ارحمونا من تلال القمامة..!

ارحمونا من تلال القمامة..!

عادل نعمان
07:01 م الإثنين 29 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا أدرى ما أهمية إدارات الأحياء المنتشرة في أنحاء البلاد؟

وما هي مهمتها ووظيفتها ومسؤولياتها؟ وهل هناك توصيف وظيفي للعاملين فيها؟

وهل يتم توزيع المهام عليهم بجدول زمني محدد لكل مهمة؟ ومتى؟ وكيف تبدأ؟ ومتى؟ وكيف تنتهي؟

ومن ذا الذي يخطط لها، ويضع لها البرامج، ويحاسبها عن أخطائها، وخيبتها الثقيلة إذا أخطأت، ويكافئ منهم من نفذ المهمة وأتقن العمل وأجاد؟ وما هي الفائدة التي تعود علينا من الملايين التي تصرف للعاملين فيها من أموال الشعب، في صورة مرتبات وحوافز وأجور وبدلات طوال العام؟

وما جدوى آلاف السيارات واللوادر التي تطوف الشوارع والميادين، إذا كانت كل مهمات السادة العاملين بها فاشلة بامتياز، وكل الخرابات والمصائب والمخالفات تبيت ليلا في حجرهم، كما ولدت صباحا؟

فلم نرصد أو نسمع يومًا لهم عن نجاح، أو سمعنا عن مشكلة باتت محلولة، أو أصابها نصف حل، أو مهمة بدأوا العمل فيها وأذاقونا طعم النجاح بدلا من تجرعنا مرارة الخيبة والفشل، فمازالت مخالفات البناء على طول البلاد وعرضها، تحت وهج الشمس وستر الظلام، لا تغيب عن النظر، صباح مساء، لكنها تغيب عن عيون العاملين في الأحياء، أو قل يغلقون عنها عيونهم في الذهاب والعودة، فالمخالفات لا ترتدي قناعًا ولا يسترها ساتر، فهي واضحة وضوح الشمس.

وترقبوا معي الاعتداء القادم على جانبي الدائري الإقليمي، سيصيبه ما أصاب الدائري المحلي، وسترتفع البنايات، كما ارتفعت من قبل، وستحتله محلات إصلاح الكاوتشوك على نهر الطريق كما احتلت الدائري والمحور من قبل، وهما طريقا مرور السادة المسؤولين وباشوات المحليات صباح مساء. ولا يزال مسلسل التعدي على أراضي الدولة واحتلال الأرصفة من أصحاب المحلات والمقاهي والكافيهات مستمرًا تحت سمعهم وأبصارهم، ولا أخطئ إن قلت (تحت حمايتهم)، وما برحت ساحات الانتظار تحت هيمنة وسيطرة البلطجية والسيّاس يفرضون الإتاوات على أصحاب السيارات حسب مزاجهم وكأنهم ورثوها كابرا عن كابر، وكل هذا مسلسل متكرر من المخالفات والتعديات، متواصل ومستمر ومستقر، لا ينقطع وﻻ يهمد في أنحاء البلاد، وتيرة واحدة وشكل متكرر ومنظر ثابت لا يتغير في وجوهنا جميعا، وكلها ليست بحاجة لدليل أو برهان، وإياك أن تظن أن رجال الأحياء لا يسمعون ولا يرون ولا يتكلمون مع هؤلاء، بل إنهم يرسلون لهم المحاضر والغرامات، ويستفون ويرتبون أوراقهم عند المحاسبة والمساءلة، وفى نفس الوقت يضيعون حق الدولة، لكن حقهم محفوظ ومصون، فهم جميعا جلوس على تلك المقاهي، وزبائن دائمون على مطاعمها يحشرون بطونهم حشرا بما لذ وطاب من الطعام، دون حساب أو عقاب، ويمرون آخر النهار على هؤلاء السيّاس للأنس وشرب الشاي، ويغلقون عيونهم غلقا عن كل هذه المخالفات وهذه الاعتداءات. أما الجريمة الكبرى التي لن نغفرها لهم، فهي هذه الآلاف من أطنان القمامة المنتشرة في أحياء مصر بأكملها، الغنية منها والفقيرة، الحضر منها والمدن، المزدحمة بالسكان والخاوية على عروشها، فرقتهم جميعا المظاهر الاجتماعية والجيوب، وجمعتهم القمامة في صندوق واحد، فكيف يغلقون عيونهم عنها، ويديرون ظهورهم لها؟ وهي تخرق عين التخين منهم، وإذا أغلقوها هربا وخجلا، فإنها تزكم أنوفهم بروائحها الكريهة النتنة. وأتساءل، كما يتساءل الناس، أليس لكل حي من الأحياء رئيس يمر في الشوارع، ويسمع، ويشم، ويرى؟ أليس لكل محافظة من محافظات بلادنا محافظ ورئيس إقليم أيضا يمر، ويسمع، ويقابل، ويفتح ستائر سيارته، عله يشم ما يشمه الناس ويسمع شكواهم ورفضهم.

فإذا كانت الأحياء ورؤساؤها قد فشلوا في كل مهامهم فشلا ذريعا وبجدارة، فلماذا الإبقاء على هذه الأحياء قائمة، وعلى قياداتها في مناصبهم؟ ولماذا نتحمل نحن- الشعبَ دافعي الضرائب- عبء هؤلاء، وتكاليف رواتبهم وحوافزهم من جيوبنا؟

أفلا يعلمون أن خزنة الدولة بوابة عبور لأموال الشعب لمثل هؤلاء في صورة رواتب وأجور وبنزين السيارات لهم ولأولادهم وخدمهم وحشمهم، وأن هذا جميعا من أموال دافعي الضرائب مقابل عمل محدد لا نتراجع عن أدائه على الوجه الأكمل.

أيها السادة المسؤولون، لقد ضقنا ذرعا بتلال القمامة، وانتشر القبح وعمت الفوضى والدمامة على مدى أبصارنا، وأصبحت تقاسمنا شوارعنا وأرصفتنا، وتهدد صحة المواطنين في نقل الأوبئة والأمراض، وأضاعت من عيوننا لمسات الجمال وصور الحسن، حتى ألفناه، واعتدنا عليه، وعشنا في جواره نحلم بالخلاص منه.

أليس لديكم حل لهذه المشكلة؟! فإذا عجزتم عن حلها فاستعينوا بخبرات الدول التي سبقتكم في حل تلك المشكلة، وليس هذا بالأمر العيب أو العجيب أو الحرام، فدول العالم تتبادل فيما بينها الخبرات والتجارب.

أمريكا بجلالة قدرها استعانت بخبراء يابانيين في تطوير مناهج التعليم، حين لاحظت أن اليابان تتفوق عليها في هذا المجال، واعلموا أن البداية من العامل البسيط الذى ترك عمله في رفع القمامة منذ الصباح، ليتسول تحت أعين المشرفين، ولم تلفت نظرهم تلال القمامة، كما لم تلفت نظر القيادات في المحليات، فكل منهما وجد ما يشغله إلا عمله..!

إعلان

إعلان