الطريق إلى اتحاد الناشرين الرقميين العرب: استغلال الثروة المهدرة
تبدو المواقع العربية الآن مثل شخص حاصرته الديون والمشاكل، واكتشف في دفاتره ثروة ضخمة ورثها، لكنه لا يعرف كيف يستغلها، أو هكذا يبدو. فعمالقة التكنولوجيا وشركات الذكاء الاصطناعي (مثل OpenAI) تحتاج بشدة للمحتوى الصحفي العربي لتطوير نماذجها الفصحى وإجاباتها صفرية الإحالة ووقت البقاء عليها، لذا على المواقع العربية استغلال ذلك، لضمان تدفق مالي ثابت يحمي غرف الأخبار العربية من الإفلاس.
مخطئ من يعتقد أن مشكلة الصحافة العربية في أنها تفتقر إلى المحتوى، بل في أنها تدخل سوقًا غير متكافئة مع عمالقة التكنولوجيا، بينما تتفاوض كل مؤسسة بمفردها على قيمة المحتوى الذي تعتمد عليه المنصات في جذب الجمهور والإعلانات.
وهنا تصبح الفكرة الأهم ليست إنشاء كيان مهني جديد، وإنما تحويل الناشرين العرب من أطراف متفرقة إلى كتلة تفاوضية واحدة تستطيع أن تقول لشركات التكنولوجيا: إذا كان محتوى الصحافة جزءًا من القيمة التي تبنون عليها منتجاتكم، فله ثمن.
النموذج الأسترالي.. منارة للطريق
تقدم التجربة الأسترالية درسًا واضحًا للمواقع العربية: عندما يصبح الناشرون كتلة منظمة، وتصبح الدولة مستعدة لاستخدام التشريع، يمكن تحويل العلاقة مع المنصات من علاقة اعتماد أحادي إلى علاقة تفاوض ومساومة.
لكن الدرس العربي لا ينبغي أن يكون نسخ النموذج الأسترالي حرفيًا؛ بل فهم أدواته: الكتلة الجماعية، الإطار القانوني، التفاوض الموحد، والقدرة على الضغط عند فشل التفاوض.
ومن هنا تبدأ فكرة اتحاد الناشرين الرقميين العرب.
الخطوة الأولى: تأسيس الكتلة الحرجة للناشرين الرقميين العرب
لا يبدأ الاتحاد باللوائح ولا بالمؤتمر، وإنما بالناشرين. المطلوب أولًا تشكيل مجموعة تأسيسية من المؤسسات الرقمية الكبرى والمتوسطة في عدد من الدول العربية.
وأفضل تحرك عملي لتأسيس الاتحاد العربي دون الدخول في صراعات سياسية أو تعقيدات بيروقراطية متباطئة هو "التحرك التكتيكي من الأسفل إلى الأعلى" (Bottom-up Approach)، بالاعتماد على نموذج الهيئات الإقليمية المرنة.
ويجب أن تتضمن الكتلة التأسيسية الحرجة أكبر 15 إلى 20 مؤسسة صحفية وإعلامية رقمية في الأسواق الكبرى (مصر، السعودية، الإمارات، والأردن)، لأنها تضم الكتلة الحرجة من كبريات الصحف الرقمية العربية، وأكبر حجم زيارات (Traffic)، والمقرات الإقليمية لشركات التكنولوجيا الكبرى (جوجل، ميتا، OpenAI).
هذه هي الكتلة الحرجة التي تمنح الاتحاد قوته التفاوضية. فالمنصة تستطيع تجاهل ناشر منفرد، لكنها ستجد صعوبة أكبر في تجاهل سوق عربية مجمعة، خصوصًا إذا كانت المؤسسات المشاركة تمثل نسبة كبيرة من المحتوى الإخباري الأصلي.
المؤتمر التأسيسي لاتحاد الناشرين الصحفيين العرب
بعد الوصول إلى كتلة تأسيسية حقيقية، يأتي المؤتمر التأسيسي. لإعلان "ميثاق حماية المحتوى العربي"، والتوقيع على اتفاقية ملزمة بعدم قيام أي منصة بالتفاوض المنفرد مع شركات التكنولوجيا لضمان قوة الموقف التفاوضي الجماعي.
ولا ينبغي أن يكون مؤتمرًا احتفاليًا، وإنما اجتماعًا تفاوضيًا يخرج بثلاثة قرارات أساسية:
- إعلان تأسيس الاتحاد.
- تفويض لجنة تفاوض موحدة للتعامل مع عمالقة التكنولوجيا.
- اعتماد إطار موحد للعقود وتوزيع العوائد والبيانات والحقوق.
فالهدف ليس إنشاء اتحاد يتحدث باسم الناشرين، وإنما اتحاد يملك تفويضًا فعليًا للتفاوض باسمهم.
التأسيس القانوني.. والمظلة الإقليمية
يحتاج الاتحاد إلى شخصية قانونية واضحة، مع مظلة إقليمية تمنحه شرعية واستمرارية، مع ترك مساحة للناشرين في كل دولة للالتزام بالقوانين المحلية. ويجب ألا يتحول إلى جسم بيروقراطي ثقيل؛ بل إلى منصة تفاوض وحقوق وتقنية، تتولى ما يصعب على الناشر المنفرد القيام به.
ولتجنب التعقيدات السياسية والتشريعية بين الدول، يُفضل تسجيل الاتحاد كمنظمة إقليمية غير هادفة للربح (NGO) في بيئة مرنة تدعم التحالفات الرقمية (مثل سلطة دبي لتطوير الإعلام، أو المنطقة الحرة للإعلام بمدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة، أو كجناح رقمي متخصص تحت مظلة اتحاد الصحفيين العرب القائم بالفعل).
ويتم وضع لائحة داخلية تحدد شروط العضوية (مثل: الالتزام بالمعايير المهنية، حد أدنى من الإنتاج الحصري، ونسبة زيارات معينة لضمان الجدية).
السلاح التقني: الإظلام البرمجي
القوة التفاوضية لا تأتي من البيانات الصحفية وحدها. إذا فشلت المفاوضات، يجب أن يمتلك الاتحاد أداة جماعية أخيرة: الإظلام البرمجي المنسق؛ أي سحب أو تقييد إتاحة المحتوى العربي أمام خدمة أو منتج محدد وفق آلية قانونية وتقنية متفق عليها.
ليس المقصود تعطيل المنصات، وإنما استخدام حق الناشرين في تحديد شروط إتاحة المحتوى وإعادة استخدامه. والأهم أن يكون هذا السلاح جماعيًا، مؤقتًا، ومدروسًا، فلا يستخدم إلا بعد استنفاد أدوات التفاوض، وبما يتفق مع القانون.
ولتنفيذه يصدر الاتحاد دليلاً تقنياً موحداً لجميع الأعضاء لتعديل ملفات الـ robots.txt لحجب الروبوتات الذكية (مثل GPTBot وGoogle-Extended) في وقت واحد.
وحجب المحتوى العربي عالي الجودة من أكبر 20 موقعاً سيشكل ضربة موجعة لعمالقة التكنولوجيا ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تعاني أصلاً من شح البيانات العربية الفصحى السليمة، مما يجبر تلك الشركات على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
نموذج العقد الموحد للناشرين العرب
من أكبر نقاط ضعف الناشر العربي أنه يدخل المفاوضات منفردًا، بعقد منفرد وشروط مختلفة. لذلك يحتاج الاتحاد إلى نموذج عقد موحد يضع الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه.
ويجب أن يتضمن العقد، على الأقل، ثلاثة بنود جوهرية:
- أولًا: المقابل المالي
ما الذي تدفعه المنصة مقابل استخدام المحتوى، وكيف يحسب هذا المقابل؟ - ثانيًا: نطاق الاستخدام
ما المحتوى الذي يمكن استخدامه؟ ولأي غرض؟ وفي أي منتجات؟ وهل يشمل التدريب على نماذج الذكاء الاصطناعي أم العرض والبحث فقط؟ - ثالثًا: البيانات والشفافية
ما البيانات التي تقدمها المنصة للناشر عن استخدام محتواه، وكيف يمكن التحقق من حجم الاستخدام والعوائد المستحقة؟
وهذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية؛ لأنه لا يمكن تسعير ما لا يمكن قياسه.
ويقود الاتحاد المفاوضات مع شركات التكنولوجيا نيابة عن الأعضاء بناءً على نموذجين للربح:
- نموذج الترخيص الثابت (Licensing): دفع مبلغ سنوي مقطوع للاتحاد مقابل السماح للذكاء الاصطناعي بقراءة وتلخيص أرشيف الصحف (يتم توزيع الأموال على الناشرين حسب حجم إنتاجهم ونسبة قراءته).
- نموذج الإحالة وحقوق الملكية (Revenue Share): إجبار محركات البحث التوليدية على وضع رابط واضح ومباشر لاسم الصحيفة وموقعها عند اقتباس أي معلومة، مع دفع نسبة من عوائد الإعلانات المرافقة للإجابة.
الضغط التشريعي: الحماية الدائمة
الاتحاد لا ينبغي أن يعتمد على التفاوض التجاري وحده. المطلوب بالتوازي بناء مسار تشريعي عربي يرسخ مبدأ أن استخدام المحتوى الصحفي الأصلي من جانب المنصات وخدمات الذكاء الاصطناعي يجب أن يخضع لترخيص ومقابل عادل، مع قواعد للشفافية وحماية الحقوق.
والهدف ليس إصدار قانون مؤقت لمواجهة منصة بعينها، وإنما بناء حماية دائمة لحقوق الناشرين في الاقتصاد الرقمي.
لذا يجب على الاتحاد، بالتوازي مع الضغط التقني، التحرك كجماعة ضغط Lobby لحث الحكومات العربية وجامعة الدول العربية على سن قوانين محلية ملهمة من " قانون المساومة للإعلام الإخباري الأسترالي (News Media Bargaining Code) ". وهو تشريع تاريخي أصدرته الحكومة الأسترالية فبراير 2021، لإجبار منصات التكنولوجيا على دفع أموال عادلة للمؤسسات الصحفية مقابل عرض محتواها أو تلخيصه على منصاتها. ويُعد النموذج الملهم عالمياً للناشرين والاتحادات الصحفية لمواجهة تغول شركات التكنولوجيا.
ويقوم قانون المساومة على آلية ذكية وحاسمة تُجبر شركات التكنولوجيا على التفاوض بجدية، تقوم على 3 أضلاع:
- التفاوض الإجباري: إذا استخدمت منصة رقمية محتوى إخباري لأي مؤسسة صحفية أسترالية مسجلة، تصبح ملزمة قانونياً بالدخول في تفاوض تجاري معها للوصول إلى اتفاق مالي.
- التحكيم الملزم (Final Offer Arbitration): إذا لم يتوصل الطرفان (المنصة والصحيفة) إلى اتفاق مالي خلال أشهر، يتدخل "محكم مستقل" تعينه الحكومة. يطلب المحكم من كل طرف تقديم عرضه المالي النهائي، ويختار المحكم أحد العرضين فقط دون تعديل، مما يجبر شركات التكنولوجيا على تقديم عروض سخية وعادلة لتجنب اختيار عرض الصحافة المرتفع.
- عقوبات صارمة: فرض غرامات مالية ضخمة تصل إلى ملايين الدولارات على الشركات التكنولوجية التي ترفض الامتثال للقانون أو تفرضه بشكل انتقائي.
ورغم التهديدات العنيفة التي أطلقتها الشركات وقتها (حيث حظرت فيسبوك الأخبار في أستراليا لمدة أسبوع، وهددت جوجل بإغلاق محرك بحثها هناك)، إلا أن القانون حقق نجاحاً ساحقاً فور إقراره:
- أجبر القانون شركتي جوجل وميتا على توقيع أكثر من30 اتفاقية تجارية مباشرة مع مختلف المؤسسات الصحفية الأسترالية (الكبرى والصغيرة).
- ضخت هذه الاتفاقيات أكثر من 200 مليون دولار أسترالي سنوياً مباشرة إلى ميزانيات غرف الأخبار، مما ساهم في تعيين مئات الصحفيين الجدد وتأمين استدامة المهنة.
وإذا أراد "اتحاد الناشرين العرب" صياغة مسودة قانونية لتقديمها للحكومات أو البرلمانات العربية، يجب أن ترتكز المسودة على البنود الثلاثة الجوهرية المستوحاة من القانون الأسترالي، والتي تضمن عدم التفاف شركات التكنولوجيا الكبرى على صناع المحتوى الإخباري وهي:
1. بند "التحكيم بالبندقية الصامتة" (Final Offer Arbitration)
ينص البند أنه: في حال عدم توصل منصة التكنولوجيا والناشر الصحفي لاتفاق مالي خلال مهلة محددة (مثلاً 90 يوماً)، يتم إحالة النزاع إجبارياً إلى لجنة تحكيم مستقلة تعينها الدولة. يقدم كل طرف عرضه المالي النهائي والأدلة عليه، وتختار اللجنة عرضاً واحداً فقط دون أي تعديل أو حلول وسطى.
هذا البند منع جوجل وميتا من المماطلة لسنوات في المحاكم الأسترالية، وأجبرهما على تقديم عرض مالي عادل وقريب من تطلعات الصحف منذ البداية، خوفاً من أن تختار لجنة التحكيم عرض الصحافة المرتفع.
2. بند "عدم التمييز والحظر الانتقائي" (Anti-Discrimination Clause)
ينص البند على: يُحظر على شركات التكنولوجيا الكبرى معاقبة الصحف التي تطالب بحقوقها المالية عبر خفض ترتيبها في نتائج البحث، أو خنق وصولها للجمهور (Shadowbanning)، أو حظر ظهور أخبارها بشكل انتقائي دوناً عن بقية المواقع.
ويمنع هذا البند المنصات من استخدام "سلاح الخوارزميات" لترهيب المؤسسات الصحفية؛ فالقانون يعاقب المنصة بغرامات باهظة إذا ثبت أنها تلاعبت بظهور موقع إخباري لأنه طالب بتطبيق قانون المساومة المالي.
3. بند "الإفصاح الإجباري عن البيانات والخوارزميات" (Information Sharing)
ينص البند: تلتزم منصات التكنولوجيا بإخطار الناشرين الصحفيين مسبقاً (قبل 28 يوماً على الأقل) بأي تغييرات جوهرية تعتزم إجراءها على خوارزمياتها وتؤثر على ترتيب وتدفق حركة المرور (Traffic) للمواقع الإخبارية، مع تزويد الصحف ببيانات دقيقة حول كيفية تفاعل المستخدمين مع محتواها.
ويقضي هذا البند تماماً على "صدمات الخوارزميات المفاجئة" (مثل تحديثات جوجل ديسكفر) التي كانت تعصف بزيارات المواقع بين ليلة وضحاها دون سابق إنذار، ويعيد للناشر جزءاً من السيطرة على خططه التشغيلية.
كيف توزع العوائد؟
هذه واحدة من أخطر نقاط المشروع. فإذا حصل الاتحاد على أموال جماعية، فلا بد من معادلة توزيع واضحة تمنع الصراع الداخلي، وتراعي ثلاثة عناصر:
- الاستخدام الفعلي للمحتوى.
- حجم الإنتاج الأصلي وجودته.
- مساهمة الناشر في المنظومة الجماعية.
ويجب أن تكون آلية الحساب قابلة للتدقيق، وأن يحصل كل ناشر على كشف دوري يوضح مصدر مستحقاته وكيف حُسبت.
ولتحقيق عدالة التوزيع داخل اتحاد الناشرين وتجنّب الاحتكار الداخلي، يمكن اعتماد معادلة توزيع مركبة (Hybrid Allocation Model) :
المعادلة الموزونة لتوزيع عوائد الناشرين:
لا يتم توزيع الأموال بناءً على زيارات الموقع (Clicks/Traffic) فقط-لأن الترافيك خاضع لخوارزميات المنصات وسهولة التلاعب بالنموذج الربحي- بل يُعتمد صندوق مجتمعي يتوزع كالتالي:
- حصّة صحافة النفع العام والاستثمار التحريري (50%):
معيار عدد الصحفيين المقيدين (FTE - Full-Time Equivalent): ربط الحصة بعدد الصحفيين والمحققين الميدانيين والمحررين المثبتين لدى المؤسسة. (هذا النموذج مُطبق في تجربة كندا/Canadian Journalism Collective وكاليفورنيا، حيث يُخصص مبلغ محدد سنوياً لكل صحفي تعمل مؤسسته على إنتاج محتوى أصلي).
- حصّة التأثير والحجم والترافيك (30%):
احتساب نسبة من العائد بناءً على الموثوقية، وحجم الجمهور، وحجم الأرشيف، ونسبة الوصول (Reach) لضمان مكافأة المؤسسات الكبرى التي تقدم حجماً ضخماً من البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو حركات البحث.
- الحصّة الثابتة الموحدة / حد الأمان (10%):
مبلغ مقطوع يُوزّع بالتساوي على جميع أعضاء الاتحاد بغض النظر عن حجم المؤسسة. يضمن هذا الحد الأدنى استمرارية المنصات والمواقع الصحفية المتخصصة والصغيرة.
- الحصّة الثابتة الموحدة / استدامة الاتحاد (10%):
تخصيص 10%من عوائد التراخيص لصالح "اتحاد الناشرين العربي"، لتأمين "الاستقلالية المالية" والاستدامة التشغيلية، وتمويل "المعارك القانونية والتقنية" (صندوق الدفاع المشترك)، وتطوير المهنة العربي" وسد فجوة الكفاءات، وتأسيس "مختبر الميديا والذكاء الاصطناعي" لتدريب صحفيي المؤسسات الأعضاء مجاناً، ودعم وتأهيل "الناشرين الصغار والمحليين"، وتمويل "جوائز الاتحاد للصحافة المرجعية والاستقصائية".
على أن تشمل مهام الاتحاد العربي للناشرين:
- تطوير البنية التحتية التقنية: توفير أدوات ذكاء اصطناعي وأرشيف وهيكلة SEO متقدمة للمؤسسات الصغيرة غير القادرة على تحمّل تكاليف التطوير التقني بمفردها.
- ضمان معايير الجودة والأصالة: لحماية الأموال الموزعة من "المواقع الطفيلية" التي تعتمد على إعادة الصياغة (Rewriting) ونشر محتوى السخونة/التريند، يضع الاتحاد اشتراطات صارمة للاستحقاق:
-
-
- نسبة المحتوى الأصلي: أن تعتمد المؤسسة على صحافة ميدانية، أو تحقيقات، أو تقارير خاصة بنسبة لا تقل عن 40% من إنتاجها.
- الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية: استبعاد الأدوات التي تعتمد تقنيات السبام، أو انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، أو الشائعات.
-
تضمن هذه الآلية أن الكبار يحصلون على النصيب الأكبر بناءً على حجم أرشيفهم وإنتاجهم وجماهيريتهم، وفي الوقت نفسه تحصل الصحف الصغيرة والمستقلة على شبكة أمان مالي تُغطي تكاليف إنتاجها التحريري وتضمن استمرار التنوع الصحفي في السوق.
الثغرات التي يجب تداركها في 2026
أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول الاتحاد نفسه إلى مشكلة جديدة أو إلى عاجز عن المواجهة. لذلك يجب منذ البداية منع عدة ثغرات:
1. ثغرة: "تغيير مسمى المحتوى" (الذكاء الاصطناعي التوليدي)
تدعي شركات الذكاء الاصطناعي أنها لا تعرض "أخباراً" أو "روابط" (كما يفعل محرك البحث التقليدي)، بل تولد محتوى جديداً بالكامل (Synthetic Content) بناءً على فهمها للأحداث، وبالتالي لا ينطبق عليها قانون حقوق النشر.
ولسد الثغرة قانونياً: يتم إدراج بند "بصمة البيانات ومصدر التدريب". ويَنص البند على أن أي إجابة يقدمها الذكاء الاصطناعي التوليدي تعتمد في جوهرها المعلوماتي على خبر أو تحقيق صادر من منصة صحفية مؤهلة، تُعامل معاملة "الاشتقاق الرقمي"، وتُلزم الشركة بالدفع للمصدر الأصلي حتى لو لم يتم وضع رابط مباشر، طالما تم استخدام المحتوى في تدريب النموذج (Training Data).
2. ثغرة: "الخروج الآمن والتعتيم الإعلامي" (خيار ميتا)
نفذت شركة "ميتا" هذه الحيلة في أستراليا وكندا؛ حيث قامت ببساطة بحظر مشاركة الروابط الإخبارية بالكامل على منصتي فيسبوك وإنستغرام لتتجنب الدفع للصحف.
ولسد الثغرة قانونياً: يتم إدراج بند "المنصات الحيوية الإلزامية". يمنح هذا البند رئيس الوزراء أو وزير الاتصالات الحق السيادي في تصنيف منصة معينة (مثل فيسبوك) كـ "بنية تحتية حيوية لتداول المعلومات وتشكيل الوعي العام".
وبموجب هذا التصنيف، يُجرّم قانوناً قيام المنصة بحجب الأخبار فجأة، ويُعتبر الحجب تهديداً للسلم المجتمعي يُعاقب عليه بغرامة تعادل نسبة مئوية ضخمة من إجمالي الدخل السنوي للشركة داخل الدولة، مما يجعل كلفة الانسحاب أكبر بكثير من كلفة الدفع للصحف.
3. ثغرة: "الفرز الانتقائي وتقليل الظهور" (Shadowbanning)
تتجنب جوجل أحياناً الصدام المباشر، وتقوم تقنياً عبر خوارزمياتها بتقليل ظهور (Impressions) مواقع الصحف التي تطالب بالدفع، وتوجيه حركة المرور (Traffic) نحو مدونات صغيرة أو شبكات تواصل اجتماعي غير مشمولة بالقانون لإجبار الصحف على الاستسلام.
ولسد الثغرة تقنياً وقانونياً: يجب أن تنص القوانين على إلزام شركات التكنولوجيا بمنح "اتحاد الناشرين" و"الهيئة التنظيمية" واجهة برمجة تطبيقات خاصة (API Audit) لمراقبة الخوارزميات. إذا رصدت الهيئة تراجعاً مفاجئاً وغير مبرر في زيارات المواقع المشاركة في المساومة بنسبة تتجاوز 15% مقارنة بالمعدل الطبيعي، يُنقل "عبء الإثبات" قانونياً على شركة التكنولوجيا؛ حيث تصبح هي المطالبة تقنياً بإثبات أن التراجع لم يكن عملاً انتقامياً، وإلا تعرضت لعقوبات.
4. ثغرة: "التعاقد الفردي لشق الصف" (التفريق والتحييد)
تعمد الشركات إلى الذهاب لأكبر مؤسستين صحفيتين في الدولة وتوقيع عقود سرية معهما بمبالغ ضخمة لإرضائهما، مما يؤدي إلى شق صف التكتل الصحفي، وترك الصحف المتوسطة والصغيرة وحدها دون قوة تفاوضية.
ولسد الثغرة قانونياً يجب إدراج بند "الحد الأدنى للصفقة الجماعية" لينص على بطلان أي عقد فردي سري يتم بين منصة تكنولوجية وناشر صحفي ما لم يمر عبر "اتحاد الناشرين" كشاهد، مع إلزام المنصة التكنولوجية بتقديم "حد أدنى موحد للمساومة" يضمن عدم بخس حقوق الصحف الصغيرة والإقليمية التي تخدم مجتمعات محلية.
5- ثغرة سيطرة المؤسسات الكبرى على الاتحاد:
لضمان عدم سيطرة المؤسسات الصحفية الضخمة على مجالس إدارة الاتحاد وتوجيه القرارات لخدمة مصالحها:
- مجلس توزيع مستقل: يتكون من ممثلين عن الصحف الكبرى، والصحف الصغيرة/الإقليمية، إلى جانب خبراء في الاقتصاد الرقمي، وممثلين عن النقابة/مجتمع الإعلام.
- شفافية الآليات: نشر التقرير السنوي للتوزيع والبيانات المالية والتدقيق الخارجي (Audit) بشفافية تامة لأعضاء التحالف لمنع أي تضارب للمصالح.
الثغرة الكبرى.. الأرشفة غير المنظمة
"لا يمكن تسعير ما لا يمكن قياسه، ولا يمكن قياس محتوى مبعثر، غير مؤرشف، أو مخزن بصيغ غير قابلة للقراءة آلياً (Unstructured Data). لذا قبل الجلوس على طاولة المفاوضات مع عمالقة التكنولوجيا (الذين يمتلكون جيوشاً من مهندسي البيانات)، يجب على الصحافة العربية تحويل أرشيفها من "مكدسات ورقية" أو "ملفات PDF مصورة" إلى "بيانات ضخمة منظمة، نظيفة، وقابلة للاستخدام.
ولحل أزمة الأرشفة وتحويل الأرشيف إلى ورقة تفاوض رابحة، يجب على المؤسسات العربية أن تعالج أرشيفها بخطة تبدأ بالجرد والتصنيف. ثم معالجة المحتوى وتحويله رقميا وتنظيفه تقنيا وهيكلته وإثراء البيانات، وتخزينه وأرشفته بشكل آمن، على أن تنتهي العملية بتقييم الأرشيف وتحديد نموذج الإتاحة.
فقبل التفاوض، يجب تحديد كيف سيتم تسليم البيانات سواء عبر:
- واجهة برمجة التطبيقات (API): وصول مقيد ومراقب، يصلح لنماذج البحث الصفرية (Zero Click).
- التسليم الكمي (Bulk Data/Dump): تسليم نسخة من الأرشيف لتدريب النماذج (يصلح لنماذج الذكاء الاصطناعي - LLMs) وهذا يتطلب سعراً مختلفاً تماماً وشروطاً صارمة حول الملكية الفكرية.
وهذه العملية مكلفة جداً وتقنياً معقدة على كل مؤسسة بمفردها. وهنا يأتي دور الاتحاد الذي يجب أن يعمل كـ"ميسّر تقني" وليس فقط "مفاوض تجاري"، وبهذه الطريقة، يدخل الاتحاد المفاوضات ومعه "مستودع بيانات صحفية عربية موحد، ضخم، منظم، ومسعّر بدقة"، بدلاً من الدخول بوعود حول محتوى مبعثر.
الاستدامة الصحفية
الأهم من الحصول على المستحقات من شركات التكنولوجيا وتوزيعها على أعضاء الاتحاد، هو تخصيص جزء كبير منها لتطوير المنتجات الصحفية لضمان استدامة الصحافة. فلا ينبغي أن يكون الاتحاد مشروعًا لتحصيل الأموال فقط، بل مشروعًا لإعادة تعريف قيمة المحتوى الصحفي العربي في الاقتصاد الرقمي.
وعلى اتحاد الناشرين أن يضمن تحويل المؤسسات الصحفية نحو 50% من مستحقاتها لرفع رواتب الصحفيين وتدريبهم وتوظيف عناصر جديدة والاشتراك في أدوات جديدة، لضمان تطوير العمل الصحفي وتقليل الاحتراق الوظيفي للصحفيين.
فالصحافة العربية تملك ما تحتاج إليه المنصات: الأخبار الأصلية، والتحقيقات، والبيانات، والمعلومات المحلية، واللغة والسياق. لكنها تملكها بصورة مجزأة. وهنا تكمن الفكرة كلها: المشكلة ليست أن الصحافة العربية لا تملك قوة تفاوضية، وإنما أنها لم تجمع قوتها بعد. وإذا كان الناشر المنفرد يفاوض على نصيبه من الكعكة، فإن اتحاد الناشرين الرقميين العرب يمكن أن يتفاوض على قواعد توزيع الكعكة نفسها. وهذا هو الطريق من صحافة تدفع ثمن اعتمادها على عمالقة التكنولوجيا، إلى صحافة تحصل على مقابل عادل من القيمة التي تصنعها لهم.
فالمليونير الشحات يمكن أن يصبح مليونيرا مفاوضا، والطريق يبدأ بخطوة واحدة: تجميع القوة المبعثرة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع