عن «الموت والاحتضار»
في كتابها عن «الموت والاحتضار» (صفحة سبعة، 2021)، تتساءل الطبيبة النفسية الأميركية السويسرية إليزابيث كوبلر روس (1926-2004):
«من الذي قال: «لا نستطيع أن ننظر إلى الشمس طول الوقت، ولا يمكن أن نواجه الموت طول الوقت»؟».
يعرض كتاب إليزابيث كوبلر روس، وهي رائدة في دراسات الاقتراب من الموت، عددًا من البحوث النفسية بشأن الموت والاحتضار. فهي تنطلق بلسان الحكمة، عبر عرض مفهوم الضيق من الموت الذي يشمل انفعالات ثلاثة هي: القلق والاكتئاب والوسواس، مع التركيز على قلق الموت: المفهوم والقياس والأسباب. تقول الكاتبة:
«تنتهي مشكلات المريض المحتضر، لكن مشكلات الأسرة تستمر. يمكن تقليل عدد كبير من هذه المشكلات بمناقشتها قبل وفاة أحد أفراد الأسرة. لكن الاتجاه، للأسف، هو إخفاء المشاعر عن المريض، ومحاولة الحفاظ على وجه مبتسم وواجهة من البهجة الخيالية التي لا بد أن تنهار عاجلًا أم آجلًا» (ص 235).
في الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة العربية عبد المقصود عبد الكريم، تقول الطبيبة النفسية:
«إن أولئك الذين لديهم القوة والحب للجلوس مع مريض يحتضر في صمت يتجاوز الكلمات سوف يعرفون أن هذه اللحظة ليست مخيفة ولا مؤلمة، بل هي لحظة توقف سلمي لعمل الجسد. إن مشاهدة موت إنسان موتًا سلميًّا تُذكِّرنا بنجم يسقط؛ ضوء من مليون ضوء في سماء شاسعة يضيء لحظة وجيزة ليختفي في الليل اللامتناهي إلى الأبد».
بجرأة وخبرة، تتناول المؤلفة الخبرات القريبة من الموت، وبرامج التربية المتصلة بالموت، ومواجهة قلق الموت، وطرق علاجه. ولا يخفى على أحد أن الكتاب منذ صدوره عام 1969، تحوّل إلى الشرارة التي أدت إلى التغيرات في الافتراضات والتوقعات السائدة التي غيَّرت الممارسة الإكلينيكية في غضون أعوام.
أدى الكتاب إلى إعادة هيكلة جذرية لعلاقات المرضى مع أطبائهم ومع العاملين الآخرين في المجال الإكلينيكي.
تلقي الطبيبة النفسية بقنبلتها حول العلاقة بين الطبيب والمريض المحتضر؛ إذ تقول:
«أن تقول أو لا تقول، هذا هو السؤال» (ص 75).
وسرعان ما تُقدِّم الطبيبة النفسية رؤيتها الخاصة حول هذه المسألة قائلة:
«إذا كان في استطاعة الطبيب أن يتحدَّث بحرية مع مرضاه حول تشخيص ورم خبيث بدون أن يساوي ذلك بالضرورة بالموت الوشيك، فسوف يُقدِّم للمريض خدمة رائعة. وعليه في الوقت نفسه أن يترك الباب مفتوحًا للأمل، أي الأدوية الجديدة، والعلاجات، وفرص التقنيات الجديدة والأبحاث الجديدة». (ص 76).
في موضع آخر، تؤكد روس:
«باختصار، إذن، أعتقد أنه لا ينبغي أن يكون السؤال، «هل أخبر مريضي؟» ولكن يجب إعادة صياغته على النحو التالي: «كيف أشارك مريضي في هذه المعرفة؟» ويجب على الطبيب أولًا أن يفحص موقفه تجاه الورم الخبيث والموت حتى يتمكن من التحدُّث عن مثل هذه الأمور الخطيرة بدون قلق لا داعي له. ويجب أن يستمع إلى إشارات المريض التي تُمكنه من استنباط استعداد المريض لمواجهة الواقع» (ص 84).
عبر صفحات كتابها، نطالع ما يلي:
«إنني أستخدم هذه الأمثلة للتأكيد على أهمية أن نتحمل غضب المريض سواء كان غضبًا مبررًا أو غير مبرر. وغني عن القول، إننا لا يمكن أن نقوم بذلك إلا إذا تخلينا عن الخوف حتى لا نضع أنفسنا في وضع دفاعي. وعلينا أن نتعلم الاستماع إلى مرضانا وحتى أن نتقبل في بعض الأحيان بعض الغضب غير المبرر، مع العلم بأن الارتياح نتيجة التعبير عن هذا الغضب سوف يساعدهم على تقبل الساعات الأخيرة بشكل أفضل. ولا يمكن لنا أن نفعل ذلك إلا حين نكون قد واجهنا مخاوفنا الخاصة من الموت، ورغباتنا المدمرة، وأدركنا طبيعة آلياتنا الدفاعية الخاصة التي قد تتعارض مع رعاية مرضانا» (ص 104).
تؤكد إليزابيث كوبلر روس:
«أعتقد أن أسوأ تعامل ممكن مع أي مريض، مهما كانت قوته، أن تخبره بأنه لم يتبق له على قيد الحياة سوى عدد محدد من الأشهر أو السنوات. ونظرًا إلى أن هذه المعلومات خاطئة على أي حال، والاستثناءات في الاتجاهين كليهما هي القاعدة، لا أرى أي سبب يجعلنا حتى نضع مثل هذه المعلومات في الاعتبار».
وتقرر الباحثة المرموقة:
«كما أن الموت ليس حقيقة دائمة بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وخمس سنوات. إنه مؤقت مثل دفن بصيلة زهرة في التربة في الخريف لتظهر مرة أخرى في الربيع التالي.
بعد سن الخامسة، غالبًا ما يُنظر إلى الموت على أنه رجل، بعبع يأتي ليأخذ الناس بعيدًا؛ ما زال يُنسبه إلى تدخل خارجي.
في سن التاسعة إلى العاشرة، يبدأ المفهوم الواقعي في الظهور، أي الموت باعتباره عملية بيولوجية دائمة».
في هذا الكتاب الاستثنائي، تستكشف المؤلفة في البداية المراحل الخمس الشهيرة للأسى: الإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب والقبول. ومن خلال مقابلات ومحادثات مع المرضى تمنح المؤلفة القراء فهمًا أفضل لكيفية تأثير الموت الوشيك على المريض، والمهنيين الذين يخدمون ذلك المريض، وأفراد عائلة المريض.
وترى الكاتبة أنه «عند الاستماع إلى مرضانا الذين يعانون من أمراض ميؤوس من شفائها، أثار إعجابنا دائمًا أنه حتى المرضى الأكثر قبولًا والأكثر واقعية تركوا الفرصة مفتوحة لبعض الشفاء، لاكتشاف دواء جديد أو «نجاح اللحظة الأخيرة في مشروع بحثي».. إن لمحة الأمل هذه هي التي تحافظ عليهم خلال أيام أو أسابيع أو أشهر من المعاناة» (ص 209).
يقدِّم الكتاب رؤية تفصيلية حول متعلقات قلق الموت: السن، والتدين، والمهنة، والعوامل الاجتماعية والموقفية، وعلاقة قلق الموت بالشخصية والصحة والمرض.
ترى إليزابيث كوبلر روس أنه «غالبًا ما يستجيب المرضى بتقدير مبالغ فيه للشخص الذي يهتم بهم ويمنحهم من وقته ولو لحظات قصيرة. إنهم محرومون من مثل هذا اللطف في عالم يزدحم بالأجهزة والأرقام، وليس من المستغرب إذن أن تؤدي لمسة إنسانية صغيرة إلى مثل هذه الاستجابة الهائلة».
تقول المؤلفة: «إننا نصر، على الرغم من كل الأدلة على عكس ذلك، على افتراض أننا خالدون، ويؤكد كل منا للآخر أننا جميعًا في نزهة في الفضاء، محصنون ضد قوانين جاذبية السماء».
وتضيف: «لقد انتهى منذ زمن طويل الاعتقاد بأن المعاناة هنا على الأرض سوف تكافأ في السماء. لقد فقدت المعاناة معناها».
تلفت الكاتبة الانتباه إلى أمر نفسي وإنساني بالغ الأهمية؛ إذ تقول:
«حين يكون المريض معتلًّا بشدة، غالبًا ما يُعامل مثل شخص لا يحق له إبداء رأيه. وغالبًا ما يكون شخص آخر هو الذي يتخذ القرار بشأن ما إذا كان يجب إدخال المريض إلى المستشفى ومتى وأين. ولن يستغرق الأمر سوى القليل لتتذكر أن الشخص المريض لديه أيضًا مشاعر ورغبات وآراء، وله - والأهم من ذلك كله - الحق في أن يُسمَع».
الكتاب ثقيل، بوطأته النفسية على القارئ، لكنه يظل بالغ الأهمية. عبر 384 صفحة، يتناول الكتاب الكثير مما يحتاج إلى تعلمه حتى اليوم عدد كبير من الأطباء والممرضات والأخصائيين الاجتماعيين وكل العاملين في مجال الصحة، إضافة بالطبع إلى الجمهور العام، فالموت والاحتضار خبرة بشرية يومية.
في تصديره للكتاب، يقول س. موراي باركس:
«هناك أشياء كثيرة جدًّا تتعارض مع وجود مقاربة مناسبة للموت. إننا نصر، على الرغم من كل الأدلة على عكس ذلك، على افتراض أننا خالدون ويؤكد كل منا للآخر أننا جميعًا في نزهة في الفضاء، وأننا محصنون ضد قوانين جاذبية السماء. يقول الطبيب: «لا تقلق، إنها مجرد قرحة صغيرة»؛ وتقول الممرضة: «هيا، يجب ألا تتحدَّث الآن بهذا الشكل، سوف تكون على ما يرام».
ويضيف باركس:
«إن أولئك الذين يحظون بامتياز رعاية الشخص الذي على وشك الموت يعرفون أن المرحلة الأخيرة من الحياة يمكن أن تكون وقت القبول السلمي، وقت الهدوء الذي يتناقض مع التوترات والإحباطات في معركة البقاء على قيد الحياة».
في عبارة دالة، نقرأ:
«لحسن الحظ أو للأسف، هناك عدد قليل جدًّا من المرضى قادرون على الحفاظ على عالم خيالي يتمتعون فيه بصحة جيدة إلى أن يموتوا».
بالإضافة إلى تأليف هذا الكتاب الرائد، عن «الموت والاحتضار» وهو من الكتب التي حققت أعلى المبيعات على مستوى العالم، ألفت إليزابيث كوبلر روس 24 كتابًا تُرجمت إلى 36 لغة، ويتضمن إرثها المهني الأعظم تعليم ممارسة الرعاية الإنسانية للمحتضرين وأهمية التعبير عن الحب غير المشروط، ويستمر عملها بجهود مئات المنظمات حول العالم، بما في ذلك مؤسسة إليزابيث كوبلر روس.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع