• تقييمي للدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي

    تقييمي للدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي

    أمل الجمل
    08:59 م الأحد 02 ديسمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    عقب ليلة افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ٢٠ - ٢٩ نوفمبر، كتب أحد أفراد فريق المهرجان - على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) - ما معناه "لا تتعجلوا بالنقد.. انتظروا حتى تكتمل الدورة".

    هنا لي ملاحظتان: أهمية النقد الآنيّ أنه يجعلك ترى العيوب قبل أن تتراكم، فيُساعدك على أن تُسرع لتلافي الأخطاء، وإصلاح بعض الأمور إن كان ذلك في الإمكان، وقد كان هذا واضحاً - مثلا - من خلال ملاحظات للمونتيرة والناقدة السينمائية صفاء الليثي، فيما يخص بعض التفاصيل كالغطاء الأسود الرديء على الأرض أمام الشاشة بالمسرح الكبير، الذي كاد يتسبب في سقوط البعض، والاستفادة من الخبرات والكفاءات النقدية في إدارة الندوات، بدلا من تكريس شخص واحد، وكان واضحًا أن هناك استجابة للنقد. إذن، النقد- إن كان صادقاً- هو بوصلة مهمة للإنسان.

    وأتذكر أن مهرجان الجونة السينمائي، منذ دورته الأولى عام ٢٠١٧، لم يتذمر القائمون عليه من النقد، ولم يطالبوا أحدًا بالتوقف عن النقد، بل على العكس؛ كانوا يقرأون، ويقومون بالاستجابة السريعة لتعديل أي خطأ غير مقصود قد وقع، وكان هذا لافتاً، وتم حسابه لصالحهم؛ فالأذكياء فقط هم من يتقبلون النقد، ويتأملونه، ويتعلمون منه.

    الملحوظة الأخرى: إن المدير الفني للمهرجان السيد/ يوسف شريف رزق الله- رغم الجهد الواضح في خياراته لنوعيات الأفلام والبرمجة- قام، ليلة الافتتاح وأثناء تكريمه، بتقديم الشكر تقريبا لجميع العاملين بتلك الدورة، وهذا سلوك قد ننظر إليه باعتباره لفتة إنسانية جميلة وصادرة عن شخص كبير.

    لكن هذا التصرف له وجه آخر غير موفق، لسببين، أعتقد أن مكانه الأنسب كان في حفل الختام، عندما تتم الدورة فعالياتها، ويشيد بها الجميع، هنا يكون من حقك الإشادة بأسماء من كانوا في الكواليس، أو غيرها، لكن أن يتم هذا الشكر في حفل الافتتاح الذي طال أكثر من اللازم، وهناك ضيوف أجانب أعتقد لم يكن لديهم ترجمة فورية لكثير من حوارات النجوم المصريين، فهل لنا أن نتخيل وقع وثقل هذا الحفل عليهم؟!

    صحيح فكرة تواجد النجمات والنجوم المصريين ومشاركتهم بالحفل كان شيئًا لافتًا، لكنه جاء بنتيجة عكسية بسبب الارتجال. هل يستطيع أحد أن ينكر أن حفل الافتتاح كان شديد المحلية؟ ليس فقط بسبب التكريمات التي انتقدها رئيس المهرجان نفسه بشكل ساخر، وكأنه لم ينتبه لهذا العدد قبل الحفل، وهذا يجعلنا نطرح تساؤلًا:

    هل كانت هناك بروفة وتصور للحفل ولإيقاعه قبل الحدث الفعلي؟!

    أيضاً، تلك التقديمات الطويلة شديدة المحلية غير المترجمة، والتي جاءت ضمن فقرات النجوم وعلى لسانهم، والتي شهدت ترهل الإيقاع، وتكرار التكرار، بشكل ممُل. كان لا بد أن تكون هناك جُمل مُختصرة مُكثفة مكتوبة مسبقاً لكل نجم أو نجمة، وعلى كل منهم أن يلتزم بها مهما كانت قصيرة، ويكون هناك بروفة مسبقة قبل الحفل، ومن يرفض لا يشارك. فهذا ليس مجالًا للارتجال ما داموا لا يُجيدونه.

    أمر آخر لافت في إخراج الحفل، رغم الديكور الجميل والإضاءة المتميزة، بما أنه كان هناك قرار بتكريم الفنان سمير صبري، فلماذا ظهر من البداية في تلك الفقرة الطويلة. كان على إدارة المهرجان الاختيار بين أمرين، والتضحية بأحدهما، إما ظهور صبري في البداية، وإما الاكتفاء بتكريمه قرب نهاية الحفل، أو ضرب عصفورين بحجر واحد منذ البداية، بأن تدخل النجمة وتكرمه عقب انتهاء مقدمته. ومع ذلك في رأيي أن مقدمته الطويلة كانت تصلح لمهرجان محلي، وليس مهرجانًا دوليًا أبدا.

    أما المثير للدهشة والحنق أن النجوم والنجمات الذين صدعونا في فقرات حفل الافتتاح بسيل خطابي عن حبهم وعشقهم للسينما، ومطالبتنا بالبقاء ومشاهدة حفل الافتتاح عقب الانتهاء من فقراتهم لم يبقَ منهم/ منهن/ أحد، وتبخروا، أو ربما ذهبوا إلى الحفل الساهر، ولم يتبق سوى ثُلة قليلة فقط - من عشاق السينما الحقيقيين - الذين استمتعوا بالعرض الكوميدي الساخر «الكتاب الأخضر».

    غياب دبي ميَّز الآخرين

    لا شك أن الدورة الأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي نجحت في استقطاب أفلام شديدة التميز من بلدان مختلفة، وأفلام حاصلة على العديد من الجوائز من مهرجانات كبرى، حتى إنه، لأول مرة، منذ سنوات كان لديه فائض من إنتاج السينما العربية والمصرية.

    بالطبع لعب دورًا في ذلك أن عام ٢٠١٨ يُعتبر في تقديري واحدا من أكثر السنوات خصوبة في الإنتاج والنوعية، وهذا يصب في صالح كثير من المهرجانات السينمائية والمُشاهد.

    لكن في كلتا الحالتين يرجع وضوح التميز بالقاهرة- خصوصا في نوعية الأفلام العالمية، ووفرة المصرية- إلى توقف مهرجان دبي السينمائي هذا العام للمرة الأولى، منذ ١٤ عاماً، والذي كان يستقطب أهم وأجمل الأفلام العالمية، وكان أغلب صناع الأفلام العرب يذهبون إليه، فبداخل المهرجان الإماراتي الشهير كان هناك أشخاص يتابعون باستمرار، ودأب، وشغف كل جديد للسينما العربية، مثلما كانوا يتابعون ما هو متوقع، فعندما يعلمون أن هناك مخرجًا يعمل على فيلم قد يستمر على مدار أربع سنوات، فكانوا حريصين على معرفة أخباره وتطورات الفيلم على مدار تلك الفترة، هذا السلوك- بالطبع إلى جانب الدعم المادي، إلي جانب الدعاية غير العادية المتوفرة جراء المشاركة- كان يخلق نوعاً من الولاء والانتماء لمهرجان دبي وتفضيله على كثير من مهرجانات المنطقة العربية.

    إذن، لنفترض أن دبي السينمائي عاد في ٢٠١٩ أو حتى بعد عدة أعوام هل وضع المسؤولون بمهرجان القاهرة هذا الاحتمال في أجندتهم؟!

    لو عاد مهرجان دبي، فستكون المنافسة حقيقية، الغلبة فيها من دون شك ستكون لأصحاب التخطيط والتنظيم والدقة في كل شيء، وليس فقط للمال.

    والمسؤولون في مهرجان القاهرة يمكنهم الحفاظ على مستوى ما قدموه لو عملوا على تفادي الهنات، وعدم الاكتفاء بالنجاح الحالي، والبحث عما هو أفضل، مع التركيز على بناء تلك العلاقة القوية مع صناع الأفلام العرب والمصريين، ودعمهم كما كان يفعل دبي.

    أما لماذا لم أطرح ذلك التساؤل على مهرجان الجونة السينمائي؟! فلأن الأخير بدأ أولى دوراته قبل أن يتوقف مهرجان دبي، وأثبت المسؤولون عنه أنهم قادرون على المنافسة، وجذب الأفلام العربية والمصرية، وقدموا دورة نالت إشادات وشبه إجماع على النجاح والتميز.

    الجمهور وعلامات استفهام

    على صعيد آخر، هناك مسألتان فيما يخص الجمهور؛ أولها يتعلق بالتصويت على الجائزة التي يمنحها الجمهور، والتي تم إلغاؤها في اللحظات الأخيرة، وتم تحويل قيمتها للفيلم الفائز بالهرم الذهبي، بسبب خطأ تقني وفق تصريح السيناريست والمنتج محمد حفظي، رئيس المهرجان، والسؤال الذي يطرح نفسه:

    لماذا لم يكن هناك استمارات تقييم ورقية يتم جمعها، عقب خروج الجمهور من كل فيلم كما يحدث في كثير من المهرجانات العالمية؟!

    طبعا هذه الخطوة سوف تحتاج لجهد أكبر، لكنه مضمون، ويُمكن المساعدة في إنجازه من خلال المتطوعين، فلماذا لم يكن هناك متطوعون ومتطوعات يعملون في مهرجان القاهرة؟!

    الأمر الآخر المتعلق بالجمهور، أتذكر أنني أثناء جلسة حوار مع الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس- عقب مشاهدة أحد الأفلام- فسألنا الزميل أحمد شوقي: "إيه رأيكم في الدورة؟" كنا لا نزال في الأيام الخمسة الأولى من الدورة، وكنت استمعت إلى شهادات بعض من الزملاء العرب أنهم لمسوا بعض التغير للأحسن، منذ لحظة الخروج من مطار القاهرة وأسلوب الاستقبال المختلف والذي يشي بالاحترام والتنظيم الجيد، وكنت أنا أيضاً ألمس كثيرًا من الإيجابيات، فقلت: طبعا، رغم الملاحظات، من الواضح أنها دورة مختلفة، وبها جهد، لكن لا يزال هناك مشكلة في تواجد الجمهور بصالات العرض.

    هل معقول في ظل عدد المعاهد الحكومية والخاصة التي تدرس الفنون، والسينما، ولا يأتي جمهور كثيف لمشاهدة الأفلام، ويملأ الصالات؟! فأجاب شوقي "بأنهم تواصلوا مع المعاهد وبالفعل قدموا ٨٠٠ بادج يسمح لهم بدخول العروض".

    وتعقيبي على التصريح السابق: طيب أين الـ٨٠٠ بادج؟! رغم أنه عدد ضئيل جدا، ويؤكد أن حضور الجمهور لا يزال أحد أوجه القصور التي يُعاني منها المهرجان، وأرجو ألا يقول أحد إن بعض القاعات كانت كاملة العدد في عدد من الأفلام، لأن هذا حدث فقط في حالات معينة أبرزها العروض المصرية، لأنه معروف أن عددا كبيرا من الدعوات يذهب لصناع العمل وأحبابهم وأصحابهم ومعارفهم، وفي عدد قليل جدا من الأفلام الأجنبية، وأصلا لا بد أن نضع في اعتبارنا أن أكبر قاعة- هي المسرح الكبير- لا تتجاوز الألف مقعد.

    فلما نقول "فول هاوس" معناه أننا نتحدث عن ألف كرسي فقط إلا قليلاً. فأين مهرجان القاهرة من برلين، أو فينيسيا، أو كان، أو حتى كارلوفي فاري، أو تيسالونيك؟! هل يُعقل أن يقام مهرجان في قلب مدينة القاهرة الكبرى التي يكاد يقترب عدد سكانها من الثلاثين مليونًا، ولا نجد جمهورًا يملأ القاعات التي لا يتجاوز عددها ألف كرسي؟!

    المفروض أن جمهور المهرجان لا يأتي فقط من القاهرة الكبرى ولكن من بعض المحافظات، خصوصا الإسكندرية وغيرها.

    أيضاً كانت هناك بعض العروض قيل إنها كاملة العدد، ولم نجد لها تذاكر بالفعل، لكن بداخل العرض كانت هناك مقاعد كثيرة خاوية، والتساؤل: لماذا لا يوجد اختراع "الانتظار" أمام باب القاعة؟ فإذا لم يكتمل العدد يُسمح لهؤلاء بالدخول بالبادج ومن دون تذاكر، كما يحدث أيضاً في أغلب المهرجانات العالمية المهمة.

    الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها أن إدارة المهرجان- لا شك- بحاجة لمزيد من التفاعل والبحث عن سبل لجذب الجمهور إلى القاعات، وليبحثوا كيف تنجح المهرجانات الكبرى في ذلك، وفينيسيا الأخير نموذجًا، أو ليسألوا المنتجة ماريان خوري كيف كانت تستجلب طلاب المدارس لعدد غير قليل من حفلات بانوراما الفيلم الأوروبي؟! وكيف جعلت أغلب الحفلات كامل العدد؟! السؤال والاستفادة من خبرات الآخرين ليس عيبًا، ولا حرامًا.

    أكل الفندق رديء

    أشاد الكثيرون بمستوى الحفلات التي أقيمت على هامش المهرجان للضيوف، وهذا أمر مهم، وواضح أن علاقات وجهود حفظي لعبت دوراً، لكن اللافت أن فندق بعراقة وأهمية "الإنتركونتننتال"- سميراميس- يقدم طعامًا غير جيد لنزلائه من ضيوف المهرجان الذين كانوا في الكواليس يتحدثون عن رداءته، لكنهم تحملوا مضطرين، ومنعهم الحرج من أن يشتكوا لإدارة المهرجان. وهو أمر على القائمين مراعاته، ولفت نظر مديري الفندق، فإذا كانوا غير قادرين على تقديم طعام جيد، فيجب أن تُطرح بدائل أخرى، وتكون هناك منافسة مع فنادق أخرى؛ المنافسة دوماً تدفع للأمام. كما أن كافتيريا الهناجر اشتكى منها الكثير جدا من الضيوف ورواد المهرجان، وكتبوا ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، المفروض أن الكافتيريا تستفيد وتكسب بشكل غير عادي أثناء فترة المهرجان، فإن لم تقدم خدمة جيدة يمكن للمهرجان أن يتدخل، كأن يتم الاتفاق مع بعض الرعاة، كما يحدث في بعض المهرجانات الدولية المهمة. أو تُستخدم ورقة المنافسة، ويُطرد السيئ، يجب أن يكون هذا هو القانون. البقاء للأفضل.

    رغم كل ما سبق، فمن المؤكد أن دورة هذا العام من المهرجان القاهري العريق كانت متميزة من بعض الجوانب كندوات للمكرمين، والماستر كلاس، واستضافة رؤساء مهرجانات، ونقاد، والتي تم بعضها في النصف الثاني من أيام المهرجان ضمن فعاليات أيام القاهرة، بالطبع إلى جانب عروض سينمائية يومية شديدة التميز حتى وإن اختلفنا حول تقييم بعضها.

    وإن كان هذا حظ الدورة الأربعين، فأعتقد أن مهمة المسؤولين عن المهرجان في الدورة القادمة ستكون أصعب بكثير، لأنها إما أن تؤكد هذا النجاح وتتجاوزه، أو ترجع للخلف، لذلك فإن دراسة أخطاء وهنات هذه الدورة- في تقديري- أهم بكثير من التوقف أمام النجاح.

    إعلان

    إعلان

    إعلان