احتلالان.. وفلسطين واحدة
أحيانًا يا صديقي، تشعر أن البلاد ليست محتلة بجيش واحد فقط، بل بظلٍّ آخر يقف خلفه، يدير المشهد في صمت، ويعيد ترتيب الأرض كما يشاء. هكذا كانت فلسطين في عهد الانتداب البريطاني؛ أرضًا تحت سطوتين: احتلالٌ معلن يرفع راياته فوق المباني الرسمية، واحتلالٌ آخر يتسلّل بهدوء عبر المدارس والمستوطنات واللجان السرية. وكأن الفلسطيني كان يعيش بين قبضتين في وقت واحد، لا يعرف أيهما أشد وطأة.
منذ اللحظة الأولى لدخول القوات البريطانية، بدا أن السلطة الجديدة لا تنوي إدارة البلاد لمصلحة سكانها، بل كانت تفتح الأبواب لمشروع آخر ينمو في الخفاء. كانت بريطانيا تفرض قوانينها ورسومها وضرائبها، بينما تترك الحركة الصهيونية تتحرك بحرية في الخلفية، كأنها شريك غير معلَن في إدارة الأرض. وهنا، يا عزيزي القارئ، بدأ مفهوم «الاحتلال المزدوج» يتشكل: قوة استعمارية فوق السطح، وقوة صهيونية تتجذر في العمق.
ولم يكن الأمر مجرد نفوذ سياسي؛ فالانتداب منح المستوطنات الصهيونية حماية قانونية غير مسبوقة، بينما كان يفرض على القرى الفلسطينية قيودًا تُضعف قدرتها على النمو. كانت قوات الشرطة البريطانية تُنفذ القوانين، لكن الصهاينة كانوا يحصلون على استثناءات تُسهل بناء مستعمراتهم، وتمنحهم مساحات شاسعة من الأراضي. تخيل معي، يا صديقي، كيف يمكن لاحتلالين أن يتعاونا ضد شعب واحد: البريطاني يضع القانون... والصهيوني يستثمره.
وفي التعليم، كانت الصورة أكثر وضوحًا. سمح الانتداب للمدارس العبرية بالعمل باستقلال كامل، وصارت هذه المدارس تُنشئ جيلًا يحمل وعيًا جديدًا لا يشبه وعي أهل البلاد، بينما ظل التعليم العربي يئن تحت وطأة نقص التمويل والمناهج المتهالكة. وهكذا نما مجتمع يهودي يتمتع بأدوات القوة الثقافية، بينما بقي المجتمع الفلسطيني محاصرًا داخل إطار ضعيف لا يسمح له بمواجهة ما يُصنع حوله.
أما في الاقتصاد، فكانت اليدان تعملان معًا بطريقة لا تخطئها عين. بريطانيا منحت الشركات الصهيونية امتيازات زراعية ضخمة، وفتحت لها الطرق، وقدمت لها التسهيلات الجمركية، بينما فرضت على المزارع العربي ضرائب أثقلت كاهله، ودفعته في كثير من الأحيان إلى بيع أرضه بأثمان زهيدة. وهكذا، يا صديقي، كان الاحتلال الأول يضع الفخ... والاحتلال الثاني يلتهم النتيجة.
وتعمق الاحتلال المزدوج حين بدأت التنظيمات الصهيونية تُنشئ قوات شبه عسكرية تتدرب في معسكرات الانتداب نفسها. كانت الهاجاناه تكبر يومًا بعد يوم، وتتدرب على الأسلحة البريطانية، وتتعلم فنون القتال على أيدي ضباط إنجليز. وفي المقابل، كان الفلسطيني محرومًا من حمل السلاح، بل ومهددًا بالعقاب إذا حاول تشكيل أي قوة محلية تدافع عن أرضه. فأي عدالة تلك، يا عزيزي، عندما يُسمح للقادم الجديد بالتسلّح، ويُجرَّم صاحب الأرض إذا حمل عصًا؟
ولم تقف بريطانيا عند هذا الحد، بل سمحت للصهاينة بتأسيس مجالس محلية مستقلة، تمتلك صلاحيات مالية وإدارية واسعة. ومع الوقت، تحولت هذه المجالس إلى ما يشبه حكومة مصغرة داخل فلسطين، تدير شؤون الصهاينة بمعزل عن السلطة الرسمية. وهكذا أصبح الفلسطيني يعيش تحت حكمين: حكم الانتداب الذي يتحكم في كل شيء، وحكم صهيوني يفرض نفسه في المؤسسات والمستوطنات والمدارس والاقتصاد.
وكان من الطبيعي أن يشعر الفلسطيني، يا صديقي، بأن بلاده تُسلب من جهتين في الوقت نفسه. فبينما تستمر بريطانيا في فرض قوتها العسكرية، تستمر الصهيونية في بناء مؤسساتها المدنية، وكأن البلاد تُعاد صياغتها تحت يدين... كلتاهما لا ترى الفلسطيني إلا عقبة يجب تجاوزها.
ولو تأملت الواقع اليوم، ستجد أن آثار هذا الاحتلال المزدوج لم تنتهِ بخروج بريطانيا. فالقوة التي بنتها الحركة الصهيونية تحت حماية الانتداب أصبحت فيما بعد العمود الفقري لدولة الاحتلال الحديثة، والبنية الإدارية والاقتصادية التي نشأت في الثلاثينيات ما زالت تعمل حتى اللحظة، كأن الزمن لم يتغير إلا في الشكل.
ويبقى السؤال المؤلم، يا عزيزي:
كيف يمكن لشعب أن يعيش وهو محاصر باحتلالين في الوقت نفسه؟
التاريخ يجيب: لم يكن الاحتلال البريطاني مجرد قوة أجنبية... بل كان الجسر الذي عبرت فوقه الصهيونية لتصبح دولة قائمة فوق أرض شعب آخر.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع