إعلان

الكنز المهدر.. كيف تنتزع المواقع العربية ملايين الدولارات من عمالقة التكنولوجيا؟

أشرف جهاد

كتب - أشرف جهاد

07:45 م الثلاثاء 18 أغسطس 2026

يقال في المثل المصري "التاجر لما يفلس يدور في دفاترة القديمة".. ماذا إذا كانت الدفاتر حديثة، وللتاجر ملايين الدولارات وهو في أمس الحاجة لأقل القليل؟!

ماذا لو قلت لك إن الصحافة تشبه «المليونير الشحات»؟ تبدو أمامك كـ«فأر» يدور بلا توقف داخل عجلة الاحتياج: تلاحق النقرات، وتبحث عن الإعلان، وتخفض التكاليف، وتطلب من الصحفي أن يعمل أكثر. لكنها، في الحقيقة، تملك ثروة تهدرها كل يوم، بينما يحقق آخرون مليارات الدولارات من القيمة التي تصنعها.
أو لنطرح السؤال بشكل أوضح: ماذا لو كانت المشكلة ليست أن الصحافة لا تملك المال، بل أنها لا تعرف قيمة ما تملكه؟
فالخبر الذي ينتجه الصحفي ليس مجرد نص ينتهي أثره بمجرد نشره على الموقع. إنه أصل معرفي كلف المؤسسة أموالًا لإنتاجه: صحفي ومراسل ومحرر ومصور، ومصادر، وتحقق، وأرشيف، وقواعد بيانات، وسنوات من التراكم المهني. ثم تأتي محركات البحث والمنصات وشركات الذكاء الاصطناعي لتبني فوق هذه المعرفة قيمة أخرى: تجذب بها المستخدمين، وتحسن بها نتائج البحث، وتقدم بها إجابات، وتطور بها منتجات جديدة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال في صالات التحرير..
ليس: كيف تمنع الصحافة الآخرين من استخدام محتواها؟
بل: كيف تحصل الصحافة العربية على نصيب عادل من القيمة الاقتصادية التي تُبنى فوق هذا المحتوى؟

التجربة الأسترالية.. الإلهام الذي لا نراه عربيا

في عام 2021 أطلقت أستراليا News Media Bargaining Code، بهدف معالجة اختلال القوة التفاوضية بين المؤسسات الإخبارية والمنصات الرقمية الكبرى، وخلق حوافز تدفع المنصات إلى إبرام اتفاقات تجارية مع الناشرين مقابل استخدام محتواهم.
وبعد دخول النظام حيز التنفيذ، أبرمت Google وMeta عشرات الاتفاقات مع المؤسسات الإعلامية الأسترالية. ودخلت Google في 20 اتفاقًا وMeta في 14 اتفاقًا بنهاية 2021، بينما تجاوز إجمالي التمويل الذي حصلت عليه المؤسسات الإخبارية نتيجة هذه الاتفاقات 200 مليون دولار أسترالي.
والأهم أن الأموال لم تبق مجرد رقم في ميزانيات المؤسسات. قالت هيئة الإذاعة الأسترالية ABC إن اتفاقاتها مع Google وMeta سمحت لها بتوسيع خدمات الأخبار الإقليمية، وتوظيف 60 صحفيًا إضافيًا، وإنشاء وجود في 10 مواقع جديدة.

أي أن المعادلة أصبحت:
المحتوى الصحفي + قوة تفاوضية = أموال = صحفيون جدد = صحافة أكثر.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف عندها الصحافة العربية طويلًا.

التجربة الأسترالية تحمل درسًا آخرا أيضًا: القوة التفاوضية مهمة بقدر أهمية قيمة المحتوى نفسه. فالتجربة لم تكن مثالية؛ إذ ذهبت نسبة كبيرة من الأموال إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى، كما أعلنت Meta لاحقًا أنها لن تجدد بعض الاتفاقات الأسترالية المتعلقة بالأخبار.
وهذا يعني أن مجرد سن القواعد لا يكفي؛ المطلوب نموذج تفاوضي مستدام يضمن وصول القيمة إلى أكبر عدد ممكن من الناشرين.

أوروبا.. مسار آخر لتسعير المحتوى

رفضت أوروبا أن تتعامل المنصات مع المحتوى الصحفي باعتباره مجانيًا إلى الأبد. وأنشأت توجيهات حقوق الطبع والنشر في السوق الرقمية الأوروبية إطارًا جديدًا لحقوق ناشري الصحافة، وبدأت Google، من جانبها، في إبرام اتفاقات ترخيص مع الناشرين الأوروبيين.
وفي يونيو 2023، أعلنت Google أن اتفاقات الترخيص الخاصة بها أصبحت تغطي أكثر من 1500 منشور في 15 دولة أوروبية. ثم أعلنت لاحقًا أن برنامج الترخيص الأوروبي أصبح يغطي أكثر من 4000 منشور في 20 دولة.
المهم هنا ليس موقف Google أو حجم ما دفعته تحديدًا، وإنما التحول في الفكرة:
المحتوى الصحفي يمكن أن يكون شيئًا يُرخص، لا مجرد شيء يُستهلك.
وهذا فارق جوهري. فالصحافة العربية تتعامل غالبًا مع المقال بوصفه منتجًا نهائيًا يُعرض على الموقع وينتظر الإعلان أو الاشتراك.
لكن هناك طبقة أخرى من القيمة يمكن بناؤها حوله:
النص + الأرشيف + البيانات + المحتوى المهيكل + حقوق الاستخدام + واجهات البرمجة + الترخيص. وهنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي للمحتوى.

في أمريكا.. كم تساوي الأخبار؟

في الولايات المتحدة، ذهبت بعض الدراسات أبعد من ذلك، وحاولت حساب القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تستحقها المؤسسات الإخبارية مقابل استخدام محتواها على Google وFacebook.
دراسة بحثية صادرة عن Initiative for Policy Dialogue بجامعة كولومبيا قدرت ما يمكن أن تستحقه المؤسسات الصحفية الأمريكية بنحو 11.9 إلى 13.9 مليار دولار سنويًا، إذا جرى احتساب القيمة التي تولدها الأخبار للمنصات وفق منهجية الدراسة. وهذا الرقم تقدير بحثي وليس مبلغًا دفعته الشركات بالفعل، وهي نقطة مهمة حتى لا تتحول الأرقام إلى مبالغات صحفية.
لكن أهمية الرقم ليست في دقته بالنسبة للسوق الأمريكية فقط. أهميته أنه يطرح السؤال الذي لم تطرحه الصحافة العربية بما يكفي:
إذا كانت الأخبار تخلق قيمة اقتصادية للمنصة، فلماذا نتعامل معها باعتبارها مجرد تكلفة إنتاج تتحملها المؤسسة الصحفية وحدها؟

من «المليونير الشحات» إلى «المليونير المفاوض».. القوة التي تنقص الصحافة العربية

الصحافة العربية لا تحتاج فقط إلى حماية محتواها من عمالقة التكنولوجيا؛ تحتاج إلى تحويله إلى أصل اقتصادي قابل للقياس والترخيص والتفاوض.
والمشكلة ليست فقط في أن عمالقة التكنولوجيا أقوى، المشكلة أن الناشر العربي يدخل غرفة التفاوض، إن دخلها أصلًا، منفردًا، بينما يدخل الطرف الآخر ببيانات ضخمة، وقدرة تقنية، ومحامين، وخبراء اقتصاديين، وأرقام دقيقة عن قيمة كل شيء.
وإذا كان الموقع الصغير لا يستطيع التفاوض بمفرده، فلماذا لا يتفاوض الناشرون مجتمعين؟

تحالف الناشرين الرقميين العرب

لا أتحدث هنا عن كيان احتفالي جديد يضيف شعارًا آخر إلى المشهد الإعلامي العربي. أتحدث عن تحالف تفاوضي اقتصادي. كيان يجمع المواقع والمؤسسات الإخبارية العربية بهدف واحد: تحويل المحتوى الصحفي العربي من مادة تُستخدم، إلى أصل اقتصادي يمكن قياسه وترخيصه والتفاوض على قيمته.
والتجربة الأسترالية تقدم سابقة مهمة؛ فقد سمحت السلطات الأسترالية لـCountry Press Australia، التي تمثل ناشرين إقليميين، بالتفاوض جماعيًا مع Google وFacebook، كما سمحت لمجموعات من الناشرين الصغار بالتفاوض بصورة جماعية. وهذا بالضبط ما تحتاجه المؤسسات العربية الصغيرة والمتوسطة.
فبدلًا من أن يقول كل موقع: "ماذا يمكن أن أحصل عليه من Google؟"
يصبح السؤال: "ما قيمة المحتوى الصحفي العربي الذي نمثله مجتمعين، وما الشروط التي نريدها لاستخدامه؟"
ماذا يجب أن يفعل التحالف؟ .. لا يبدأ التفاوض بالمطالبة بالمال، بل يبدأ بقياس الثروة وثمن المواد الأولية عالية التكلفة التي تقدمها المواقع العربية لعمالقة التكنولوجيا.

أولًا: جرد الأصول

كم تنتج المؤسسات العربية من:
• الأخبار؟
• التقارير؟
• التحقيقات؟
• الصور والفيديو؟
• الأرشيف؟
• قواعد البيانات؟
• المحتوى الاقتصادي والرياضي؟
• المحتوى المحلي؟
• البيانات الانتخابية والاقتصادية؟
• المحتوى المهيكل؟

ثانيًا: قياس الاستخدام

• من يستخدم هذا المحتوى؟
• وكيف؟
• وأين يظهر؟
• وكم مرة يستخرج أو يعاد تقديمه؟
• وما القيمة التي يضيفها إلى محرك البحث أو منصة الذكاء الاصطناعي أو المنتج الرقمي؟

ثالثًا: بناء معيار عربي للقيمة

لا يمكن أن يكون سعر المحتوى مرتبطًا بعدد المقالات فقط. يجب أن يدخل في الحساب:
حجم الاستخدام + الوصول + التخصص + جودة المحتوى + الأرشيف + البيانات + حقوق الترخيص + القيمة المضافة للمنصة.

رابعًا: إنشاء سوق ترخيص

يمكن أن يشمل:

ترخيص المحتوى + ترخيص الأرشيف + ترخيص البيانات + المحتوى المهيكل + واجهات برمجة تطبيقات الأخبارNews APIs + الاستخدام في منتجات الذكاء الاصطناعي + إعادة الاستخدام التجاري.

وهنا يمكن للصحافة أن تنتقل من سؤال: هل ستضع المنصة رابطًا إلى موقعي؟.. إلى سؤال أكثر أهمية: "ما المنتج الذي تبنيه المنصة باستخدام أصولي المعرفية عالية التكلفة، وما قيمة هذا الاستخدام؟ وما العائد الذي ينبغي حصولي عليه".

ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟

هنا تصبح القضية أكبر من Google وMeta فالصحافة أمام سوق جديد تمامًا. نماذج الذكاء الاصطناعي لا تحتاج فقط إلى الروابط؛ إنها تحتاج إلى المعرفة المنظمة، والأرشيف، والبيانات، والمعلومات المتخصصة، والمحتوى الموثوق الذي يمكن استرجاعه ومعالجته. وبالتالي، فإن المستقبل قد لا يكون مجرد:

Screenshot 2026-08-18 174101

وهذا يفتح الباب أمام الجناح السادس من اقتصاد الصحافة الذي أصبح أكثر أهمية: اقتصاد البيانات والمحتوى المهيكل. وهي أصول تستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يفتح باب إيرادات غير مرئي للناشرين العرب.

اقرأ أيضا:
نهاية النموذج الربحي المقلوب.. كيف تعيد الصحافة بناء اقتصادها بنموذج الـ6 أجنحة؟

فالمؤسسة التي لا تعرف كيف تحول أرشيفها إلى بيانات، وبياناتها إلى منتجات، ومحتواها إلى صيغة قابلة للترخيص، ستظل تنظر إلى ثروتها باعتبارها مجرد آلاف الصفحات المنشورة.

كم يمكن أن تكسب المواقع العربية؟

هنا يجب أن نتوقف عن إطلاق أرقام براقة بلا أساس. لا توجد، حتى الآن، آلية عربية موحدة لقياس القيمة الاقتصادية التي تستحقها المؤسسات الصحفية العربية من استخدام محتواها، وبالتالي لا يمكن القول بجدية إن كل موقع سيحصل على رقم محدد.
لكن يمكن بناء نموذج تقديري عربي يعتمد على حجم المحتوى، والاستخدام، والوصول، ونوع المحتوى، وحقوق الترخيص، وحجم السوق.
والأهم أن التحالف يستطيع أن يحول هذا السؤال من تخمين إلى حساب. فبدلًا من أن نقول: "المواقع العربية قد تحصل على ملايين الدولارات".
يمكن أن نقول: هذه هي كمية المحتوى، وهذا حجم استخدامه، وهذه قيمة البيانات والأرشيف، وهذا حجم السوق، وهذه قيمة الترخيص المقترحة. عندها يصبح الرقم نتيجة تفاوض، لا أمنية.

الثروة التي لا تعرف قيمتها

المشكلة إذن ليست أن الصحافة العربية لا تملك أصولًا. إنها تملك عقودًا من المعرفة المتراكمة. لكنها تتعامل مع هذه المعرفة غالبًا باعتبارها منتجًا واحدًا: مقالًا ينشر اليوم ثم يختفي غدًا من دورة الاهتمام.
بينما يستطيع المقال نفسه أن يكون جزءًا من: أرشيف / قاعدة بيانات / محرك معرفة / API/منتج تجاري / ترخيص / نموذج ذكاء اصطناعي.
وهنا يتغير تعريف الصحفي نفسه. فالصحفي لا ينتج خبرًا فقط، إنه ينتج أصلًا معرفيًا.
والمؤسسة الصحفية لا تملك موقعًا فقط، إنها تملك قاعدة معرفة. وهذه القاعدة يمكن أن تصبح أحد أهم أصولها الاقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي.

من اقتصاد النقرات إلى اقتصاد القيمة

لقد قضت الصحافة الرقمية سنوات طويلة وهي تحاول زيادة عدد الزيارات حتى تبيع مزيدًا من الإعلانات.
لكن المعادلة الجديدة يجب أن تكون أوسع:

Screenshot 2026-08-18 174237

وليس مطلوبًا من الصحافة أن تمنع التكنولوجيا من استخدام المحتوى. المطلوب أن تتوقف عن السماح باستخدامه من دون أن تعرف قيمته الاقتصادية أو تملك قوة تفاوضية حوله.
وهنا يمكن أن تتحول التكنولوجيا من أحد أسباب أزمة الصحافة إلى أحد مصادر تمويل تحولها. فالأموال التي تحصل عليها المؤسسات يمكن أن تمول التحقيقات، والصحافة المحلية، والبيانات، والتطوير التقني، وتوظيف صحفيين جدد، وتحسين المنتجات التي تعيد بناء علاقتها بالجمهور.
وهنا نصل إلى المفارقة التي بدأنا منها.
الصحافة ليست "المليونير الشحات" لأنها لا تملك مالًا. إنها "مليونير شحات" لأنها تملك ثروة، لكنها تترك الآخرين يحددون قيمتها.

وإذا كانت أستراليا قد أثبتت أن عشرات الاتفاقات يمكن أن تحوّل المحتوى الصحفي إلى أكثر من 200 مليون دولار أسترالي، وإذا كانت أوروبا قد جعلت ترخيص المحتوى الصحفي ممارسة تجارية تغطي آلاف المنشورات، وإذا كانت دراسات أمريكية تحاول حساب مليارات الدولارات باعتبارها قيمة اقتصادية محتملة للأخبار، فلماذا لا تبدأ الصحافة العربية في حساب ثروتها هي؟
المعركة المقبلة للصحافة ليست فقط على من يملك الجمهور، وإنما على من يملك القيمة التي تُبنى فوق المحتوى. والسؤال الذي يجب أن تطرحه المواقع العربية الآن ليس:
كيف نحصل على مزيد من الزيارات من عمالقة التكنولوجيا؟
بل:
كم تبلغ قيمة المعرفة التي ننتجها، وكم منها يستخدمه الآخرون، ولماذا لا نحصل على نصيبنا العادل منها؟
فقد لا تكون الصحافة العربية بحاجة إلى مزيد من النقرات كي تنجو. لكنها ربما تكون بحاجة، أولًا، إلى أن تكتشف أنها كانت تملك كنزًا طوال الوقت، تهدره بالسماح للآخرين باستخدامه بلا مقابل. وأن تتحول من موقف المدافع الذي يطلب من المنصات رابطاً (Backlink) إلى موقف المالك الذي يطالب برسوم ترخيص (Licensing Fees) لقاء استخدام بياناته.

وانتزاع هذه الأموال من عمالقة التكنولوجيا ليس رفاهية ماليّة للمؤسسات؛ بل هو طوق النجاة الوحيد لإعادة الاعتماد على العنصر البشري المنهك داخل غرف الأخبار. هذه العوائد هي التي ستمول تفريغ الصحفيين لإنتاج تحقيقات عميقة وتنقذهم من طاحونة الاحتراق الوظيفي والركض اللحظي خلف الترند، بل وتعيين صحفيين جدد لزيادة صحافة التحقيق والخدمات والمرجعية، دون إثقال صالات التحرير.
وهذه دعوة مفتوحة لرؤساء تحرير المواقع والصحف العربية الكبرى بتأسيس تحالف الناشرين العرب للبدء في التحرك التكنولوجي والقانوني لمطالبة عمالقة التكنولوجيا بالدفع مقابل استخدام ما تنتجه الصحافة.

في المقال القادم.. نتحدث عن سبل التحرك لتأسيس التحالف والتحديات والعقبات القانونية والتكنولوجية التي تواجهه، من حساب قيمة المحتوى، والأرشفة المنظمة للأرشيف العربي، وغياب المظلة القانونية إلى تحدي جمع الناشرين، وآلية التوزيع العادلة للأموال.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان