إعلان

جرحٌ لا يندمل

كتب : مصراوي

07:31 م 15/03/2026

احمد ابو ضيف

تابعنا على

مقال بقلم: احمد ابو ضيف

عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بمشيخة الأزهر

عندما حجَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه مرَّ بوادٍ كان يعرفُه جيِّدًا، فتوقَّف وقال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ العليُّ، المُعطي ما شاء لمن شاء، كنتُ أرعى إبلَ الخطابِ في هذا الوادي في مدرعةِ صوفٍ، وكان فظًّا يُتعبني إذا عملتُ، ويضربني إذا قصَّرتُ، وقد أمسيتُ وليس بيني وبين الله أحد».

هذه الكلماتُ القليلةُ تكشفُ حقيقةً إنسانيَّةً عميقةً، وهي أنَّ الإنسانَ قد يبلغُ أعلى المناصبِ وأعظمَ المكانةِ، لكنَّه لا ينسى ما عاشَه في طفولتِه من قسوةٍ أو ألمٍ؛ فذكرياتُ الطفولةِ تتركُ في النفسِ أثرًا عميقًا، وقد تبقى جراحُها حيَّةً في القلبِ مهما مرَّت السنواتُ.

وعليهِ، فقد جاء الإسلامُ مؤكِّدًا على الرحمةِ بالأطفالِ والعطفِ عليهم، وجعلَ ذلك من صفاتِ الإيمانِ وكمالِ الخُلقِ. فقد روى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قبَّل الحسنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما، وكان عنده الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ، فقال الأقرعُ: إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا. فنظر إليه النبيُّ ﷺ وقال: «مَن لا يَرحم لا يُرحم» (أخرجه البخاري).

إنَّ هذه الكلماتِ النبويَّةَ قاعدةٌ تربويَّةٌ عظيمةٌ، تؤكِّد أنَّ الرحمةَ ليست ضعفًا، بل هي أساسُ التربيةِ السليمةِ وبناءُ النفوسِ المتوازنةِ؛ فالطفلُ الذي ينشأُ في جوٍّ من الحنانِ والرِّفقِ يكبرُ وفي قلبِه حبٌّ لوالديهِ ورحمةٌ بالناسِ.

ومع ذلك، لا يزالُ بعضُ الناسِ يقسونَ على أبنائِهم قسوةً شديدةً، ويظنُّون أنَّ ذلك من حقِّهم، فإذا نُصحوا قالوا: دعني وشأنَ ولدي، فهو ملكي وأنا أعلمُ كيف أُربِّيه. لكنَّ السؤالَ الذي ينبغي أن يُطرح هنا: هل الأبناءُ ملكيَّةٌ شخصيَّةٌ للوالدين، أم أمانةٌ أودعها اللهُ عندهما؟

إنَّ الجوابَ يتجلَّى في موقفٍ حكيمٍ لصحابيَّةٍ جليلةٍ هي أمُّ سليمٍ رضيَ اللهُ عنها؛ فعندما تُوفِّي ابنُها، أرادت أن تُخبرَ زوجَها أبو طلحةَ الأنصاريَّ بطريقةٍ حكيمةٍ، فقالت له: «يا أبا طلحةَ، أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعاروا عاريتَهم أهلَ بيتٍ، فطلبوا عاريتَهم، ألهم أن يمنعوهم؟» قال: لا. قالت: «فاحتسب ابنَك».

بهذه الحكمةِ العميقةِ ذكَّرتْه بأنَّ الابنَ كان أمانةً من اللهِ، وقد استردَّ اللهُ أمانتَه. وهكذا حالُ جميعِ الأبناءِ؛ فهم هبةٌ من اللهِ ونعمةٌ عظيمةٌ، يضعُها اللهُ بين أيدينا لنرعاها ونُحسنَ تربيتَها.

إنَّ كثيرًا من الناسِ حُرموا نعمةَ الأطفالِ، وهم على استعدادٍ أن يبذلوا الغاليَ والنفيسَ من أجلِ طفلٍ واحدٍ، فكيف يُفرِّط بعضُ الآباءِ في هذه النعمةِ بالقسوةِ والعنفِ؟ إنَّ الحنانَ يُعلَّمُ ويُزرعُ، والرحمةَ تُورثُ بالقدوةِ والمعاملةِ.

فليتذكَّرْ كلُّ أبٍ وأمٍّ أنَّهم مسؤولون أمامَ اللهِ عن هذه الأمانةِ، وأنَّ الرحمةَ التي يمنحونَها لأبنائِهم اليومَ ستعودُ إليهم غدًا؛ فكيف نرجو من أبنائِنا أن يرحمونا في كِبَرِنا، إن كنَّا لم نرحمْهم في صِغَرِهم؟

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان