متى تخفض مصر أسعار البنزين والسولار؟
تتصاعد التساؤلات حول إمكانية خفض أسعار الوقود في مصر، خاصة مع تذبذب أسعار النفط عالميًا، إلا أن الإجابة لا ترتبط بعامل واحد فقط، بل تتداخل فيها اعتبارات دولية ومحلية، تشمل سعر الخام عالميًا، وسعر الصرف، وسياسات الدعم، فضلًا عن آلية التسعير المعتمدة داخل السوق المصرية.
وشهدت أسواق الطاقة تقلبات حادة خلال الفترة الأخيرة، إذ قفزت أسعار النفط إلى ذروتها عند نحو 119 دولارًا للبرميل في مارس الماضي، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية، قبل أن تتراجع نسبيًا ليسجل خام برنت حاليًا نحو 111 دولارًا للبرميل، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق.
وعلى صعيد سوق الصرف، سجل سعر الدولار قبل اندلاع الحرب الإيرانية نحو 47.87 جنيه للشراء و47.97 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري، قبل أن يقفز إلى أعلى مستوى تاريخي له في مارس 2026 عند قرابة 54.86 جنيهًا، متأثرًا بخروج تدفقات أجنبية وزيادة الطلب على العملة.
ومع تراجع حدة الضغوط مؤخرًا، عاد الدولار للانخفاض النسبي، ليغلق عند نحو 52.78 جنيه للشراء و52.88 جنيه للبيع، في إشارة إلى استمرار التقلبات، ولكن بوتيرة أقل حدة مقارنة ببداية الأزمة.
كانت وزارة البترول والثروة المعدنية قد رفعت أسعار عدد من المنتجات البترولية في مارس الماضي، حيث صعد سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه، كما ارتفع سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه، إلى جانب زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز وغاز تموين السيارات.
وأرجعت الوزارة هذه الزيادات إلى تداعيات التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما نتج عنها من ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، بما دفع أسعار النفط والمنتجات البترولية إلى مستويات مرتفعة.
الخفض مرتبط بسعر النفط وآلية التسعير
قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة لـ"مصراوي"، إن خفض أسعار الوقود في مصر يرتبط في الأساس بتراجع سعر النفط عالميًا، موضحًا أنه إذا انخفض سعر البرميل إلى مستويات تتراوح بين 70 و75 دولارًا، فمن المفترض أن ينعكس ذلك على الأسعار محليًا.
لكنه أكد أن هذا الانخفاض لا يترجم تلقائيًا إلى خفض في الأسعار، مشيرًا إلى أن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية هي الجهة المختصة بمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر، واتخاذ قرار الزيادة أو الخفض وفقًا لحزمة من المؤشرات.
وأوضح أن خفض الأسعار يظل محدود الحدوث تاريخيًا، قائلاً إن "التجارب السابقة تؤكد أن الانخفاض لا يحدث إلا في حالات استثنائية، مثل فترة جائحة كورونا، بينما الاتجاه الغالب يكون نحو الزيادة".
وأضاف راغب أن توجه الدولة لرفع الدعم تدريجيًا يجعل الأسعار أكثر ارتباطًا بالتكلفة الفعلية، سواء من حيث السعر العالمي أو سعر الدولار، مؤكدًا أن "آلية التسعير في مصر لا تعمل بشكل تلقائي مثل بعض الدول، بل تخضع لقرارات اللجنة، وهو ما يجعل الخفض ممكنًا لكنه مشروط".
اقرأ أيضًا:
ارتفاع الدولار أمام الجنيه.. من الرابح ومن الخاسر؟ خبراء يجيبون
الخفض الحقيقي يبدأ عند 60 دولارًا
من جانبه، قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي لـ"مصراوي"، إن التراجع الحالي في أسعار النفط لا يعني خفضًا فوريًا في أسعار الوقود، مؤكدًا أن أي قرار بالخفض يحتاج إلى استقرار مستدام، وليس مجرد تحركات مؤقتة.
وأوضح أن الزيادات التي أقرت في مارس جاءت في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت 119 دولارًا للبرميل، ما رفع تكلفة الاستيراد بشكل كبير، مشيرًا إلى أن الانخفاض الحقيقي الذي قد يدفع الحكومة للتحرك سيكون عند مستويات أقل.
وأكد أنيس أن خفض الأسعار لن يتحقق فعليًا إلا إذا تراجع سعر البرميل إلى نحو 60 دولارًا، مع الاستقرار عند هذا المستوى لفترة زمنية كافية، لافتًا إلى أن أي تراجع دون ذلك قد لا يكون كافيًا لاتخاذ قرار.
وأضاف أن فاتورة دعم الطاقة تضاعفت لتصل إلى نحو 500 مليار جنيه، مقارنة بـ250 مليارًا قبل الأزمة، موضحًا أن الأولوية الحالية للحكومة هي احتواء الضغوط على الموازنة العامة، وليس خفض الأسعار.
وشدد على أن الإبقاء على الأسعار الحالية يظل الخيار الأكثر واقعية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، مع بقاء أي مراجعات مستقبلية مرهونة باستقرار حقيقي في سوق الطاقة.
اقرأ أيضًا:
الإمارات تنسحب من "أوبك" و"أوبك+" بدءًا من مايو المقبل
سياسة الدولة تقلل فرص الخفض
قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي لـ"مصراوي"، إن خفض أسعار الوقود لا يمكن النظر إليه بمعزل عن استراتيجية الدولة في إدارة قطاع الطاقة منذ عام 2016، بالتزامن مع برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وأوضح أن الحكومة تتبنى مسارًا تدريجيًا يبدأ برفع الدعم، ثم الوصول إلى التكلفة الفعلية، يلي ذلك تحقيق هامش ربح، مؤكدًا أن هذا التوجه يستهدف تعزيز كفاءة القطاع وجذب الاستثمارات.
وأشار إلى أن هذا الإطار يجعل خفض الأسعار غير مرجح، لأن الهدف لم يعد فقط تغطية التكلفة، بل تحقيق عوائد مستدامة، لافتًا إلى أن الدولة تعمل على طرح شركات قطاع البترول في البورصة ضمن وثيقة ملكية الدولة ورؤية مصر 2030.
وأكد النحاس على أن تحميل جزء من التكلفة على المستهلك أصبح جزءًا من السياسة الحالية، وهو ما يفسر استمرار الاتجاه نحو رفع الأسعار أكثر من خفضها، مؤكدًا أن أي تراجع محتمل سيظل محدودًا في ضوء هذه التوجهات.
اقرأ أيضًا:
كيف يؤثر خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" على أسعار النفط عالميًا؟