إمبراطورية الزبالين.. هل أصبح شحاتة المقدس العقبة أمام التطوير في مصر؟
قرأت تصريحات لشخص يدعى شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، يلوح ويهدد بمنع عمال القمامة من العمل في حال انتشار أجهزة إعادة تدوير البلاستيك والعلب المعدنية (الكانز) في المناطق.
في معادلة الحكم والإدارة الحديثة، تُقاس قوة الدول بمدى قدرتها على بناء مؤسسات مدنية حديثة، وتنويع مصادر الاقتصاد، وفرض سيادة القانون، والتخطيط الاستراتيجي المستدام، لكن حين يتعلق الأمر بملف حيوي وحساس مثل "إدارة المخلفات والنظافة" في العاصمة ومحيطها، تبدو الدولة وكأنها رهينة في يد "دولة موازية" تديرها رابطة تقليدية بآليات بالية. وعلى رأس هذا الهيكل يقف شحات المقدس، نقيب الزبالين، ليطلق تصريحات ترقى إلى مستوى "الفرمانات" التي تختزل هيبة الدولة في كفة، ومصالح شبكته في كفة أخرى.
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور المهم الذي لعبه قطاع جامعي القمامة التقليديين في مصر على مدار عقود؛ فقد تحولت مناطق مثل "منشية ناصر" وعزبة الهجانة إلى خلايا إيكولوجية ضخمة لإعادة التدوير، غير أن الخطير في الأمر هو تحول هذا الدور من مجرد "خدمة مجتمعية بيئية" إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي خشن.
فعندما يخرج نقيب الزبالين ليلوح بتهديد صريح مفاده: "إذا وُضعت ماكينات أو أكشاك لجمع المواد الصلبة (البلاستيك والكانز)، فلن نرفع القمامة وسنسيب البلد تغرق في الزبالة"، فهنا لسنا أمام مطالب فئوية مشروعة، بل أمام "ابتزاز منظم" يعطل خطط التنمية والتطوير الرقمي والبيئي التي تسعى الدولة لتطبيقها لمواكبة العصر.
وخرج علينا بتصريحات مستفزة ترتكز فيها فلسفة شحات المقدس في السيطرة على العقول والشارع على مقولته المبطنة التي تحمل استخفافًا بمؤسسات الدولة: "الوزير لو غاب أسبوع محدش هيلحظ، لكن الزبال لو غاب يوم البلد تغرق".
هذه الفرضية، وإن احتوت على جزء واقعي يتعلق بأهمية النظافة اليومية، إلا أنها تمثل في جوهرها إعلان تفوق العشوائية على هيبة الدولة الحديثة، وتعكس فهمًا مشوهًا لمعنى الإدارة؛ حيث يُراد لمصر أن تظل رهينة لآليات توريث المهنة، والفرز اليدوي العشوائي، ورفض أي محاولة حكومية لإدخال التكنولوجيا الحديثة أو الأكشاك الذكية لإعادة التدوير، فقط لأنها تمس "الهيمنة المالية" لشبكات السيطرة التقليدية على المواد الصلبة.
هل أصبح "المقدس" مانعًا للتطوير؟
تطمح مصر اليوم إلى التحول الأخضر، وتطبيق منظومة اقتصاد الدائرة (Circular Economy)، واستخدام الشركات والحلول التكنولوجية الذكية لتطهير المدن والمحافظات وفق أحدث المعايير العالمية. لكن كلما حاولت المحافظات (القاهرة، الجيزة، القليوبية) خطوة نحو الأمام عبر مبادرات حضارية لتشجيع المواطنين على فرز المخلفات والاستفادة منها، تصطدم بجدار الرفض النقابي المتمثل في لغة الوعيد: "يا تاخدوا الفاكهة وتسيبولي القشر.. يا إما هنسيب الزبالة في الشوارع".
هذا التعنت يجعل من شحات المقدس ومنظومته بمثابة "مكبح رئيسي" يعرقل أي محاولة جادة لتحديث هذا القطاع. فالتطوير الحقيقي يَعني بالضرورة الانتقال من الاقتصاد العشوائي غير المفلتر إلى الاقتصاد المنظم الذي تديره الدولة بخطط استراتيجية، لا بقرارات فوقية يصدرها نقيب قطاع غير رسمي.
الأمر أصبح مقلقًا، وملف النظافة الحساس معلقاً بين مطرقة العشوائية وسندان تهديدات "نقابة الزبالين"، مما يمثل تحدياً صارخاً لفرض هيبة الدولة وتطوير وجهها الحضاري. إن الدولة المصرية قادرة، بما تملكه من أدوات ومؤسسات، على إدارة هذا الملف عبر شركات وطنية وعالمية حديثة ونظريات فرز ذكية تضمن حقوق البسطاء دون أن تترك العاصمة رهينة لـ "فرمطة" الشارع بالقمامة.
وسؤالي في النهاية: فعلاً فيه نقابة اسمها "نقابة الزبالين"؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع