إعلان

قوة الوعي الباطني

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م السبت 09 مايو 2026

«ماذا لو عرّفتُك إلى خطة حدسية، وعملية، تُمكِّنك من اختراق الفوضى العاطفية والجسدية التي تحجب عنك وضوح الرؤية في حياتك، فتصبح قادرًا على تصوّر شكل الحياة التي تريدها، إضافة إلى تحقيق هذا التصوّر على أرض الواقع؟». بهذه الكلمات الاستهلالية، تقتحم الكاتبة كيمبرلي فريدمتر عقل القارئ وشعوره في كتابها «قوة الوعي الباطني» (دار التنوير، 2020) الذي ترجمته إلى العربية آمال نعيم الحلبي.

في هذا الكتاب المؤثر، وعبر 320 صفحة، تُخبرنا كيمبرلي فريدمتر كيف أنه من الممكن أن نصمم حيواتنا كما حلمنا بها دائما، وأن طاقة تحقيق ذلك كامنة في وعينا الباطني. تُقدِّم الكاتبة إرشادات لتفعيل الطاقة الخام الكامنة في وعيك الباطني من أجل رسم طريق الحياة التي لطالما أردتها، باستخدام الدروس الستة المكثفة التي تشرحها واحدة من أشهر ممارسي التنويم المغناطيسي في العالم.

وترى الكاتبة أن لكل إنسان على وجه الأرض حقه الطبيعي في الانطلاق الرائع بكليته إلى بناء حياته، بكل ما أوتي من مواهب وقدرات. ولكن، مع ذلك، قليل منا يشعر بأنه قادر على التحكم في رسم مساره، وقليلون هم الواثقون بأنهم سينالون ما يتمنونه بالفعل (ص 7).

لقد عرَّف أهل الاختصاص مستوى الوعي الباطني لدى الإنسان بجمل مختلفة، وأشاروا إليه بتسميات متنوعة. وكان عالم النفس الفرنسي بيير جانيت Pierre Janet أول من ابتكر عبارة «الوعي الباطني» ليشير بها إلى «قوة وعي عالية موجودة تحت مستوى الفكر الواعي». أما طريقة التعريف الأكثر تداولا بين الناس فهي التي تقول إنها الأفكار والمشاعر التي توجد تحت مستوى الفكر الواعي. وفي الحقيقة، ومنذ أن انتشرت عبارة «الوعي الباطني» على يد عالم النفس سيغموند فرويد الذي عاد وفضَّل عليها تعبير «اللاوعي»، ما انفك علماء النفس، وغيرهم من المهتمين بتحديد هذا المفهوم نظريا، يناقشون التعريفين.

تقول المؤلفة:

«العثور على موارد وعيك الباطني الكامنة يمكنك في النهاية من السيطرة التامة على حياتك. وهذا يعني أنه يمكنك من رسم مسار حياتك بنفسك، عوضا عن الاكتفاء بدور الشريك السلبي الذي لا يمتلك القرار فيها. مبادئ الوعي الباطني الستة صممت لتؤمن لك طرائق في استخدام مواردك الداخلية لكي تبني وتدير أمور حياتك، وتبلغ أوجها مع المبدأ السادس ومع القدرة على تحقيق الذات» (ص 15).

يساعدك التواصل مع وعيك الباطني على أن تجعل مستوى الوعي في شخصك، وهو الذي تدعوه الكاتبة «الفكر الناقد»، على خط متراصف معه، فلا يعترضه ولا يتخطاه. الفكر الواعي أو الناقد، هو ذلك الصوت الذي في رأسك، والذي يوجهك في أعمالك وقراراتك، ويبقى في معظم الأحيان متمسكا بتصورات غير مجدية حقا في حياتك. لا شك أننا نحتاج لفكرنا الواعي في اتخاذ القرارات الفعالة والمنتجة، ولكن ميله إلى التدخل في التفاصيل الصغيرة في سلوكنا من أجل إخضاعها إلى مقاييسه المنطقية، يجعلنا نبتعد عمّن نحن في الحقيقة، وعن الأمور التي تجعلنا في غاية السعادة. وبكلام آخر، يعلم وعينا الباطني، وهو شخصنا الحقيقي، أين تكمن مصادر سعادتنا الحقيقية؛ فيما يبقى فكرنا الواعي والناقد مرتبطا في معظم الأحيان بمصادر السعادة السطحية والعابرة. أن تتعلم كيفية إحياء العلاقة مع وعيك الباطني، ووضعه على خط منسجم ومتراصف مع وعيك، سوف يساعدك على العيش في شخصك الحقيقي المتكامل. وانطلاقا من حالة التوازن هذه، يصبح باستطاعتك مناشدة واستقبال طاقة الروح بطريقة أكثر فورية وفعالية» (ص 41-42).

تحدد كيمبرلي فريدمتر المبادئ الستة المتعلقة بقوة الوعي الباطني كالتالي:

المبدأ الأول: المساءلة الذاتية - ستتعلم كيف تنظر إلى نفسك بتجرد وصدق حتى تتمكن من مساءلة شخصك حول ما أنت عليه حقا، فتتعرف إلى نفسك، وإلى ما تريده، وإلى حيث أنت. وبكلام آخر، ستتعرّف إلى كل ما أنت عليه في اللحظة الحاضرة، بكل ما تحمل من صفات، ومن أخطاء وهفوات وجوانب غير مرضية. يشكل هذا المركب من أنت في الحقيقة. وقبل أن تتمكن من الدخول إلى وعيك الباطني مباشرة تحتاج إلى محاسبة نفسك والانطلاق من سجل نظيف.

المبدأ الثاني: الدخول إلى وعيك الباطني - ستتعلم كيف تفعل وعيك الباطني حتى تتمكن من تطوير معرفتك الحدسية بنفسك، وتضع فكرك الواعي في خط متراصف ومنسجم معه. يمكن مقاربة هذه المرحلة الرئيسية في البرنامج من مداخل متعددة؛ ستجد عددا كبيرا من التمارين التي تساعدك للدخول إلى وعيك الباطني.

المبدأ الثالث: التقدم أو الابتعاد - أعمالنا تتحدَّث عنا أكثر من الكلمات. ستتعلم تقييم طريقتك في التعاطي مع الأوضاع ومع الناس. هل أنت ممن يواجهون المسائل، أو من الذين يتفادون المواجهة ويفضلون الانسحاب؟ القدرة على فهم نمط توجهاتك يساعدك على التوصل إلى الوعي الذاتي، وهذه المرحلة مهمة من أجل إنماء قوة وعيك الباطني.

المبدأ الرابع: احكم على نفسك وعلى جارك – الإصغاء إلى صوت الوعي الباطني يتطلب الاحتكام إليه، بدلا من العودة إلى أحكام الفكر الواعي المثقل بشتى الأمور، والذي قد يصدر أحكامه تحت ضغط الانحياز، أو رد الفعل. إضافة إلى أننا، وعبر النظر إلى أنفسنا من منظار علاقاتنا، يمكننا الاحتكام إلى وضوح رؤية الوعي الباطني من أجل السير على الدرب الملائمة لنا.

المبدأ الخامس: أعط لتأخذ - أن تحصل على ما تريده من الحياة يعني أنك توافق أنك تستحق الحصول عليه. وتحقيق أحلامك وإحراز السعادة التي تستحق يتوقف إلى حد معين على قدرتك على الاستفادة من الفرص التي تتاح لك في حياتك. يشكل هذا المبدأ الذهبي على مستوى وعيك الباطني، ما يشبه الممر السري الذي يتيح لك حيازة ما تريد، وكل ذلك فيما تحترم حق غيرك في الحصول على حصته كاملة.

المبدأ السادس: حقق ذاتك - تصل مع هذا المبدأ النهائي إلى المنصة التي تنطلق منها إلى تحقيق أهدافك وأحلامك وطموحاتك. هل ترنو إلى علاقة أكثر سعادة؟ هل تطمح إلى عمل جديد؟ هل ترغب في الإقلاع عن عادة التسويف أو عن القلق الشديد؟ هل تطمح بكل بساطة إلى أن ترضى عن ذاتك، وإلى أن تحب نفسك أكثر؟ أيا كانت تمنياتك، يكفي أن تسميها وتسير في الطريق سعيا إلى نيلها. عند هذا المبدأ، يكون وعيك الباطني في خط متراصف مع وعيك ومع طاقة الكون الجماعية، فتتمكن من تحويل أهدافك مهما كانت صغيرة أو كبيرة إلى حقيقة (ص 43-45).

عندما نطبق المبادئ الستة معا، سيفتح ذلك الطريق أمامك إلى الاستنارة والوعي الذاتي الرفيع. تفعيل وعيك الباطني يجعلك تشعر بأنك ذات مكتملة، وغير متعثرة بما يثقلها، وأنك حر فتكون كما خُلقت لتكون. وبينما تفعل ذلك، يجب ألا يغيب عن ذهنك الهدف الأعلى وهو أن تجمع طاقة وحكمة وعيك الباطني إلى فكرك الواعي وإلى روحك. تحتاج هذه العناصر الثلاثة إلى العمل معا بانسجام لكي تتمكن من أن تحيا الحياة التي تريدها وتستحقها (ص 45).

هل وجدت نفسك ذات يوم عالقا في حلقة من السلبية وكأن العالم مكانك فيه مجرد «نصف الكأس الفارغة»؟ قد تشعر الآن أنك أتعس مخلوق على وجه الأرض. تسمي المؤلفة هذه الحالة حالة جفاف، وتقول:

«الجفاف هي حالة تكون فيها على غير تواصل مع وعيك الباطني؛ هذا الانقطاع الذي يجعلك تشعر بأنك «أقل من..»، وأن لديك نقصا في مكان ما. وقد يكون الجفاف أيضا حالة عاطفية أو ذهنية؛ وقد يكون موقفا أو وضعا وجدت نفسك فيه. ولكن ليس من أحد بيننا غير معرض لمساوئه وأوهامه» (ص 252).

توصي كيمبرلي فريدمتر بأنه «من الأفضل أن تحتفظ بمسافة فاصلة بينك وبين الذين يعانون من الجفاف. قد تبدو هذه النصيحة قاسية، وهي بالفعل كذلك، ولكن قد يكون الجفاف معديا. الجفاف يجذبك نحوه، تماما كما يجذبك من كانت لديهم مشكلات لكي تساعدهم على حلها. وينطبق هذا الواقع بنوع خاص على من كان ميالا بطبعه إلى مشاركة الآخرين وإلى التخفيف عنهم. وإني على يقين بأن معظمكم كذلك، وخصوصا الأمهات والآباء حيث فضيلة الرعاية متجذرة في صميمهم. أعلم تماما أن ما تتميز به من شجاعة ونخوة يدفعك إلى الإقدام ومد يد المساعدة، ولكني أنصحك بالتالي: تحقق من طاقة الشخص الآخر؛ هل هي إيجابية أم سلبية؟ إن لامستك شحنة من المشاعر السلبية، فهناك احتمال كبير في أن يكون هذا الشخص في حالة من الجفاف» (ص 274-275).

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان