راجح والبنا.. والصندوق الأسود

محمود أبو حبيب

راجح والبنا.. والصندوق الأسود

06:43 م السبت 02 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم ـ محمود أبو حبيب
عضو المركز الإعلامي بالأزهر

راجح والبنا أصولهما واحدة، وأجدادهما واحدة، وتاريخهما واحد، لكن في النهاية طريقهما مختلف، فقد جسّد البنا طريق الشهامة، التي جسدها موقفه عند رفضه سلوكًا خطأ من أحد الأشخاص، لم يكن الشاب سلبيًا، أو أنانيًا، ولم يتوقف لـلحظةٍ عن اتخاذ موقفٍ أخلاقي تجاه سلوكٍ مقزز، إنه موقفٌ يترجم هوية مجتمعنا الأصيل، في نفس الوقت وعلي النقيض، نرى موقفًا غريبًا علي مجتمعنا قد جسده الطرف الأخر، وكأننا أمام فليم سينمائي، يحكي لنا واقعًا مريرًا، فهل يا تُرى من مخرج هذا الفيلم؟، ومن البطل فيه؟، هذه القصة ذات المشهد الدرامي بين الخير والشر، التي لطالما جسدتها لنا السينما، وكأنها من الخيال، باتت اليوم – وللأسف - تُعرض علي أرض الواقع، فإلى متي ستستمر؟ وهل سينتصر الخير وتُطفئ نيران الشر؟، أم أن أبطال المشهد الدرامي سيظلون يلعبون الدور على مسرح الواقع؟، ما دام الجمهور سيدفع تكلفة العرض!

إنّ القصة التي حدثت وتحدث كل يوم، ما هي إلا انعكاس لجزءٍ مريرٍ من واقعنا، يحتم علينا ضرورة فتح الصندوق الأسود؛ للكشف عن الأسباب والدوافع وراء هذه التصرفات الغريبة عن مجتمعنا، وضرورة إيجاد حلٍ جزريٍ وفوريٍ لها، هذا الجزء يمثل هذا الحادث شكلًا من أشكاله، فهناك أشكال عدة منه، فقد انتشرت ظاهرة التحرش إلى درجة الوقاحة! وظهر ما يعرف بالفوضى الأخلاقية، وبات الغش والكذب والسرقة والاحتيال شيئًا عاديًا، كل هذه السلوكيات الدخيلة على مجتمعنا شوهت نظامنا الاجتماعي.

أصبح لزامًا علينا البحث داخل الصندوق الأسود بداخلنا قبل انهيار جدار الأخلاق التي بات متصدعًا، وتتساقط كل يوم لبنة من لبناته، لا بد من إعادة النظر في كل هذه المفاهيم الخاطئة الغريبة على مجتمعنا، والتصدي بكل حزمٍ وقوةٍ لأي فردٍ أو فئةٍ تحاول إظهار الوجه القبيح للمجتمع، هذا إذا كنا نريد إخراج جيلٍ جديد، يعكس أصالة مجتمعه وتاريخ أجداده، ولنتذكر دائمًا أن الأخلاق هي المعيار الأساسي في تقدم الأمم.

لا أختلف مع الجميع في ضرورة محاسبة الجاني أيًا كان موقعه، إذا كنا نريد مجتمعًا واعيًا يصبو للتقدم والرخاء، لأنه كما قال العقاد: "الحق هو جوهر الحياة والمقصود الأسمى منها"، ولكن لماذا لا نفكر في كيفية معالجة أسباب الجريمة قبل وقوعها بدلًا من انتظارها؟، لماذا لا نبدل ظلام الجهل بنور الحق؟، ونحن من يتغنى بشعار" الوقاية خير من العلاج"، ألا يصنف هذه الانحراف في سلوكيات البعض مرضًا من أمراض المجتمع التي يجب معالجتها؟

راقبوا جيدًا الأم أو الأب؛ عندما يرون أثر إشباع احتياجات أبنائهم المادية، ترى في أعينهم حالة من الاحتضان والفخر تسيطر عليهم، أليس من الأجدر بهؤلاء إشباع احتياجهم النفسية والتربوية، ساعتها سيشعرون بالفخر الحقيقي، ورحم الله أمير الشعراء شوقي إذ يقول (إنْمَا الأُمَمُ الاخْلَاقُ مَا بَقيتْ .. فإنْ هُمُ ذهبتْ أخْلاقُهُمْ ذهبُوا)، هذا، إذا كنا نريد الحفاظ على أبنائنا ومجتمعنا.

يجب أن يضطلع الآباء والمجتمع بمسؤولياتهم، تجاه تربية جيلٍ معد ذهنيًا وفكريًا، يعرف ما له وما عليه، يقدر المسؤولية ويحترم الحريات، جيل يعرف للخلاف حدوده ويحترم النقاش والاختلاف مع الأخر، هذا هو السبيل الحقيقي لبناء وطن، ولا سبيل غير ذلك لبناء إنسان، أم ما زلنا في حاجة إلى المزيد؟!

إعلان

إعلان

إعلان