تخيل أن تتذكر موقفًا قديمًا بكل تفاصيله؛ المكان والأشخاص وحتى الكلمات التي قيلت، ثم تكتشف لاحقًا أن جزءًا من هذه الذكرى لم يحدث أصلًا.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه من الظواهر التي درسها علماء النفس وعلوم الذاكرة، وتُعرف باسم "الذكريات الزائفة"، وهي ذكريات يتذكر فيها الشخص أحداثًا أو تفاصيل بصورة تختلف عن الواقع، وقد تتضمن أحيانًا أمورًا لم تحدث من الأساس.
وبحسب الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، فإن الذاكرة البشرية لا تعمل كتسجيل حرفي للأحداث، بل هي عملية معقدة يعيد خلالها الدماغ بناء المعلومات عند محاولة استرجاعها، ما يجعل بعض التفاصيل عرضة للتغير أو التأثر بمعلومات جديدة.
كيف تتكون الذكريات الزائفة؟
عندما نمر بتجربة معينة، لا يحتفظ الدماغ بالضرورة بكل لحظة وتفصيل فيها، وإنما يخزن مجموعة من المعلومات ثم يعيد بناء الذكرى عند استرجاعها لاحقًا.
وخلال هذه العملية، قد تتداخل معلومات جديدة مع الذكرى الأصلية، خصوصًا إذا مر وقت طويل على الحدث أو جرى الحديث عنه مرات عديدة.
فقد يسمع الشخص رواية مختلفة عن موقف قديم من أحد الأشخاص، أو يخلط بين حدثين متشابهين، ثم يتذكر لاحقًا بعض التفاصيل الجديدة باعتبارها جزءًا من تجربته الأصلية.
هل يمكن أن نكون واثقين من ذكرى غير صحيحة؟
الأمر اللافت أن الشخص قد يشعر بثقة كبيرة في ذكرى تحتوي على تفاصيل غير دقيقة، ولا يعني ذلك بالضرورة أنه يكذب أو يتعمد اختلاق القصة.
فالذكرى بالنسبة إليه قد تبدو حقيقية تمامًا، حتى لو كانت بعض عناصرها قد تغيرت بمرور الوقت أو اختلطت بمعلومات أخرى.
وتشير أبحاث الذاكرة إلى أن مرور الزمن، وتداخل الأحداث المتشابهة، والمعلومات التي نتلقاها بعد وقوع الحدث، من العوامل التي يمكن أن تؤثر في دقة التذكر.
هل يمكن أن نتذكر شيئًا لم يحدث؟
يمكن أن تتكون لدى الإنسان ذكرى عن حدث لم يقع بالطريقة التي يتذكرها، أو عن تفاصيل لم تكن موجودة أصلًا.
لكن الأدق علميًا ألا نقول إن الدماغ "يكذب" على صاحبه عمدًا؛ فالذاكرة ليست نسخة ثابتة من الماضي، وإنما عملية قابلة لإعادة البناء والتعديل أثناء الاسترجاع، ولهذا فإن شعور الشخص بأنه يتذكر موقفًا "بوضوح شديد" لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيل الذكرى دقيقة.
الدماغ ليس كاميرا
على عكس الكاميرا التي تسجل المشهد كما وقع، تعمل الذاكرة البشرية بطريقة أكثر تعقيدًا؛ إذ تعتمد على تخزين المعلومات ثم إعادة بنائها عند استدعائها، وقد تتغير بعض التفاصيل مع مرور الوقت، وقد تدخل معلومات جديدة في الذكرى دون أن يدرك الشخص حدوث هذا التداخل.
اقرأ أيضًا:
لحماية الذاكرة وتأخير شيخوخة الدماغ.. طبيبة أعصاب تكشف أهم العادات اليومية
ما علاقة القلب بالزهايمر؟ علامات صامتة قد ينذر بمشكلات في الدماغ