الدكتور محمود الأبيدي
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الإنسان في رحلته في هذه الحياة كثيرًا ما يثقل كاهله الصراع وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويبحث قلبه عن أمان لا يزول، متسائلًا: أين ينام الهدوء حين تشتعل الحروب في صدورنا؟ وكيف استطاع السابقون أن يبتسموا وسط المحن والشدائد؟ موضحًا أن السر في تلك السكينة الربانية التي إذا نزلت على القلب تحوّل الضيق إلى سعة، والفقر إلى غنى، والوحشة إلى أنس، فهي الهبة التي يمنحها الله لعباده حين تتعلق قلوبهم به وتهاجر أرواحهم إلى مرافئ القرآن، مستلهمين من خطى الصحابة والتابعين كيف تبقى المصابيح مضيئة وسط عواصف الحياة.
وأضاف العالم بوزارة الأوقاف، خلال حلقة برنامج "سكينة"، المذاع على قناة" الناس": أن الطريق إلى السكينة يبدأ حين يخلع الإنسان عن روحه ثياب القلق ويغرس في قلبه شجرة اليقين، فكم من إنسان يطارده الخوف من المجهول ويتساءل: ماذا لو ضاق الرزق؟ ماذا لو ساءت الأحوال؟ بينما الحقيقة أن المؤمن يتعلم كيف ينام في جوف العاصفة بسلام، لأنه يثق في ربّان السفينة، ويدرك أن الرضا بالقدر ليس استسلامًا يائسًا، بل هو سكينة الأقوياء الذين يعلمون أن اختيار الله لهم خير من اختيارهم لأنفسهم.
وأشار إلى قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، مبينًا ما قاله علقمة في تفسيرها: إن الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فيمنحه الله هداية القلب وسكينة الرضا، فيرى المنع عطاءً، والضيق سعة، والابتلاء رفعة، لأن اليقين الحقيقي هو أن يهدأ القلب وهو يعلم أنه يسير في ملكوت الله بأقدار الله.
ولفت الدكتور محمود الأبيدي إلى أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم أروع نماذج اليقين في أحلك اللحظات، فعندما خرج النبي إلى الطائف فرده القوم وآذوه وسالت الدماء من قدميه الشريفتين، لم يشكُ قدر الله، بل لجأ إلى ركن الله وقال كلماته الخالدة: «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي»، مؤكدًا أن هذا الميزان النبوي يعلمنا أن السكينة الحقيقية هي أن يطمئن القلب طالما أن الله راضٍ عنه، فكل ما يجري بعد ذلك يحمل في طياته الخير والجمال.
وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة السكينة الذهبية حين مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فلما علمت أنه رسول الله جاءت تعتذر، فقال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، موضحًا أن الرضا لا يعني غياب الألم، بل يعني الثبات في أول لحظة من العاصفة، لأن المؤمن يعلم يقينًا أن الذي أرسل البلاء هو نفسه الذي يجعل بعده فرجًا وسلامًا.
وأوضح أن السلف الصالح جسّدوا هذا المعنى في حياتهم، فقد رُوي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لما مات ابنه قام فصلى ركعتين وقال: “اللهم فعلت ما أمرتنا به من الصبر فافعل بنا ما وعدتنا”، كما قال عمر بن عبد العزيز: “أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر”، وهي الحالة التي يبلغ فيها العبد قمة السكينة فلا يتمنى أن يكون ما وقع على غير ما وقع، لأنه يثق في حكمة الله.
وأشار إلى ما قاله الحسن البصري رضي الله عنه: “من أيقن بالخلف جاد بالعطية، ومن أيقن بالقدر لم يبالِ بما فاته”، كما قال ابن عطاء الله السكندري: “لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك”، مؤكدًا أن اليقين هو سكون القلب لثقته بالله، فإذا سكن العبد إلى تدبير الله واستراح من همّ تدبير نفسه، نزل اليقين في قلبه فتحول ليله ضياءً وضيقُه فضاءً.
وأوضح أن العارفين بالله يقولون إن الرضا هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، فالسكينة لا تعني غياب الابتلاء، بل تعني أن يرى المؤمن في طيات المحنة منحة، وأن يضع ما يعجز عن حمله على عاتق من بيده ملكوت كل شيء، وهنا تبدأ الراحة الحقيقية للنفس.
وقدم تمرينًا عمليًا للوصول إلى السكينة، بأن يتأمل الإنسان أمرًا يزعجه، ثم يقول لنفسه: “هذا قدر الله وعلم الله فيما لم أعلمه أنا”، ويتخيل أنه يفتح يديه ويترك هذا الأمر لله، مرددًا: “رضيت بالله ربًا وبالقدر خيره وشره”، حتى يشعر كيف يهدأ الصراع داخله ويحل السلام مكان القلق.
وأكد الدكتور محمود الأبيدي أن اليقين هو أعلى درجات المرونة النفسية، لأن المؤمن لا يتوقف عند سؤال “لماذا حدث هذا؟”، بل ينتقل إلى “كيف أتعايش برضا مع ما حدث؟”، فبهذا القبول يتوقف العقل عن استنزاف نفسه في مقاومة ما لا يمكن تغييره، ويبدأ في التكيف والنمو، موضحًا أن معادلة السكينة هي: بذل السبب المستطاع بالإضافة إلى اليقين في حكمة الخالق يعطي سكينة رضا لا يهزمها قدر، مضيفًا أن المستقبل بيد الرحمن، وأن اليقين هو أن تمشي في الظلام وأنت واثق أن نور الله سيشرق في وقته المناسب، وأن الرضا بالقدر هو البلسم الحقيقي لأوجاع الحياة التي لا دواء لها.
اقرأ أيضاً
علي جمعة يوضح كيفية حساب الزكاة على المواليد والمتوفين قبل وبعد أذان المغرب