الشاهد الشهيد ساطع النعماني

الشاهد الشهيد ساطع النعماني

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 18 نوفمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

القدر كاتب درامي عظيم، يُجيد رسم ملامح الشخصيات ودورها، وتحديد مصائر حياتها، وعلاقتها بزمانها ومكانها، ومدى قدرتها على تجسيد روح عصرها والتعبير عن سماته وأمراضه وتحولاته؛ بحيث يجعل منهم شهودًا على عصرهم، وأحيانًا شهداءً له.

وأظن أن الشهيد العميد "ساطع عبدالعزيز النعماني" نائب مأمور قسم شرطة بولاق أبوالعلا، الذى أصيب برصاص جماعة الإخوان بمنطقة بين السرايات وفقد بصره وتعرض وجهه الكريم لتشوه كبير أثناء تصديه لشغبهم في أحداث اعتصام النهضة عام 2013، والذي رحل عن دنيانا في مستشفى سانت ماري بلندن يوم الأربعاء الماضي أثناء رحلة علاجه هناك، قد صار بما كتبه له القدر من نشأة ورحلة حياة ومصير، شاهدًا على عصرنا المتردي سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا وفكريًا، وشهيدًا له في ذات الوقت.

فقد ولد "ساطع النعماني" لأب تربوي من قيادات التعليم في مصر، هو الدكتور عبدالعزيز النعماني، الذي كان أيضًا مثقفًا مهمومًا بقضايا وطنه وأمته، وشاعرًا مُجيدًا مشغولًا بزمن الفروسية والمروءة العربية، وبمظاهر تدهور قيم وأخلاق ووعي العرب المعاصرين.

وقد جاء مولد "ساطع النعماني" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو عقد التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية التي أدت إلى تدهور مصر في كل المجالات، وظهور الفهم المتشدد للدين وجماعات الإسلام السياسي في المجتمع المصري، وأعمال الإرهاب والقتل باسم الدين، والتي جعلت من "ساطع النعماني" في النهاية شهيدًا لها، وشاهدًا على مخاطرها على حاضر ومستقبل بلادنا.

ولهذا يجب أن يكون استشهاده في محيط جامعة القاهرة، رمز النهضة والتنوير في مصر المعاصرة، نقطة فارقة في وعينا وحياتنا وسياساتنا، نقطة فارقة تُعرفنا عواقب تدهور التعليم، وانحدار الثقافة، وغلبة الجهل، وغياب الوعي.

نقطة فارقة تنبهنا لحتمية عودة مصر لاستكمال مشروع نهضتها وتطوير بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وجعل التعليم والفكر والفن والثقافة حجر الزاوية في بناء الإنسان المصري، بعد أن توقفت عن ذلك منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وقد أدى هذا التوقف بدوره إلى تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، وإلى إضعاف الجهاز المناعي القيمي والمعرفي للمصريين، مما يسر السبل لاختراق المجتمع بواسطة جياع العقول من المتأسلمين والأصوليين، الذين أصبحوا مع الوقت خطرًا أمنيًّا عليها.

وأظن أن إصابة العميد "ساطع النعماني"، وهو يواجه إرهابهم وخروجهم على الدولة، وبالقرب من جامعة القاهرة، حتى وفاته في نهاية رحلة علاجه بلندن، قد جاء نتيجة فشلنا في إدراك أن معركتنا مع جياع العقول من الإرهابيين المتأسلمين هي في جوهرها معركة ثقافة ووعي ميدانها العقول والأرواح، قبل الشوارع والميادين الفعلية في ربوع البلاد.

ولهذا أحب أن أقول إن تغيير اسم "ميدان النهضة" نسبة إلى التمثال الذي صنعه المثال الراحل محمود مختار، ليُعبر عن حلم المصريين في بداية القرن العشرين بالإصلاح والتقدم، إلى اسم ميدان "ساطع النعماني"، شهيد فشل النهضة وتشوه وعي وثقافة المصريين في بداية القرن الحادي والعشرين، يجب ألا يكون مجرد تغيير شكلي وتكريم معنوي لاسم الشهيد النعماني، بل بداية جديدة تُجسد حلمنا في صنع نهضة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تليق بتضحيات الشهداء، وطموحات المصريين، ومستقبل الصبي الصغير "ياسين ساطع عبدالعزيز النعماني".

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول: رحم الله الشاهد الشهيد العميد "ساطع عبدالعزيز النعماني"، ورحم الله شهداء مصر الأبرار في كل العصور.

إعلان

إعلان

إعلان