كلود مونيه .. وأمواج السكون على شاطئ تروفيل

كلود مونيه .. وأمواج السكون على شاطئ تروفيل

د. هشام عطية عبد المقصود
07:00 م الجمعة 12 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

شغف تلوين السكون كمعادل إنساني لمختلف درجات الحركة، بديل غائب، هو ظل أو امتداد ظل، أو سيرة تحول الكائنات مع الأشياء في مشهد يوحد بين الكائنات، هذا كلود مونيه وتلك لوحة الأمواج المتكسرة عند شاطئ تروفيل، ثمة مراكب لن تدري أبدًا هل تأتي أم تغيب، تذهب في اتجاه المحيط أم تأنس إلى شاطئ صغير، المراكب محض أشرعة بلا قوارب، أو هو أرادها كذلك لسبب يعلمه ويرغب في أن نكتشفه على مهل، لتندهش وتسأل هل يرسمها مبحرة أم تطير؟

وأيضا ذلك السكون الكبير الذي يحتوى كل شيء، يوقف حركة عناصر اللوحة كأنه يثبت إيقاعات الزمن وحركة الموج والرياح، الجدار القاتم الذي يعلوه شخص يصيد ممسكًا سنارته، دون ظهور بقية هيئته، شخص تائه أو بلا ملامح محددة، بينما يبدو الصيادون الآخرون في المياه الضحلة يتلهون لكن فرادى وإن كانوا يظهرون قريبين في الرسم، كم يبدو شاطئ تروفيل خاصًا تمامًا، لا يحتفي بجذر أو مد فقط يستوعب هدأة العناصر فيمنحها سكونها.

أفكر في تسمية أخرى "حفاوة السكون في شاطئ تروفيل"، كلود مونيه يثبت الحركة عامدًا، ويمنح لون السماء حالة أحادية تضفي عليها سمتًا واحدًا، حالة غير متعددة الأجزاء، فقط كل هلامي ساكن ممتد، مهما أخذتك عناصر الإضاءة في اللوحات ستجذبك إلى فخ السكون، كأنه ينوع مفردات الحركة في سكونها المتخيل، أو في استعدادها للتحرك، أو بعد أن تحركت كثيرًا، وحين تحسب أن تعدد الشخوص في اللوحات سيضفى حركة ما، يفاجئك بأنه وفقط يؤكد وحدات السكون ويمنح الصمت مهابة حضور، أو هو يتلاعب فيكرر صدى سكون فآخر ليصير صمتًا ضخمًا.

ممتع أن تصنع هواية جديدة، شيئا لم تعرفه أو تمنحه اهتماما من قبل، ستجد كثيرا من الأشياء في الحياة ذات فائدة حين تعيد تقييم اعتيادك لها فتمنحها حق البدء من جديد، فتكون اكتشافا أو مغامرة، هكذا فعلت حين أوجدتني لحظات انتظار لم أقصدها أمام لوحة كلود مونيه.

أقول إن لوحة الأمواج المتكسرة هي كنز موهبته، وهي ليست أفضل ما يتم تصنيفه من أعماله من قبل مؤرخي وناقدي الفن الانطباعيين، لكن أرى أنها تعبير عن رؤيته لحدود حضور الألوان وخصوصية توظيفه للعناصر بشكل أكثر وضوحًا من أشهر لوحاته "شمس مشرقة"، تلك الشمس التي تنعكس على ماء البحيرة في التقاء مع مجداف الصياد في القارب الصغير لتبدو حارقة لا تُشرق، ثم إنه يهملها تمامًا كأنه يبعدها عن مركز اللوحة التي تتسمى بها، ويجعلها لا تختلف كثيرًا عن مساحة السماء التي تبدو خلفها أو فوقها، فتبدو منفصلة عنها ككرة لهب صغيرة، كيف تكون مشرقة وهي لا تضيء كامل اتساع البحيرة؟، ويصنع انعكاسها شيئا كحاجز كأنه يوقف حركة القارب ليصنع أيضا تيمته المحببة ذلك السكون في الموج.

مغرم ومفتون كثيرًا مونيه بالسكون، حيث يركبه من عناصر الحركة فيعيدها إلى حالة جماد كأنه يصنع انتظارا مملا راكدا متكررا ، أو يخلى الكون من الموجودات رغم حضورها فتكون لحظة بدء الكون.

الأمواج المتكسرة على شاطئ تروفيل تصنع هوايتي الآن من أمام لوحتك يا مونيه، وفنجان القهوة الثاني يؤكد أن كل لوحات شاطئ تروفيل قد أدخلتها مجرة سكونك، الكرسي الفارغ، الألوان التي تبدو صافية دون بهجة، البعيد والخلفي الغائم بلا تحديد، الأشخاص الذين ينظرون في شيء عابر متجاهلين الموج والشاطئ والحياة من حولهم، جميعهم يضفون أيضا سكونهم على البحر وشاطئه.
مونيه لا يحتاج ألوانا كثيرة، ويظل يستخدم - متأنيا ومترددا - درجات اللون الواحد، لا يستخدمها صافية دون شوائب، بل رتوشًا تكاد لا تُرى فيزيل عنها جوهرها، لا ترى الأبيض تحديدا خالصا ولا الأحمر كذلك، حتى زرقة النهر يداخلها لون لا نتبينه، ذلك اللون الخفي يا صديقي مونيه.

إعلان

إعلان

إعلان