• "لم أتصور إن واحد من درب قرمز ياخد نوبل".. جولة في حوارات نجيب محفوظ

    03:37 م الأحد 14 أكتوبر 2018
    "لم أتصور إن واحد من درب قرمز ياخد نوبل".. جولة في حوارات نجيب محفوظ

    الأديب نجيب محفوظ

    كتبت- شروق غنيم:

    كانت الدهشة قبل كل شيء؛ في تمام الواحدة ظهرًا بتوقيت استوكهولم، يوم الثالث عشر من أكتوبر عام 1988، وقف الناقد شتور اللين، سكرتير لجنة جائزة الأدب في الأكاديمية الملكية السويدية، يقرأ اسم الفائز من بين 150 مُرشحًا. بينما كان نجيب محفوظ نائمًا داخل منزله المُطل على نهر النيل، لم يكن يعرف الأديب الكبير حتى أنه في زمرة المرشحين.

    على مدار ثلاثين عامًا، تروى الحكاية نفسها في كل مرة تحل ذكرى فوز الأديب المصري بنوبل، تقترن القصة بكيف استقبل الخبر.. يحكي نجيب في أكثر من حوار أٌجري معه عما جرى، حين كان نائمًا، وحين لم يُصدق أنه فاز بالفعل، وحين فوجئ بوجود السفير السويدي يطرق باب منزله "لا أعرف كيف قابلته بالبيجامة، ثم أنا كنت واكل بصل لأنك يا توفيق- المخرج توفيق صالح- فهمتني إنه بينزل السكر.. يعني كان ضروري في أسبوع جائزة نوبل تقول هذه النصيحة؟". يقول في حوار نُشر له بمجلة روز اليوسف في عددها رقم 3149 بتاريخ 17 أكتوبر 1988.

    كانت صحيفة الأهرام أول ما وصل منزل الأديب الكبير بعد نبأ الفوز، وفي صباح ثاني يوم كان عدد 14 أكتوبر يحتفي بنجيب، في حوار أجراه معه الصحفي مصطفى عبدالغني، يقول نجيب "مشاعري هي بالترتيب. الدهشة ثم الفرحة لي.. وللأدب العربي"، ظل وجود اسمه في القائمة لغزًا، ردد أكثر من مرة سؤاله "من رشحني؟"، فيما يتذكر واقعة حدثت بينه وبين الأديب الراحل توفيق الحكيم.

    1

    "وأذكر أنني حينما سألت توفيق الحكيم- رحمة الله عليه- عن حقيقة ترشيحي التي تنشر عنها الصحف حينئذ قال: هل طلبت سفارتنا منك بيانات للجنة نوبل؟ قلت لا، قال إنت إذن غير مرشح" يقول نجيب في الحوار ذاته بينما أمارات الدهشة لا تزال تحتّل ملامحه وعباراته "لم أكن متصورًا أن واحدًا من درب قرمز يأخذ جائزة نوبل، إنها كبيرة علي". صمت ثم أكمل "حين جاءوني بالخبر تذكرت (والله العظيم) توفيق الحكيم ثم دمعت عيناي. هي حظوظ.. أن ينزل عملاق مثل الحكيم ثم يجيء من بعده من لا يتوقع أن يحصل على الجائزة ليحصل عليها بالفعل".

    بتاريخ السادس عشر من أكتوبر، نشرت الأهرام النص الرسمي لحيثيات منح الجائزة إلى محفوظ الذي بدأ الكتابة عام 1929، تقول الأكاديمية إن "التقييم الشامل لأدب نجيب محفوظ يتجاوز كل ذلك، إلا أنه يخاطب الإنسانية كلها من خلال أعماله وليس فقط اولئك الناطقين بالعربية"، فيما اعتبر النقاد رواية أولاد حارتنا "تُصوِر القدر التاريخي للإنسانية على هدي أنبياء الأديان السماوية الكبرى".

    2

    كان الحدث جللًا، استثنائيًا، حتى إنه خرق عادات الأديب الفائز، فمنزله الذي يكتنفه الهدوء، وتحفظ نجيب على إجراء الحوارات الصحفية داخله واستبدل المقهى به، انمحت تلك القواعد في ثوانٍ. انقلب المنزل في ذلك اليوم إلى كرنفال، مراسلون من صحف عدة وعدسات المصورين والتليفزيون "لكن كيف عرف كل هؤلاء الناس جميعًا عنوان بيتي؟ لقد وجدت العشرات داخل المنزل الذي لم يكن يعرف أي ضجة بالمرة؟" يقول في حواره مع روز اليوسف المشار إليه سلفًا.

    رغم ذلك لا يمتعض الأديب من "الدوشة"، بل رحّب بها، أحبّها، وظل محتفظًا بخِفة روحه في الحوارات التي أجريت معه بعد الفوز مباشرة، يسأله صحفي الأهرام ماذا تقول لنوبل؟ فيرد بعفوية "سأقرأ له الفاتحة" ثم يغمر مكتبه فيضان من الضحك. المفاجأة جعلته يمكث مع الصحفيين بـ"الروب شامبر" الذي ارتداه مُسرعًا فوق بيجامته الصفراء، كما تروي الأهرام، فيرد على سؤال عبدالغني حول الزِحام "يا سيدي إنها زحمة العمر وأنا مستعد لها وسعيد بها، فهيا بنا إلى الزحمة".

    في الأحاديث الصحفية كان لعطيات الله، زوجة نجيب محفوظ، نصيبًا، تحكي عن طِباعه في المنزل، علاقاتهما الوطيدة "نجيب هادئ الطباع وشديد الطيبة ونادرا ما يغضب، ليس رجلأ ماديًا ولا بخيلًا، هو بسيط ومتواضع، لا يحب الأكل كثيرًا ويعتمد على المشروبات الدافئة أكثر.. أكلته المفضلة الملوخية"، بينما تروي أن "مواعيده كلها حفظتها، هو من طبعه أن يقول لي على كل حاجة لما يرجع ولذلك علاقتي بنجيب ليست كزوجة ولكن أكثر بكثير.. وعلى فكرة أنا لم أجد نفسي في أي قصة له".

    3

    في الحوار الذي أجرته صحيفة روز اليوسف، الذي نشر في السابع عشر من أكتوبر 1988 كونها مجلة أسبوعية، بدا نجيب أكثر تحررًا في الحديث، إذ إن الصحفي إبراهيم عيسى، قرر حينذاك أن يُعايش احتفال الأديب العملاق مع أصدقائه "الحرافيش" يحكي "أنه بعد ثلاث ساعات فقط من حصوله على جائزة نوبل للآداب، كان نجيب محفوظ بين رفاق عمره الطويل الخصب، الحرافيش الذي ترك من أجلهم عدسات التليفزيون ومطاردة الصحفيين وعشرات المسؤولين. ذهب في موعده وكنت بينهم".

    بينما يحكي نجيب في حوار نشر له عام 1992 أنه تعرف على الحرافيش، لأول مرة عام 1943، يصف الاسم الذي أطلقه الفنان أحمد مظهر على لقاءاتهم بأن الحرافش هم "أولئك المتواجدون على هامش المظاهرات والذين يبدأون بالنهب في أول فرصة تسنح لهم".

    داخل كازينو قصر النيل، حيث يلتقي نجيب بـ"حرافيشه"، كانت الضحكات تتعالى كلما فُتِحت سيرة أنه فاز بالجائزة، يُعاود الصحفي عيسى سؤاله عن شعوره حين سمع بالخبر، فيجيب "هذا السؤال تردد على أذني حتى الآن 120 مرة. لدرجة أنني أريد أن أبدل الإجابة لتصبح بالحزن حتى يكون هناك اختلاف".

    4

    يتجاذب أصدقاء نجيب الحديث معه، بينما هو يقبض على فنجان قهوته السادة وسيجارته، يسأله أحد أصدقائه عن أي عمل فاز بنوبل فيرد "والله ما أعرف!"، يبادر أحدهم بأنه سمع من أحد الباحثين السويديين أنها رواية "أولاد حارتنا" فيحكي نجيب "والله لقد نشرت الرواية في مصر عام 59 مسلسلة في الأهرام وأثارت ضجة كبيرة حتى أن الأزهر اعترض عليها".

    لا تزال البهجة تحتل كافة تفاصيل يوم نجيب، جيرانه يهنئونه، حتى إنه "لما دخلنا قهوة الفيشاوي وكان في تصوير الناس سألت ماذا حدث؟ أخبروهم أنني فزت بجائزة نوبل فتحلقوا حولي وقالوا لي مبروك عقبال النجاح النهائي!"، لكن جاء ما عكّر صفو اللحظة.

    "يوم فوزي بالجائزة تلقيت أكبر كمية خطابات تشتمني في حياتي". يحكي للصحفي إبراهيم عيسى عن صدمته حين ذهب إلى صحيفة الأهرام، ووجد أكوامًا مكدسة من الخطابات "ربما لأول مرة في حياتي الأدبية"، لكن الأديب صاحب الجائزة العالمية فوجئ "وجدتها خطابات تسبني وفيها من الفحش والشتائم ما لا أتصوره. وذلك كله من المتطرفين المنتسبين للإسلام، والذين رأوا في روايتي التي أنشرها حاليًا في الأهرام "قتشمر" جنسًا، رغم أن الرواية في رأيي قياسًا إلى الكتابة الحرة.. رواية محافظة".

    لا يزال نجيب يجلس رفقة الحرافيش، يُسأل عما سيفعله بقيمة الجائزة البالغة 190 ألف دولار حينذاك "اسأل زوجتي!"، ثم يمزح ويقول إنه من حسن حظه انكشاف أمر شركات توظيف الأموال "وإلا كان انضحك عليّ ووضعت فلوسي فيها وراحت".

    5

    يعود ويُمسك الأديب العالمي زمام الحديث "تخيلوا يوم استلام الجائزة هو نفس يوم مولدي 11 ديسمبر؟"، لكنه يطرد الفكرة عن عقول الحرافيش والصحفي الجالس بينهم "لكن لا أعتقد حتى الآن أنني سأسافر لاستلامها.. أصل يا جماعة نظري ضعف ولم أعد أسمع وكل واحد يكلمني بصوت منخفض ومؤدب، وطبعًا لا أسمعه. لا يوجد أحد يزعق معي إلا أنتم.. طيب أذهب للسويد إزاي؟". وقد كان.

    ظلت الصحف تغطي الحدث، تفرد له صفحات حتى بدأ يخفت، لكن الحوارات مع نجيب لم تنضب، لكن باتت أكثر عُمقًا حول ما جناه خلال رحلته وكيف أثر فوزه بنوبل على حياته، نُشر له حوار قبل وفاته بخمسة أشهر، في مارس 2006، على موقع الجائزة باللغة الإنجليزية، وأجراه معه الكاتب الصحفي محمد سلماوي.

    4

    يحكي نجيب عن أثر الجائزة في نفسه "شجعتني على مواصلة الكتابة. لكنني، للأسف، تلقيتها في مرحلة متأخرة من مسيرتي في الكتابة. الشيء الوحيد الذي كتبته بعد الجائزة كان أصداء السيرة الذاتية. والآن أكتب أحلام فترة النقاهة. حتى رواية قشتمر، التي نُشِرت في سلسلة في صحيفة الأهرام، كانت مكتوبة قبل الجائزة".

    فيما تسلل الأثر إلى حياته الشخصية "فرضت جائزة نوبل عليّ أسلوب حياة لم أكن استسيغه، مثل عقد لقاءات مع وسائل الإعلام باستمرار، كنت أفضل العمل في سلام".

    رغم ذلك يظل احتفاظه بنوبل حدثًا بارزًا في حياته، لكن الأديب الكبير لم ينسَ أيضًا ما حدث له عام 1994، وبينما يتحدث لسلماوي عن أكبر حدث مر به بعد الجائزة، يشير على الفور إلى رقبته، حيث جرت محاولة اغتياله بغرز آلة حادة في عنقه "لكنني كُرِمت أيضًا من قِبل الدولة والشعب بطريقة أثرت في بعمق".

    يغوص نجيب في أعماقه أكثر، يقترب من ذاته ويحكي عنها بوضوح خلال حوار نشر في مجلة The Paris Review عام 1992، وأجرته معه تشارلوت الشبراوي. تسأله عن أصعب مواقف حياته، فيرد بدون تردد: إنه "قراري بتكريس حياتي للكتابة، وما ترتب عليه بقبول مستوى معيشي ما لي ولأسرتي"، يحكي أنه شّق أحيانًا الطريق المؤدي إلى المال من خلال عمله سيناريست، ثم توقف، لكن ما لبث أن عاد إلى الأمر بعد الحرب بسبب غلاء الأسعار التي طالت كل شيء "لم يكن ذاك النوع من العمل في ذهني، لولا تلك الأحوال، وأسرتي رضيت بتلك التضحيات".

    7

    إذ يسرد الأديب العالمي خلال هذا اللقاء، لم يتكسّب من الأدب إلا بعد فترة كبيرة بل كان يُنفق علي عمله، فيقول: "نشرت حوالي ثمانين قصة بلا مقابل، حتى رواياتي الأولى واجهت نفس المصير"، لذا لم أعتمد على الأدب وظللت محتفظًا بوظيفته الحكومية، لكن أذكر أن الأمور المادية بدت أفضل حين تُرجِمت قصصي القصيرة".

    انتهت رحلة نجيب في أغسطس 2006، لكن كلماته لا تزال صداها يرّن في لقاءاته، يعبر عن نفسه ببساطة لتشارلوت بأنه "شخص يحب الأدب، يؤمن بعمله ويخلص له، شخص يحب عمله أكثر مما يحب المال أو الشهرة، فهما لم يكونا من أهدافي من الأساس. ذلك لأنني أحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر. قد يكون هذا ضارًا ولكنني أشعر أنه بدون الأدب لا معنى لحياتي. بدون الأدب كانت حياتي ستكون بؤسًا كاملًا".

    إعلان

    إعلان

    إعلان