• عند قبر عبد الناصر

    عند قبر عبد الناصر

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 17 سبتمبر 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بعد أن أدَّى الرئيس المنتخب محمد مرسي اليمين الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، كأول رئيس لجمهورية مصر العربية بعد ثورة 25 يناير، توجَّه بصحبة أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، ومعهم قيادات حزب الحرية والعدالة الحاكم، إلى ضريح الرئيس جمال عبد الناصر بحدائق القبة، لوضع إكليلٍ من الزهور على القبر، وقراءة الفاتحة على روحه الطَّاهرة؛ في محاولة منهم لمد جسور المودة مع القوات المسلحة، والتأكيد على تصالحهم مع التجربة الناصرية، وإيمانهم بثوابت الدولة الوطنية التي تأسَّستْ على شرعية ثورة يوليو، رغم صدامهم الدائم معها منذ خمسينيات القرن الماضي.

    بالطبع، كان الحدث فريدًا في شكله ومضمونه، ولهذا تابعَتْه الكثير من وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والعالمية، التي حرصتْ قيادة الجماعة على دعوتهم لرصد وتسجيل ونقل هذا الحدث، الذي كان يُجسِّد لهم لحظة انتصار تاريخية، وإعلانًا ضمنيًّا بموت جمهورية يوليو، التي تأسَّستْ على شرعية ثورة 1952، وامتدتْ من حكم الرئيس جمال عبد الناصر، إلى حكم الرئيس مبارك، مرورًا بحكم الرئيس السادات.
    وقد سارت ترتيبات الزيارة على نحوٍ جيِّد، رغم رفض أسرة الرئيس عبد الناصر، حضور أحد أفرادها لضريح الزعيم الراحل، ليكون في استقبال الرئيس مرسي، الذي صَرَّح في نهاية الزيارة بأنَّ ما دفعه للقيام بها، هو الرغبة في غلق صفحة الماضي وصراعاته، وبداية صفحة مختلفة، يتم فيها وضع دعائم جمهورية جديدة، تُعيد للإسلام مجدَه، وتجعل لمصر مكاناتها في قيادة العالم الإسلامي.

    وكادتْ الزيارة أن تؤتي بثمارها المرجوّة، وهي طمأنة المخاوف الأمنية والمشاعر الوطنية لدى قيادات القوات المسلحة وأفرادها، وقيادات الأجهزة الأمنية والسيادية، التي تُعد الأمينة على حماية ثوابت الدولة الوطنية، والتي شعرتْ بقلق من وصول جماعة الإخوان لحكم مصر، لولا أنَّه في لحظة خروج الرئيس محمد مرسي وقيادات الجماعة من الضريح، تخلَّف عنهم السيد “مهدي عاكف” مرشد الجماعة السابق، وأحد صقورها، ليقف بمفرده أمام القبر، ليقول لصاحبه في زهوٍ كبير: “ها نحن قد عدنا يا عبد الناصر..!”. دون أن يدري أن أحد الجنود المكلفين بحراسة الضريح، قد سمعه ولاحظ مشاعر التشفي في عينيه.

    ولأن هذا الجندي كان أحد أبناء الصعيد، ويحمل مشاعر تقدير كبيرة لصاحب الضريح، لما سمعه من حكايات عن وطنيته وإخلاصه ومحبته للفقراء من أبيه وجده، فقد تأذَّى كثيرًا لما شاهده وسمعه، بعد أن أدرك دلالاته ومغزاه، لكونه قد تخرَّج في قسم التاريخ بكلية الآداب، وتعمَّق في قراءة تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وبخاصة ما يتعلق فيه بثورة يوليو وسياقها وأهدافها وصراعتها الداخلية والخارجية، ومآلاتها. ولهذا نقل ما شاهده وسمعه لضابط أمن الكتيبة التي ينتمي إليها، الذي رفع بدروه تقريرًا بذلك إلى الجهاز الأمني التابع له، لتصبح تلك المعلومة وما تحتويه من دلالات موضع تحليل ودراسة من قيادات الجيش والأجهزة السيادية، لمعرفة النوايا الحقيقية للجماعة وقيادتها تجاه نظام الحكم وفلسفته وثوابته، والعمل على مواجهتها وإفشالها.

    وعلى صعيد آخر، فإن أصداء تلك الزيارة ونتائجها لم تقتصر على عالم الأحياء فقط، بل أحدثتْ صدمة كبيرة في عالم الأموات، وبخاصة عند صاحب الضريح، الذي فاجأه وجود هؤلاء عند قبره، وما شاهده وسمعه.

    وقد نقل إلينا مصدر موثوق من العالم الآخر أن الرئيس عبد الناصر قد أصابتْه صدمة شديدة، لما شاهده وسمعه، ونادى على “زكريا محيي الدين“ الذي كان أحدث الضباط الأحرار انتقالًا إلى العالم الآخر، وخاطبه مستفسرًا: إيه اللي حصل يا زكريا في مصر، وكيف انتهت الأمور فيها إلى وصول هؤلاء إلى حكمها، وانتخاب رئيس إخواني؟!

    فأجابه زكريا محيي الدين: العيب مش عليهم يا ريس، ولا على الشعب الغلبان اللي انتخبهم. العيب على كل اللي حكموا وقادوا مسيرة الوطن من بعدك، وشوّهوا تجربتك الوطنية، وخانوا مبادئ الثورة وأهدافها، وانقلبوا عليها، وهانوا وباعوا وسابوا حبل الفساد على الغارب.

    والمفارقة المؤلمة أن بعض رجالهم من المثقفين والسياسيين قد تمادوا في تشويه شخصك، واتهامك بالاستكبار والفساد والاستبداد، وتحميلك كل أسباب تدهور مصر منذ ثورة 52 حتى يومهم الحالي!

    وهنا صمت عبد الناصر، وشعر بحزن شديد على ما صارت إليه الأوضاع في مصر، وبؤس التغيّرات التي حدثت فيها من بعده. غير أنه لم يتوقف كثيرًا عند الاتهامات التي طالتْ شخصه، لأنه يعلم أن أعداءه لن يرضوا عنه حيًا أو ميتًا، وأنهم لن يشعروا براحة إلا بمحو اسمه وتجربته من ذاكرة المصريين والعرب. ثم قال لزكريا محيي الدين: أعترف بوقوع بعض الأخطاء في تجربتي السياسية وسنوات حكمي، وقد قُلتُ ذلك صراحة في بيان 30 مارس 1968، وطالبتُ بإحداث تغيير حقيقي في نظام الحكم، يستدرك النقص، ويُصوّب الأخطاء.

    ولا أظن أنَّ هناك حاكمًا في تاريخ مصر - قبلي أو بعدي - قد قال في حق نفسه ونظامه بمثل ما قلتُ به أنا في بيان 30 مارس، ولو أمهلني القدر، وامتدَّ بي الأجل لبعض السنوات لسَعيْتُ بعد تحرير الأرض وإزالة آثار العدوان، إلى تحقيق كل ما جاء فيه من توجهات وأهداف.

    ولو حدث ذلك، ربّما ما كان لمثل هؤلاء أن يسعوا بعد رحيلي للإساءة إلى شخصي ودوري، والتقليل من شأني ومحبتي لمصر والمصريين، ورغبتي في توفير الخير والحياة الكريمة لهما. وما كان ليأتي يوم يقف فيه أمام قبري نتيجة أخطاء حكم من جاء بعدي، رئيسٌ لمصر ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

    إعلان

    إعلان

    إعلان