شيخ الأزهر ... النموذج والمكانة

هيثم عمران مدرس العلوم السياسية المساعد

شيخ الأزهر ... النموذج والمكانة

11:11 م الخميس 21 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هيثم عمران مدرس العلوم السياسية المساعد - كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس

شهدت مصر في السنوات الأخيرة عدداً من الأحداث المهمة واللحظات الفارقة في تاريخها. وليس بخفي أن ما عاشته بلادنا منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن، قد كشف ــ بصورة لا تدع مجالاً للشك ــ عن حجم التحديات والصعاب التي أحاطت بها، ولكن مشيئة الله كانت غالبة، حيث قيد لهذا الوطن رجالاً بذلوا الغالي والنفيس من أجل الدفاع عنه وحمل رايته. وقد كان من بين هؤلاء، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والذي مثل نموذجاً فريداً للوطنية المصرية، جعلته يرتقي ــ وبحق ــ إلى مصاف العظام الذين سيقف التاريخ طويلًا عن دورهم.

منذ تقلد فضيلته منصب شيخ الازهر الشريف وتحديداً في مارس 2010 وهو يحاول إعادة الدور التاريخي لتلك المؤسسة العريقة، إلا أن ما حدث بعد ذلك وعلى إثر سقوط بعض الدول العربية في براثن الفوضى والدمار وانتشار الجماعات المتطرفة والتي سعت إلى اختطاف الدين اختطافا وإسباغ عملياتها بنصوصه المقدسة، فانطلق فضيلته يجوب الأرض شرقاً وغرباً متسلحاً بفكره التنويري ووسطية الأزهر الشريف التي يعرفها القاصي والداني، لشرح صحيح الدين للشعوب المختلفة ويعلن براءة الإسلام من الجرائم والفظائع التي يرتكبها هؤلاء المجرمون، كاشفاً زيف التنظيمات والجماعات التي تتاجر بالدين، وتتخذ منه ستاراً لتحقيق مصالحها الذاتية.

وفي سبيل ذلك نظم الأزهر مؤتمره العالمي لمواجهة التطرف والإرهاب في 2014 حضره شخصيات رفيعة المستوي من دول عدة مسلمين ومسيحين باختلاف طوائفهم وأصحاب ديانات وعقائد أخرى، وجاء البيان الختامي للمؤتمر معلناً أن «كل الجماعات المسلحة التي استعملت العنف والإرهاب هي جماعات آثمة فكراً وعاصية سلوكاً، وليست من الإسلام الصحيحِ في شيءٍ»، وأكد على أن «المسلمين والمسيحيين في الشرق هم إخوة، ينتمون معا إلى حضارة واحدة وأمة واحدة»، ونجح الأزهر في عدم الانزلاق والاستجابة إلى دعوات تكفير تنظيمات الإرهاب التي طالبه بها البعض؛ كي لا يقع فيما وقعت فيه «داعش وأخواتها» من اتباع لمنهج التكفير الذى يتنافى مع وسطية الأزهر. وشدد على قتال هؤلاء المفسدين في الأرض والقضاء عليهم.

وتأكيداً على قيمة المواطنة كأساس للتعايش بين أبناء الوطن الواحد؛ قام فضيلته بزيارات تاريخية إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، مقدماً التهنئة لقداسة البابا تواضروس الثانى وللإخوة المسيحين، وأكد شيخ الأزهر أن تلك الزيارة تمثل نموذجًا حيًا على التعايش السلمي بين المسلمين والأقباط في مصر، وأن الشعب المصري نسيجٌ وطني واحدٌ، لا يمكن لأحدٍ - كائنا من كان – النيل من تلاحم أبنائه ووحدتهم التاريخية، قاطعاً الطريق على كل من يحاول العبث بمقدرات الوطن ووحدة الشعب وتلاحمه ووقوفه صفاً واحداً بجانب الدولة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل سعى فضيلته إلى إنشاء حوار مشترك بين الشرق والغرب وقادة الأديان والطوائف المختلفة؛ لإبراز الوجه الصحيح للإسلام ودوره الحضاري، ووأد محاولات إشعال الصراعات والنزاعات بين الأديان، ونزع فتيل التوتر والخلافات وتفويت الفرص على الجماعات الإرهابية، مستنداً في ذلك إلى قيم التسامح والتعايش والعيش المشترك والأخوة الإنسانية، وفي سبيل ذلك بادر فضيلته بزيارة تاريخية إلى روما للقاء البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، منهياً بذلك فترة من القطيعة، ومؤسساً لعلاقات جديدة تقوم على روابط مشتركة من الحوار والتفاهم والتصدي للعنف والإرهاب وإعلاء قيمة الأديان وسموها.

كما شارك كل من شيخ الأزهر وقداسة بابا الفاتكان في "المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية" الذي نظمته دولة الإمارات في فبراير 2019، وتمخض عن هذا المؤتمر التاريخي عن توقيع " وثيقة الإخوة الإنسانية" والتي تعد وثيقة تاريخية وغير مسبوقة؛ تدعو إلي السلام العالمي والعيش المشترك، فجعلت من ثقافة الحوار درباً، والتعاون المشترك سبيلاً، والتعارف المتبادل نهجاً وطريقاً، كما تدعو قادة العالم وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي إلى العمل جدياً على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فوراً لإيقاف سيل الدماء، ووقف الحروب والصراعات والتراجع المناخي والانحدار الثقافي والأخلاقي، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح "الأقليات" الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذور الفتن والشقاق، ويصادر على استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي إلى ممارسة التمييز ضدهم.

ولن ينسى التاريخ المواقف الإنسانية لشيخ الازهر مثل مؤازرته لأسر شهداء مسجد الروضة في شمال سيناء في عام 2017 وإعلان فضيلته أن القتلة الذين سفكوا الدماء في بيت من بيوت الله هم خوارج وبغاة مفسدون في الأرض. كذلك دعمه للروهينجا ومحاولة إيجاد حل لمشكلتهم عن طريق الحوار، ومطالبة فضيلته بضرورة تدخل كل المنظمات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان واللاجئين، لتحمل مسؤولياتها نحو قضية الروهينجا، والعمل على إيجاد حل عادل وسريع لإنقاذهم، وإعادة حقوقهم المغتصبة، والتزام ماينمار بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ظهر عام 1948، وكفل للجميع حق اعتناق الأديان وممارسة الشعائر الدينية ونبذ الاضطهاد الديني واحترام الأقليات الدينية.

وكانت الخطوة الأكبر حينما اشترك فضيلته مع قداسة البابا فرنسيس في تأسيس اللجنة العليا للأخوة الإنسانية لتطبيق مبادئ تلك الوثيقة الإنسانية السامية على أرض الواقع، وكان من أولى ثمار هذه الجهود هذا التضامن العالمي الواسع الذي أحدثته دعوة الصلاة من أجل الإنسانية التي جمعت لأول مرة الملايين من مختلف أنحاء العالم، ومن شتى الثقافات والأديان، للدعاء والصلاة من أجل أن يرفع الله وباء كورونا، ولأول مرة يدرك العالم ضرورة التضامن، وحتمية الأخوة الإنسانية، وأن الأديان مهما اختلفت ليست إلا سببًا للحب والسلام، فكان هذا الحصاد الطيب نتيجة لجهود سنوات من الإمام الطيب.

إنه الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، الذي سُيخلد اسمه بحروف من نور، ليس في التاريخ المصري الحديث فقط، بل في تاريخ البشرية جمعاء، لما لمواقفه الجليلة في خدمة الإسلام والمسلمين والعالم أجمع، من عظيم الأثر، فآرائه ومقولاته ستظل راسخة في أذهان الجميع دون شك، الأمر الذي يؤكد استحقاق فضيلته جائزة نوبل للسلام، تقديراً لجهوده المخلصة في نشر ثقافة السلام، ومحارفة الفكر المتطرف والإرهاب بكل ما أوتي من قوة، والتأكيد على ضرورة التعاون لا الصراع البشري، ليكون وبحق النموذج التي نود أن نراه دائماً.

إعلان

إعلان