المتآمرون على أنفسهم

المتآمرون على أنفسهم

خليل العوامي
07:00 م الإثنين 28 مايو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يبحث الفاشل دائما عن مبرر لفشله، بدلا من مواجهة نفسه بالأسباب الحقيقية للفشل، ويبذل مجهودًا مضاعفًا في البحث عن هذا المبرر، لو أنه بذله في محاولة نجاح جادة لتغيرت أوضاعه.

وغالبا ما يكون الحل الأسهل والمبرر الجاهز لكل فاشل هو نظرية المؤامرة، حيث يبدأ يفكر في أن الجميع ضده، وأن الأقدار والشخوص والقرارات والقوانين كلهم يسعون لعرقلته، حتى يقتنع بالفكرة، ثم يعاود بذل مجهود جديد في ترويج الفكرة وإقناع الآخرين بأن فشله نتاج مؤامرة كونية، ولو أن تلك المؤامرة توقفت لأصبح بين عشية وضحاها أحد حائزي جائزة نوبل.

يتساوى هنا في حب المؤامرة والإيمان بها كل الفشلة، سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو كيانات ومؤسسات أو حتى مجتمعات، وعلى مدار عقود مديدة من تعليق فشلنا على المؤامرة في كل المجالات والمناسبات ابتداء من الطالب الذي يرسب في الدراسة لأنه لم يجب في الامتحان، وصولا للأنظمة التي فشلت في تحقيق أي نجاح سياسي أو اقتصادي، تحولت المؤامرة إلى جزء من شخصية المواطنين المصريين والعرب، وباتت أحد المكونات الثقافية للمجتعات العربية، بل أصبحت صفة لصيقة بنا أفرادا ومجتمعات حتى أدمناها.

لقد بلغ الإيمان والاعتقاد بنظرية المؤامرة مبلغًا مرضيًا لدى المصريين المتابعين لمباراة ليفربول وريال مدريد في نهائي دوري أبطال أوروبا، في نظرتهم لإصابة محمد صلاح، وتصويرها باعتبارها مؤامرة كونية مدفوعة لحرمانه من الفوز بلقب نهائي أوروبا أولا، ثم حرمانه وحرمان مصر من جهوده في كأس العالم ثانيا.

ففور الإصابة امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بسيل لا يتوقف من التعليقات الغاضبة بداية من سب "راموس"، لاعب ريال مدريد، الذي أصاب محمد صلاح، بأفظع الألفاظ، مرورا باتهامه بأنه صهيوني، وصولا لاعتباره ينفذ مؤامرة دولية مدفوعة الأجر ضد صلاح ومصر.

ووصل الأمر بالكثيرين إلى الهجوم على مسؤول رياضي سعودي واتهامه بالوقوف وراء المؤامرة بالاتفاق مع "راموس"، لأنه قال منذ فترة إنه تمنى وقوع إصابات بين صفوف المنتخب المصري، خاصة محمد صلاح قبل انطلاق كأس العالم، علما بأن هذا المسؤول قال كلامه في حضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، أثناء اجتماع وزراء الرياضة العرب، وبالطبع كان على سبيل المزاح.

قد يكون "راموس" متعمدا إصابة محمد صلاح، ولكن ألم يحدث نفس الأمر في كل الدوريات والنهائيات؟ ألم نشاهده في كل ملاعب العالم بما في ذلك مصر؟ ألا يمكن أن يكون التعمد مجرد غيرة لاعب من لاعب آخر، أو حتى لعبة قذرة في محاولة للفوز بالنهائي، وإن كان حساب لاعب كبير مثل محمد صلاح؟ أليست كل هذه أمور جائزة، وتحدث دائما، وقد تكون هي الأقرب للدقة، بدلا من نظرية المؤامرة الدولية؟

يا سادة، لن تتقدم أمة فاشلة، كما لن تتطور أمة تعلق كل أزماتها على المؤامرة.

يا سادة، لن تفلح أمة تعتقد دائما أن مجلس إدارة العالم يستيقظ مبكرا ليحيك ضدها المؤامرات!

فعدونا الحقيقي هو الفشل، ومعضلتنا الكبرى أننا أدمنا المؤامرة حتى أصبحنا نتآمر على أنفسنا.

إعلان

إعلان

إعلان