، لكن المؤكد أيضا هو أن هذه الأوتوبيسات أصبحت جزءا من القبح الذي مازال مخيما على المشهد العام في مدينتنا رغم كل الجهود المبذولة.

    الجمال والجودة هي أشياء تراكمية، ولكن الطريقة التي نتعامل بها مع أشيائنا الجديدة لا تسمح بتراكم أي جمال أو أي جودة، فتبدو مدننا دوما وكأنها عجوز كسيح، حتى لو كان عمرها لا يتجاوز السنوات القليلة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان