إسرائيل... لا تُلدغ من جُحرٍ مرتين!!!
نقول في أمثالنا الشعبية السائرة: "المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين"، وهذه المقولة في أصلها ومبتداها اقتباسٌ من حديث نبوي شريف بليغ؛ حيث قال الرسول ﷺ: {لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ}.
والحديث الشريف يدعو في جوهره إلى وجوب الفطنة واليقظة، ويُحذر من الغفلة وتكرار السقوط في نفس الخطأ أو الانخداع بذات المكر.
والمعنى الواضح: أن من ناله أذىً من مسلكٍ معين أو شخصٍ محدد، وجب عليه عقلاً وحيطةً أن يكون واعياً فلا يُؤتى من ذات المأتى مجدداً.
ولعل القصة الشهيرة وراء هذا الحديث تلخص المشهد؛ فقد ورد في كتب السنة أن النبي ﷺ عفا عن الشاعر "أبي عزة الجمحي" في معركة بدر، وأطلق سراحه بلا فداء بعد أن عاهده ألا يقاتل المسلمين ولا يحرّض عليهم، لكن "أبا عزة" نقض عهده، وعاد ليشارك في معركة أُحُد مقاتلاً، فلما أُسر ثانيةً وطلب العفو، قال له النبي ﷺ كلمته الحكيمة التي جرت مجرى الأمثال: {لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين}، وأمر بمعاقبته حتى لا يظن أنه يمكنه استغفال مجتمع المسلمين ودولتهم الناشئة.
من الفرد إلى الدولة: جدلية الوعي وحسابات التاريخ
لكن، يبدو أن هذه القاعدة الصارمة والذهبية لا تخص المؤمن الفرد وحسب، بل تتعداه لتشمل أي جهة، أو حتى "دولة" تمتلك القدرة على الوعي، والاستيعاب، ودراسة العبر واستخلاص الدروس.
وإذا أردنا إسقاط هذا المفهوم على الواقع السياسي والعسكري، فإننا نجد أن الكيان الإسرائيلي – وعلى الرغم من طبيعته كدولة احتلال اغتصبت الأرض وقتلت النساء والأطفال، وهو ما لا يمكن الإشادة به أو إغفاله – إلا أن طريقة تعاطيه مع الأمور وإدارته لتجاربه قائمة على "مبدأ الحيطة الصارمة".
فعبر تاريخها، نادراً ما سمحت إسرائيل لنفسها بأن تُلدغ مرتين من ذات الجحر؛ إذا لُدغت أول مرة، درست السبب، وأعادت الحسابات، واحتاطت في المرات اللاحقة لضمان عدم تكرار النتيجة ذاتها.
وسجلات التاريخ المعاصر لدولة إسرائيل تؤكد هذه العقيدة؛ فهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تُشكل لجان تحقيق رسمية وقضائية عقب كل انكسار أو فشل استراتيجي، لتفكيك الخطأ وإعادة بناء المنظومة جذرياً، ولدينا على ذلك محطات ومفترقات طرق حاسمة:
• زلزال 1973 (حرب أكتوبر): بعد اللدغة الاستخباراتية الأولى وفشل مفهوم (الكونسبت)، شكلت إسرائيل لجنة "أجرانات" عام 1974، برئاسة رئيس قضاة المحكمة العليا شمعون أجرانات – حينذاك – أطاحت بالقادة الكبار، وأنهت احتكار جهاز (أمان) لتقدير الموقف، بل وأنشأت دائرة "الرأي الآخر" داخل الاستخبارات، وهي وحدة مهمتها الأساسية التشكيك في أي إجماع أمني وافتراض العكس تماماً لمنع الغرور الاستخباراتي مجدداً.
• غزو لبنان 1982: بعد التورط في مستنقع "حرب العصابات" جنوب لبنان وتلقي ضربات يومية، شكلت لجنة "كاهان" 1983، «لجنة التحقيق في أحداث مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت». وغيّرت إسرائيل عقيدتها العسكرية بالانسحاب التدريجي وصولاً لعام 2000، واستبدلت الاحتلال المباشر بـ"الحروب من خلف الستار" والاعتماد على التكنولوجيا والجدر الإلكترونية والدرونز.
• حرب لبنان الثانية 2006: عقب الإخفاق في تدمير ترسانة حزب الله الصاروخية وسقوط هيبة دبابات "الميركافا"، خرجت لجنة "فينوغراد" (2006-2008) لتغير المفهوم بالكامل؛ فصاغ الجيش ما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية" القائمة على القوة التدميرية الساحقة للبنية التحتية لتقصير أمد الحرب، وتم تفعيل برنامج تطوير "القبة الحديدية" فوراً لحماية الخاصرة الرخوة (الجبهة الداخلية).
• انتفاضة الأقصى 2000: رداً على العمليات التفجيرية داخل مدنها، انتقلت إسرائيل من مفهوم "الردع بالهجوم" إلى "الفصل الفيزيائي الصارم"، فبنت جدار الفصل العنصري، وانتهجت استراتيجية "جز العشب" الأمنية عبر المداهمات اليومية الاستباقية لمنع نمو أي خلايا عسكرية قبل أن تنفجر.
تكرار العبارة كـ"عقيدة سياسية" لقادة الكيان
المفارقة الكبرى هي أن قادة هذا الكيان يعيشون هاجس "اللدغة المتكررة" والبحث المستميت عن "الجحر" الذي أُتوا منه، لدرجة جعلت من عبارة "لقد استخلصنا العبرة" لازمة إعلامية وسياسية يرددها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته في مناسبات عديدة وعشرات المرات.
إن ترديد هذه العبارة بشكل "هيستيري" على لسان قادة الكيان يمثل اعترافاً ضمنياً وصريحاً بأنهم يدركون خطورة تكرار الأخطاء، ويريدون إقناع مجتمعهم بأنهم لا ينتظرون ذات النتائج الكارثية إذا ما تكررت ذات الأسباب.
وتكشف خطابات نتنياهو كيف تتحول هذه العبارة إلى استراتيجية دفاعية:
• كارثة المحور في غزة: استخدم نتنياهو هذه العبارة حرفياً بعد حادثة مقتل 21 جندياً إسرائيلياً دفعة واحدة إثر انهيار المباني المفخخة، حيث أعلن حينها بصدمة أن الجيش بدأ التحقيق مؤكداً على "ضرورة استخلاص الدروس اللازمة للحفاظ على حياة الجنود".
• تقارير الحروب السابقة (2014): جاء تصريح مشابه تماماً لنتنياهو عقب صدور تقارير "مراقب الدولة الإسرائيلية" الهجومية حول حرب غزة عام 2014، حيث خرج ليزعم أنه تم استخلاص "العبر الجوهرية" وتطبيقها على الفور لضمان الجاهزية والاعتماد على النفس.
وعي التكتيك وعمى الاستراتيجية
إن هذه المقاربة تكشف لنا حقيقة مذهلة: إسرائيل تاريخياً تُدير أزماتها بعقلية الشركات الكبرى؛ تدرس الفشل، وتقيل المتسبب، وتغير استراتيجية العمل لتلافي الخطأ السابق مدفوعة برعب وجودي من أن تُلدغ من ذات الجحر مرتين.
ولكن الأزمة الكبرى لنتنياهو وحكومته اليوم هي أن الجحر الذي لُدغت منه إسرائيل في محطاتها الأخيرة، لم يكن نقصاً في التكنولوجيا ولا عيباً في الأسوار والجدر، بل كان جحر "الغرور والعمى السياسي" تجاه قضية شعب صاحب أرض لا يمكن محوه بالآلة العسكرية.
قد يخرج نتنياهو وأعضاء حكومته مئات المرات ليقولوا "لقد استخلصنا العبر"، وقد ينجحون "تكتيكياً" في إغلاق جحر صغير هنا أو هناك، ولكنهم حين يجعلون من "الظلم والاحتلال" منهجاً ثابتاً، فإنهم يضعون أنفسهم – حتماً – في مواجهة جحور التاريخ الكبرى... وتلك جحورٌ لا تنفع معها تبريرات السياسة، ولا تقارير لجان التحقيق، ولا ترحم أبداً من لا يستوعب الدروس.
"ولعلنا هنا، لسنا بصدد الإشادة بالوعي الإسرائيلي أو التباهي بحيطته، بل نحن أمام تشخيص مجرد ودقيق لواقع إدارته للأمور وقراءة منهجية لآليات عمله.
فالمُنى الكامنة في الأعماق ليست أن يُلدغ هذا الكيان الغاصب والمحتل من ذات الجحر مرتين أو ثلاثاً، بل أن يُلدغ مئات المرات حتى تتهاوى غطرسته، ولكن لكي تتحول هذه الأمنيات إلى واقع مادي ملموس، وجب على كل المتضررين من هذا الاحتلال، وعلى قوى المقاومة كافة، استيعاب هذه القاعدة الذهبية؛ فالعدو لا ينام على خطئه، ومن العبث مواجهته بذات الأدوات التقليدية والأنماط المكررة التي احتاط لها سلفاً وفرّغها من قذائفها.
إن إغلاق جحور العدو وإجباره على السقوط يتطلب ثورة في تطوير الأدوات، وإبداعاً في التكتيك، ومغادرةً لمربعات النمطية، لأن من يقاتل بعقلية الأمس ضد عدوٍ يُفكك أخطاء اليوم، سيبقى يراوح مكانه دون إدراك لمرماه."
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع