مكافحة الفساد.. شروط وتحديات

مكافحة الفساد.. شروط وتحديات

د. ياسر ثابت
11:01 م الثلاثاء 30 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الاجتماعات على قدم وساق لمكافحة الفساد، فهل نحن على أبواب نقلة حقيقية في طريقتنا للقضاء على واحد من أكبر التحديات التي تواجهها مصر؟

من الجيد أن نسمع عن اجتماع اللجنة الفرعية التنسيقية للوقاية من الفساد ومكافحته برئاسة شريف سيف الدين رئيس هيئة الرقابة الإدارية، لإعداد المسودة النهائية الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ٢٠١٨/ ٢٠٢٢ تمهيدًا للعرض على رئيس الجمهورية. حسب المعلومات المتداولة، فإنه من المقرر إطلاق هذه الاستراتيجية خلال اليوم العالمي لمكافحة الفساد الذي يوافق التاسع من ديسمبر من كل عام.

إن الأمم ذات التاريخ العظيم ليست محصّنة ضد الانتكاس، لكنها لا تموت، شريطة أن تتدارك أمرها وتصلح من مساراتها وتتخلص من الفساد وأهله.

الرقابة والمحاسبة هما الطريق.

علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونعترف بأن وباء الفساد في بلادنا أكبر بكثير من أن نتوهم أن واقعة ضبط وزير سابق أو مسؤول هنا وهناك، تعد دليلًا على مجابهة الدولة للمشكلة.

وتكمن خطورة الفساد في مصر في أنه قد تجاوز اليوم مفهوم "الجريمة" ليصبح ظاهرة عامة، وخيمة العواقب، ذات آثار تقوض أو تهدد الكثير من البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع.

غير أن صعوبات مكافحة الفساد مردُها أنه يندرج -من زاوية- ضمن فئة ما يُعرف بجرائم الكتمان، وتفتقر جرائم الفساد، لا سيما تلك التي تقع في الإدارات الحكومية، إلى وجود "مجني عليه" كشخص طبيعي له مصلحة في الكشف عن الجريمة، كما في السرقة، أو الإيذاء البدني، أو الاحتيال مثلًا، فجرائم الفساد تقع في الغالب على شخص اعتباري (مؤسسة حكومية أو كيان إداري محلي)، مما يُضعف أحيانـًا من الحافز الفردي على الملاحقة القضائية لغياب الضرر الشخصي المباشر الناشئ عن الجريمة، ويلقي بالعبء كله على جهات الرقابة والتحقيق والملاحقة.

معظم جرائم الفساد، إذًا، من فئة جرائم "الكتمان"، حيث يصعب الكشف عن الجريمة بقدر ما تزداد فرص التستر على ارتكابها فترة طويلة، خاصة إذا كان الجاني موظفـًا عامـًا يختار وقت ارتكاب الجريمة ووسيلة فعل ذلك، ويستفيد من مجموعة سلطات فعلية وامتيازات قانونية، تضمن له غطاءً لارتكاب جريمته.

من زاوية ثانية، يبدو التشريع نفسه (بالمعنى الواسع للكلمة) أحد العوامل غير المباشرة التي قد تهيئ تارةً فرص ارتكاب الفساد أو تحد تارةً أخرى من إمكانية ملاحقته.

الكل يتحدث عن الفساد، فمن يرتكبه إذًا؟

يتدرج الفساد من الصغير الذي نلمسه في دهاليز الجهازين البيروقراطي والأمني وساحات الإنصاف والتعليم والتطبيب، وصولًا إلى العمليات الاقتصادية الضخمة التي تقدر قيمتها بالمليارات، وبالتتابع يتزايد حجمه، وتتسع دائرته، وتتشابك حلقاته، وتترابط آلياته.

فممارسة الفساد، من رشوة ومحسوبية ووساطة، لم تعد مقصورة على الكبار فقط، بل امتدت إلى الصغار أو الفقراء، بفعل سياسات الإفقار، وتفاوت الدخول، والارتفاع المستمر للأسعار، وغياب القدوة في قمة هرم السلطة والمجتمع، وتآكل دور أجهزة الرقابة على قطاعات الخدمات الحكومية وغير الحكومية.

إن الفساد المالي هو إهدار المال العام إما لتحقيق كسب خاص أو إنفاقه فيما ليس ضروريـًا للوطن وليس بالتأكيد أولوية عالية له. هذا الفساد المالي يمكن أن ينجم عن استغلال المنصب العام للحصول على نفع خاص.

يندرج تحت هذا النوع نموذج الانخراط في ممارسات الاختلاس من المال العام أو قبول الرشوة، وهناك الفساد الصغير الذي ينشر بين صغار الموظفين، ورقة مالية ما يتم دسها للحصول على شهادة حكومية هي حق مؤكد لمن يطلبها، وهناك الفساد الكبير مثل تلقي كبار الموظفين عمولات سخية لتسهيل تمرير صفقة مع إحدى كبريات الشركات. والواقع أن أخطر أنواع الفساد هي تلك التي يصعب توقيع العقاب على من ينخرط فيها.

لا يقتصر الفساد على الجانب المالي، إنما يمتد إلى الفساد الإداري (مثل المجاملة في الترقيات وفي التعيين داخل الجهاز الحكومي إرضاء لأصحاب النفوذ أو مجاملة للأقارب) والسياسي (مثل تزوير الانتخابات). النوع الأول على بشاعته هو الأقل ضررًا؛ لأن بعض الفاسدين يعيدون تدوير ما حصلوا عليه من أموال في عجلة الاقتصاد الوطني، أما الثاني فهو مهلكة؛ لأنه يجعل الأردأ يصعد والأكفأ يهبط، فتُحرم الدولة من عطاء العقول المبدعة، وتتحلل قواها تدريجيـًا.

وإذا كانت حكومة إبراهيم محلب قد أطلقت في ديسمبر 2014 الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد "٢٠١٤– ٢٠١٨"، فإن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى إرادة قوية وإدارة صارمة لمكافحة الفساد، ووضع الأهداف والسياسات والبرامج والآليات التي تكفل محاصرته، وتفعيل ثقافة مجتمعية رافضة له بمختلف أشكاله.

إعلان

إعلان

إعلان