إعلان

شيء يستوقفك في عاصمة الضباب

سليمان جودة

كتب - سليمان جودة

07:00 م الأحد 23 أغسطس 2026

جاء آندي بيرنهام، رئيس الحكومة البريطانية الجديد، ليلقي حجرًا في الحياة السياسية الإنجليزية، كان قد ألقاه من قبل جوردون براون، الذي ترأس الحكومة في عاصمة الضباب في الفترة من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٠ مختتمًا العقد الأول من هذا القرن.
كان براون دعا إلى أن يكون لبريطانيا دستور مكتوب، وكان بالفعل قد مضى في تشكيل لجنة لهذا الغرض، لولا أنه غادر ١٠ داونينج ستريت، حيث المقر الدائم للحكومة في لندن، وفي نفسه شيء مما دعا إليه ولم يكتب الله له أن يراه.
ومن الوارد أن يُصاب بعض قراء هذه السطور بالدهشة، حين يسمعون بالدعوة التي كان براون قد أطلقها في حينه، وسوف يتساءل هذا البعض عما إذا كانت بريطانيا التي اشتهرت بأنها الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، هي بلد بلا دستور مكتوب في القرن الحادي والعشرين؟
والحقيقة أن بريطانيا رغم اشتهارها بأنها من أعرق الديمقراطيات في العالم، إنْ لم تكن أعرقها، لا تعرف دستورًا مكتوبًا إلى اليوم، ولا تزال الممارسة السياسية فيها تعتمد على مجموعة من التقاليد والأعراف الدستورية!
هي أعراف دستورية مستقرة، وتقاليد سياسية مرعية، رغم أنها ليست مكتوبة في كتاب شأن بقية دساتير العالم المعاصر.
ولا تعرف في الحقيقة لماذا أطلق براون دعوته تلك في حينها؟ ولا لماذا يأتي بيرنهام من بعده ليطلق الدعوة نفسها الآن، رغم أنه بالكاد أمضى أيامًا في رئاسة الحكومة، ورغم أنه يعرف أن حكاية الدستور المكتوب ليست من الأولويات لدى الناخب البريطاني الذي جاء به إلى مقر الحكومة الشهير. فأولويات الناخب مختلفة، وكلها تبدأ وتنتهي بالخدمات العامة، وبمدى قدرة رئيس الحكومة على توفيرها بدرجة من الجودة والسعر المناسب للمواطنين.
وكان بيرنهام قد بدأ هذا الطريق فعلًا بمجرد دخوله مكتبه، فأعلن خفضًا في فاتورة الكهرباء، وما كاد يعلن ذلك حتى كان قد بعث الكثير من التفاؤل بمجيئه. ولكنه عاد إلى قضية الدستور المكتوب فأثارها راغبًا في أن ينجز فيها فيما يبدو ما لم يستطع براون إنجازه في زمانه.
وقد قيل في تبرير إطلاق بيرنهام دعوته، أنه من أنصار اللامركزية في الحكم، وأن وجوده عُمدة على رأس مدينة مانشستر لسنوات قد غذى فيه هذا التوجه، وجعله يؤمن بأن اللامركزية أفضل بكثير من المركزية، وأن الأمر في بريطانيا حاجة إلى دستور مكتوب.
ولا بد أن الناخب الذي جاء برئيس الحكومة الجديد في مكانه الشهر الماضي، سوف لا يجد داعيًا إلى ما يتبناه بيرنهام، خصوصًا وأن الحياة السياسية لا تبدو أنها في حاجة إلى دستور مكتوب، فهي تمضي كما مضت دائمًا، ولا شيء ينقصها فيما يظهر منها أمامنا، بل ربما تكون التقاليد والأعراف الدستورية المستقرة أجدى من الدستور المكتوب في الحقيقة.
قد تكون كذلك لأن الجميع نشأ على احترام ما هو متوارث بهذا الشأن، ولم يحدث ولا مرة واحدة في الأمد الزمني المنظور على الأقل، أن اختل الأداء السياسي بدرجة تتطلب دستورًا مكتوبًا يحكم ويتحكم في المسار الديمقراطي.
وسوف نرى ما إذا كان بيرنهام سوف ينجح فيما لم يفلح فيه براون، ولكن الشيء الباقي في المشهد كله هو الناخب، الذي إذا شاء أبقى رئيس الحكومة في مقعده، وإذا شاء صرفه بإحسان كما صرف السير كير ستارمر، رئيس الحكومة السابق، ومن قبله صرف الناخب رؤساء الحكومات سبقوا ستارمر في مقعده، وسوف يأتي يوم يلحق فيه بيرنهام بستارمر، إذا أحس الناخب أن فقه الأولويات غائب لديه.
ولكن الشيء الذي سوف يستوقفك حقًا، وربما يثير إعجابك، أن تكون الحياة السياسية لدى الإنجليز بهذا المستوى من الأداء الدقيق، بغير دستور مكتوب يمكن الرجوع إليه بشأنها.. فما أعجب هؤلاء الإنجليز!

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان