إعلان

صراع هيمنة أم صراع ثقافات

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م السبت 16 مايو 2026

تكشف القمة الصينية الأمريكية الحالية عن خلافات عميقة متجذرة في الثقافة وفي فهم العالم بين الدولتين أكثر من كونها قمة لحسم الصراع حول الهيمنة بين البلدين.
فقد انطلق معظم الباحثين والمحللين الأمريكيين في تحليلهم للقمة الحالية من فكرة الصراع ووسائل حسمه بين الدولتين عبر أدوات مؤسسية ومالية وتقنية. كما برزت كلمات كـ"الطموح" و"التفوق" و"ساحة المعركة" و"مصير العالم" في تحليل الحدث الراهن. وهي ذات العبارات التي استخدمها أيضا المحللون الأمريكيون عند تحليل القمم الأمريكية الروسية. فقد كانت وما زالت الأمور بالنسبة لهم مباراة صفرية يجب أن ينتصر فيها طرف على الآخر.

كما تبلور تصور لدى عدد آخر من المحللين في أوروبا ودول الشرق الأوسط بأن موضوع الحرب الأمريكية الإيرانية ستسيطر – دون غيرها – على مسار القمة، في حين أشار محللون آخرون إلى أن قضية تايوان الخلافية بين الجانبين قد تفجر القمة قبل اكتمالها.
ووفقا لجميع هذه الاقترابات التحليلية، لا بد أن تسفر القمة عن تنازلات أحادية من أحد الجانبين.

إلا أنه قد تكون هناك أبعاد أخرى يمكن أن تقربنا أكثر من فهم العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وتساعدنا على الوقوف على مسار القمة ومآلاتها. ويُعتبر الجانب الثقافي من أهم تلك الأبعاد. ولا أقصد هنا فقط الحضارة الصينية المتجذرة في التاريخ مقابل دولة الولايات المتحدة الحديثة والتي لا يتعدى عمرها ٢٥٠ عاما، وإنما انعكاس البعد الحضاري على الثقافة والسلوك السياسي لكل من الرئيسين جي بينغ وترامب، وفي مقدمة هذا الأمر الالتزام بأيديولوجية ومبادئ الحزب الشيوعي الصيني مقابل شعار أمريكا العظيمة "الماجا".
وينعكس البعد الثقافي والحضاري أيضا بين رئيسي البلدين في أساليب وأدوات التواصل السياسي. فالرئيس الصيني يتواصل مع الداخل والخارج من خلال خطب رسمية وقنوات إعلامية رسمية ومن خلال وثائق ومقررات الحزب الشيوعي الصيني، بما يعكس الجدية والسلطة والوضوح والاستدامة. وذلك على عكس الرئيس ترامب الذي يعول على وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي بدون رقابة أو سيطرة، خاصة على ما يستخدمه من عبارات وألفاظ تفتقر للدبلوماسية ولا تعكس توجها فكريا محددا. كما أن ظهوره غير المنتظم في الإعلام لطرح قضايا غير محددة مسبقا يعكس غياب الرؤية ويولد عدم يقين لدى الجمهور.

كما يظهر التباين في البعد الثقافي بين البلدين في طبيعة مرافقي ترامب في هذه القمة، حيث يتكون معظم المرافقين من رجال أعمال أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي مثل ملاك ورؤساء مجالس إدارة شركات "تسلا وآبل وإنفيديا وبلاك روك وسيسكو وميتا"، بالإضافة إلى رؤساء مجالس إدارات شركات مالية مثل "ماستر كارد وفيزا"، في إشارة إلى الموضوعات التي سيحرص ترامب على طرحها على مائدة المفاوضات بعيدا عن القضايا السياسية "الصلبة" التي قد تقود إلى مواجهات أكثر من حدوث تفاهمات مثل قضية "تايوان".

أما عن البعد الثالث في التباين الثقافي بين الرئيسين، فيظهر بشكل واضح في تفضيل الجانب الصيني التحرك الحذر والممنهج والمتأني على الإيقاع السريع الذي يفضله ترامب في إنهاء وتسوية القضايا وإبرام الصفقات.
ويتمثل البعد الرابع في التباين الثقافي بين الجانبين في تقدير كل رئيس لأهمية العمل الجماعي والتحالفات لإحداث توافقات. حيث يدخل جي بينغ القمة الحالية ولديه تحالفات قوية مع دول البريكس، وبصفة خاصة روسيا ومعظم دول العالم النامي وكندا وبعض الدول الأوروبية كفرنسا. في حين يفضل ترامب التحرك والعمل المنفرد بعد أن تخلى عن حلفائه في أوروبا وكندا وهدد حلفاءه في أمريكا اللاتينية. كما أن التحالف الهندي – الباسيفيكي من اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية قد لا يكون أفضل حظا مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويعكس هذا البعد تحديدا رؤية القيادتين للعالم. حيث يرى الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تملك بمفردها القرار الدولي، في حين أعلن جي بينغ أن الصين جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي وتسعى نحو بناء شراكات.
إن البعد الثقافي المستتر خلف الصراع من أجل الهيمنة بين الدولتين هو القادر على تفسير رؤية كل رئيس للعالم وفهمه له في ظل حالة من عدم اليقين وتعدد المخاطر.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان