إعلان

"الوطن مرة أخرى".. دعوة تشكيلية للبهجة

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

07:00 م السبت 16 مايو 2026

يقدم معرض "الوطن مرة أخرى" للفنانة إسراء زيدان، الذي انطلق مؤخرا في جاليري فيلا آزاد، ويستمر حتى نهاية مايو الجاري، تجربة فنية فريدة تتجاوز المفهوم التقليدي للمكان، لتغوص في أعماق الحالة الشعورية والارتباط الروحي بالذات.
وتتخذ إسراء زيدان من جسد المرأة "الممتلئ" بطلا أوحد لأعمالها، ولكن بذكاء فني يحول هذا الامتلاء من عبء فيزيائي إلى طاقة حركية.

ومن خلال اللوحات المعروضة، نجد أنفسنا أمام تجربة بصرية تحتفي بالمرأة، ليس كجسد خاضع لمعايير الجمال التقليدية، بل كروح محلقة تتجاوز حدود المادة والوزن، فبطلات الأعمال يجسدن مفهوم "الوطن" بوصفه حالة من السلام الداخلي والتحرر من القيود المادية.
يأتي المعرض استمرارا لأعمال إسراء زيدان السابقة في الاحتفاء بالجسد الأنثوي الممتلئ، ولكنها في هذا المعرض تنقله إلى آفاق سريالية تجعله يبدو أخف من الهواء، ويظهر ذلك بوضوح في لوحات تظهر فيها البطلة بملابس زاهية مزينة بالورود وسط طبيعة خضراء وسحب بيضاء، في مشهد يعكس قمة الاسترخاء والارتباط بالأرض كوطن أم.

وتعتمد الفنانة باليتة ألوان حيوية وصريحة، فالأزرق السماوي يسيطر على الخلفيات ليمنح شعورا بالاتساع والحرية، كما يضفي الأحمر المنقط لمسة من الأنوثة الكلاسيكية والمرح، ويظهر بوضوح في الفستان الذي ترتديه البطلة وهي تنفخ الفقاعات. أما الأصفر والذهبي، فيعكسان طاقة الشمس والحياة، كما في الثوب المتطاير للبطلة وهي تمتطي الثور. وهذه الألوان لا تخدم التكوين البصري فحسب، بل تعزز الحالة النفسية للمشاهد.
أيضا تستخدم زيدان الرموز لتعميق الدلالة الدرامية في أعمالها، ففي إحدى الأعمال تقوم الحمامات برفع المرأة بواسطة أشرطة حمراء، في استعارة بصرية قوية للسلام الداخلي الذي يرفع الإنسان عاليا، فيما تمتطي البطلة الخيول والثيران في بعض الأعمال بثقة مطلقة، مما يوحي بالتمكين والسيطرة على المصير.

كما نرى بطلة محلقة في السماء، ترفعها طيور الحمام، مما يرمز إلى الانعتاق التام من ثقل الواقع نحو فضاءات الأحلام.
وفي إحدى اللوحات تجلس البطلة تحت ضوء الهلال بوضعية تأملية، مما يمنح شعورا بالسكينة والوحدة المنتجة، بينما تظهر لوحات أخرى تجمع نساء في حالات من المرح أو احتساء القهوة فوق السحاب، مما يؤكد أن "الوطن" يكتمل بالمشاركة والونس الإنساني.
ويتميز تنظيم المعرض باستغلال الزوايا والإضاءة المركزة التي تبرز تفاصيل اللوحات الزيتية، وتتيح الممرات الواسعة والأقواس المعمارية للمشاهد التنقل بين العوالم المختلفة للفنانة.
وينجح المعرض في خلق عالم موازٍ يتسم بالبراءة والجرأة في آن واحد، خاصة أن أسلوب إسراء زيدان يقترب من "المدرسة الفطرية" في بعض جوانبه، لكنه يمتلك وعيا أكاديميا واضحا في توزيع الكتل والظلال، فهي لا ترسم نساء "بدينات"، بل ترسم أرواحا اتسع مداها حتى فاضت عن أجسادها.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان