اسرار عائلة ''مبارك''.. أوراق أخفاها المخلوع (3-3)
تامر أبو عرب
في أحد الكافيهات بمدينة قويسنا التابعة لمحافظة المنوفية التقيت اثنين من أبناء عم الرئيس السابق حسني مبارك. كان الشخصان في البداية يرفضان الحديث لأنهما يعتقدان أن الصحفيين يريدون فقط أن يأخذا منهما تصريحات عن نقائص الرئيس السابق وعيوبه، وهو عيب كبير عند الفلاحين أن تذم أحد أقربائك خاصة إذا كان في ''محنة''.
وعدتهما بأن أنقل فقط ما يقولانه بحلوه ومره، وأنني لا أبحث عن أشياء تدين مبارك بقدر بحثي عن أشياء تكشف النقاط الغامضة في تاريخه الطويل قبل الرئاسة وبعدها، وفي المقدمة من ذلك علاقته بعائلته والتي يكتنفها كثير من الغموض بين فريق يؤكد أن عائلة مبارك استفادت من كونه رئيسًا وفريق آخر يؤكد أنه على العكس لم تكن علاقته بأبناء عمومته على ما يرام.
ما عرفته عن تاريخ مبارك يعزز الاحتمال الثاني لكنني الآن مع شاهدي عيان ربما يكون لما سيقولانه دور في حسم الموضوع، لكنني حين نظرت من نافذة الكافيه على السيارتين الفخمتين التي جاء بهما ابنا عم الرئيس وانتقلت ببصري على المائدة التي نجلس عليها حيث تليفونات محمولة باهظة الثمن وعلب سجائر أجنبية وسلسلة مفاتيح يبدو أنها من الذهب اهتزت ثقتي بحكمي الأولي بعض الشيء.
غالبا فهم ابن عم الرئيس – وهو لواء سابق – ما وراء نظراتي فعاجلني بالقول ''على فكرة احنا عيلتنا مبسوطة والحمد لله من قبل مبارك ما يبقى رئيس ولا حتى يدخل الكلية الحربية، واحنا ولله الحمد مستفدناش أي حاجة من وراه بالعكس الموضوع ده ضرنا كمان''.
سعدت لأن هذه الجملة وفرت عليّ كثير من المقدمات، ثم دار حوار طويل تجاوز الساعتين تكلمنا فيهما عن كل شيء يخص علاقة مبارك وأسرته بعائلته الكبيرة ''عائلة مبارك''، وفي اليوم نفسه خرجت من قويسنا إلى كفر المصيلحة وكان الأمر أسهل كثيرا لأنني أعرف الكثيرين من أقارب مبارك في القرية بشكل شخصي من خلال موضوعات صحفية كنت أجريتها في السابق، وكنت أريد منهم أن يتحدثوا في نقطة محددة تتعلق بعلاقة مبارك بأبناء أعمامه.
خرجت بحكايات وروايات كثيرة تذهب كلها إلا أن علاقة مبارك بأبناء عمومته كانت هشة للغاية وأن غالبيتهم لم يستفيدوا بوجود ابن عمهم في قصر الرئاسة، وأن بعضهم تعمد مبارك أن يوقف مسيرة صعودهم بدعوى أن ذلك قد يفهم على أنه تم بوساطة منه، لكن هذا لم يمنع أن عددا من أقارب مبارك استفادوا كثيرا منه، وأجمع كل من قابلتهم على اسمين كانا أبرز المستفيدين من قرابتهم من مبارك، هما المهندس أمين مبارك الذي حافظ على موقعه في مجلس الشعب ورئاسة لجنة الصناعة بالبرلمان لأكثر من مرة وبالتزوير أحيانا وخاصة في انتخابات 2010، وكذلك المحاسب حسين مبارك الذي استمر لفترة طويلة رئيسا لشركة غزل شبين الكوم ورئيسا للمجلس الشعبي لمحافظة المنوفية.
اتصلت بالاثنين ليردا على هذه الاتهامات لكنهم رفضا تماما أن يتحدثا في الأمر رغم محاولتي إقناعهما أكثر من مرة.
من الروايات التي سمعتها من أبناء عمومة مبارك في قويسنا وكفر المصيلحة أن أنهم لم يلتقوا بمبارك سوى مرتين في واجبي عزاء، الأولى كانت في المنوفية أثناء جنازة شقيقته الحاجة سامية، حيث وصل بطائرة هليكوبتر وسط عدد كبير من أفراد الحرس ليحضر مراسم الدفن ويرحل دون أن يدخل في أحاديث مع أقاربه الذين اكتفوا بمشاهدته عن بعد مع نجاح عدد محدود في مصافحته ومواساته، فيما رفض عبد الفتاح مبارك، عم الرئيس الأقرب نسبا إليه، مقابلته لأنه «ابن عاق قام بدفن والديه خارج بلدته».
أما المرة الثانية التي التقى فيها مبارك أبناء عمومته، كانت عندما طلب كبار العائلة تقديم واجب العزاء للرئيس السابق بعد وفاة شقيقه أحمد سامي، وبعدما جاءت الموافقة من رئاسة الجمهورية سافر أبناء عمومة الرئيس والتقوه في قصر الرئاسة في جلسة لم تتجاوز الربع ساعة واقتصرت على المصافحة ودون أي أحاديث جانبية.
ويؤكد أبناء عمومة مبارك أن الرئيس السابق كان يعاني دائما من عقدة أنهم أفضل منه، وأنه لم ينس مناداته في القرية دوما بـ''ابن الحاجب'' نسبة إلى عمل والده موظفا بسيطا في المحكمة في حين أن بقية أقاربه كان من أصحاب الأملاك، لذلك كان يتعمد تجاهلهم جميعا ما عدا ابني عمه أمين وحسين، حتى أنه تم استبعاد اللواء محمد حسني مبارك، وهو أحد أبناء عمومة مبارك، من المجمع الانتخابي للحزب الوطني بتوجيهات عليا بعدما رغب في خوض الانتخابات بأحد دوائر المنوفية، وعندما استفسر عن سبب الاستبعاد قيل له إن الرئيس لا يريد أن يقال إنه يجامل أقاربه، رغم أن الدكتور أمين مبارك كان مرشحا للحزب في الدائرة المجاورة.
كذلك بدعوى الحياد تدخل الرئيس السابق شخصيا لإقصاء أحد أبناء عمومته ويدعى صلاح مبارك، وهو لواء طيار بالمعاش حاليا، من السفر في دورة تدريبية إلى روسيا وشطب اسمه من كشوف المسافرين وأبلغوه بأن الرئيس طلب ذلك خوفا من أن يقال أنه يجامل أقاربه، ويقول أبناء عمومة إنهم كانوا سيقبلون ذلك لو أنه نابع عن حياد حقيقي، لكنه كان يجامل بعض أقاربه ويعادي البعض الآخر لأسباب يعلمها هو.
الغريب أنه رغم كل ذلك كان أبناء عمومة الرئيس يدافعون عنه طوال الوقت، ويؤكدون أنه رجل طيب وملتزم ودؤوب في عمله، ويشددون على أن المقربين منه مثل زوجته سوزان ونجله جمال ورئيس ديوانه زكريا عزمي هم من أوصلوه إلى هذه النهاية التي لا يستحقها – على حد وصفهم – بعد سنوات طويلة أمضاها في خدمة الوطن منذ كان مديرا للكلية الجوية وقائدا لسلاح الطيران ونائبا للرئيس ثم رئيسًا، وبينما أنا أستعد للمغادرة قال أحد أبناء عمومته لي: ''بلاش كل الإعلام يبقى شغال شتيمة فيه هو عمل حاجات وحشة آه بس ده ميخليناش ننسى تاريخه كله في غمضة عين ونشيل اسمه من كتب التاريخ''.
وبعد ان انتهت سلسلة المقالات هذه أحب أن أؤكد مجددا أنني لم يكن هدفي منها لا تلميع الرئيس السابق ولا شيطنته، لكن غرضي منها فقط كان البحث في أوراق رجل حكمنا ثلاثين عاما دون أن نعلم عنه سوى اسمه واسم قريته، لعل التنقيب في هذا التاريخ يفسر لنا بعض ما حدث في الماضي القريب، وما يمكن أن يحدث في المستقبل.
للتواصل مع الكاتب
https://www.facebook.com/tamer.abuarab.7?ref=tn_tnmn
https://twitter.com/tamerabuarab
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع