"كتابٌ لا يغسله الماء"
بقلم د. عبد الحليم إبراهيم كرسون
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بمشيخة الأزهر الشريف
لا شكَّ أنَّ اللهَ كرَّمَ الإنسانَ، وميَّزَهُ دونَ غيرِهِ بميزاتٍ متعدِّدةٍ، ولعلَّ مِن أبرزِها النُّطقُ باللِّسانِ، والفهمُ بالعقلِ والجَنانِ. وقد اختصَّ اللهُ هذهِ الأُمَّةَ الإسلاميَّةَ بمنحةٍ كُبرى، فنالتْ منزلةً لم تنلْها غيرُها من الأُممِ؛ إذ أرسلَ اللهُ إليها أفضلَ رُسُلِه، وهو سيِّدُنا محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ، وكفى بها نعمةً، وأنزلَ عليها خيرَ كُتُبِه، وهو القرآنُ الكريمُ، وشرعَ لها أحسنَ الشرائعِ؛ فكانتْ بحقٍّ خيرَ أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاسِ، تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المنكرِ، أُمَّةً مصطفاةً مختارةً، تبني ولا تُخرِّبُ، وتُعمِّرُ ولا تُدمِّرُ، وتُبدعُ ولا تُقلِّدُ.
وهذهِ الأُمَّةُ منحَها اللهُ منحةً ربَّانيَّةً لم تكنْ لأُمَّةٍ من الأُممِ؛ فقد وضعَ لها أصولَ شريعتِها في كتابٍ مُعجزٍ خالدٍ باقٍ ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ، معجزةٌ جمعتْ كلَّ الخيرِ؛ فخبرُه صدقٌ، وقصصُه حقٌّ، وأحكامُه عدلٌ، وهو كتابُ هدايةٍ ونورٍ ورحمةٍ وإنصافٍ، محفوظٌ من التزييفِ والتبديلِ والتحريفِ والتغييرِ. وقد تحدَّى اللهُ به العربَ، وهم أربابُ الفصاحةِ والبلاغةِ والبيانِ، أن يأتوا بأصغرِ سورةٍ من مثلِه، فعجزوا هم ومن معهم، قالَ تعالى: "وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة: 23).
بل إنَّ التحدِّي تجاوزَ العربَ إلى كلِّ عاقلٍ من الثَّقلينِ، الإنسِ والجنِّ، أن يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ، قالَ تعالى: "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء: 88).
ولقد تضمَّنَ القرآنُ الكريمُ حقائقَ علميَّةً أثبتَها الواقعُ، كما اشتملَ على إشاراتٍ علميَّةٍ وحقائقَ كونيَّةٍ، مثل مراحلِ تكوينِ الجنينِ، واتِّساعِ الكونِ، وتصدُّعِ الأرضِ؛ وهي أمورٌ لم يُدرِكْها العلمُ الحديثُ إلَّا في العصورِ المتأخِّرةِ. ومع تعاقبِ الزَّمنِ، وظهورِ علماءَ ومفكِّرينَ من مختلفِ الأجناسِ، لم يثبتْ أيُّ تعارضٍ بين نصوصِه وآياتِه؛ فهو كتابٌ لا يشبعُ منه العلماءُ، ولا يملُّه المحبُّونَ للهِ تعالى.
وقد شهدَ للقرآنِ الجنُّ المؤمنونَ بأنَّه كتابُ هدايةٍ، فآمنوا به، بل رجعوا منذرينَ إلى أقوامِهم يدعونَهم إلى الاستجابةِ لدعوةِ هذا النَّبيِّ المؤيَّدِ بهذا الكتابِ، قالَ تعالى: "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الأحقاف: 29–31).
بل شهدَ له كذلك بعضُ أعداءِ الدِّينِ؛ فقد وردَ أنَّه لمَّا نزلَ أوَّلُ سورةِ غافرٍ، في قولِه تعالى: "حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" إلى قولِه تعالى: "إِلَيْهِ الْمَصِيرُ"، سمعَ هذهِ الآياتِ الوليدُ بنُ المغيرةِ، وهو من أشدِّ المعاندينَ والمكابرينَ ضدَّ الإسلامِ، فقالَ: "واللهِ لقد سمعتُ منه كلامًا ما هو من كلامِ الإنسِ ولا من كلامِ الجنِّ، وإنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أعلاه لمثمرٌ، وإنَّ أسفلَه لمغدقٌ، وإنَّه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما يقولُ هذا بشرٌ".
ولقد أنزلَ اللهُ القرآنَ على سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ فصارَ أعظمَ الأنبياءِ، ونزلَ به جبريلُ عليهِ السَّلامُ فصارَ أعظمَ الملائكةِ، ونزلَ في شهرِ رمضانَ فصارَ أعظمَ الشُّهورِ، ونزلَ في ليلةِ القدرِ فصارتْ أعظمَ اللَّيالي.
وإنَّه لشرفٌ عظيمٌ لقارئِ القرآنِ الكريمِ أن يتَّصلَ باللهِ تعالى، فيتلقَّى كلامَه المعجزَ، ويتلوَه، ويحفظَه، ويتقنَه. وقد يسَّرَ اللهُ تلاوتَه وقراءتَه؛ فأثَّرَ في القلوبِ، فوجلتْ منه القلوبُ العاقلةُ فأسلمتْ، وخشعتْ له العقولُ العاصيةُ فتابتْ إلى ربِّها؛ فهو منهجُ حياةٍ للدِّينِ والدُّنيا والآخرةِ.
وقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحه عن سيِّدِنا عِيَاضِ بنِ حِمارٍ رضيَ اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطبَ في أصحابِه رضيَ اللهُ عنهم ذاتَ يومٍ خطبةً بليغةً، بيَّنَ فيها بعضًا من خصائصِ القرآنِ الكريمِ التي لم يختصَّ بها كتابٌ غيرُه، فقال: "وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ". وهذا إشارةٌ إلى القرآنِ الكريمِ؛ أي: لا يمحوُه الماءُ ولا يذهبُ به، بل يبقى على مرِّ العصورِ؛ لكونِه محفوظًا في الصدورِ، خفيفًا على الألسنةِ، قد وعته القلوبُ، فلو غُسِلَتِ المصاحفُ لما انغسلَ من الصدورِ، ولا ذهبَ من الوجودِ. ويشهدُ لذلك قولُه تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9)، وقولُه تعالى: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" (القمر: 17). وجاءَ في الحديثِ أيضًا: "تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ"؛ أي يكونُ محفوظًا لكَ في حالتي النومِ واليقظةِ، وقيلَ: تقرؤه في يُسرٍ وسهولةٍ.
فيا أيُّها المسلمُ، لا تهجرِ القرآنَ؛ حتى لا تقعَ تحت طائلةِ عتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، الذي ذكره اللهُ تعالى في كتابِه فقالَ: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" (الفرقان: 30). فالهجرُ ليس تركَ التلاوةِ فقط، بل كذلك تركُ التدبُّرِ وتركُ العملِ.
ومن ثمَّ، فإنَّها دعوةٌ إلى التخلُّقِ بأخلاقِ القرآنِ، والاقتداءِ برسولِنا الكريمِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ؛ فقد قالتِ السيِّدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في وصفِ خُلُقِه: "كانَ خُلُقُهُ القرآنَ". فلا تتركْه دونَ تدبُّرٍ؛ حتى لا تقعَ تحت الاستفهامِ الإنكاريِّ والتوبيخيِّ الذي جاءَ في قولِه تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد: 24).
واجعلِ القرآنَ رفيقَكَ في السرَّاءِ والضرَّاءِ، ولا تتركْه أبدًا؛ فقد قالَ تعالى: "فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ" (المزمل: 20). وقد أمرَ اللهُ بملازمتِه والمواظبةِ عليه ولو بالقليلِ؛ ليبقى القرآنُ صاحبًا دائمًا للعبدِ.
فهو رفيقُ شفاءٍ عند الألمِ، ورفيقُ رحمةٍ عند الضِّيقِ؛ مَن جالسَه آنسَه، ومَن لازمَه رفعَه، ومَن عملَ به أعزَّه اللهُ.
ولا تجعلْه وسيلةً للتفاخرِ، بل اجعلْ قراءتَكَ له خالصةً للهِ تعالى، دونَ طلبِ ثناءٍ أو إطراءِ أحدٍ. إنَّ تدبُّرَ القرآنِ الكريمِ هو مفتاحُ كلِّ خيرٍ؛ فقراءتُه بخشوعٍ واستحضارِ القلبِ أعظمُ أثرًا في شرحِ الصدورِ واستنارةِ القلوبِ، واتباعُه هو الثمرةُ الحقيقيَّةُ للقراءةِ والحفظِ، وهو الفتحُ الأكبرُ الذي ينالُه العبدُ.
والحقُّ أنَّ سرَّ القرآنِ يكمنُ في أنَّه نصٌّ لا ينفدُ؛ ليس لأنَّه طويلٌ، بل لأنَّه إنزال الجليل وبناءَه يسمحُ باستكشاف دلالاتِه مع كلِّ تطوُّرٍ في الوعيِ البشريِّ، فكأنَّه مرآةٌ تعكسُ سقفَ المعرفةِ في كلِّ عصرٍ؛ فهو بناءٌ وصياغةٌ ربِّ العالمين وصدق الله العظيم إذ قال: "طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ".
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع