تاريخ الخوف في العصر المملوكي
يأتي التفسير النفسي للتاريخ كأحد أهم النظريات ومدارس تفسير التاريخ، حيث يوفر لنا جوانب مهمة يعجز النص التاريخي الصرف عن توضيحها. وتأتي أهمية التفسير السيكولوجي للتاريخ في قراءة تفسير سلوك البشر، أفرادا وجماعات. فقد فطن المؤرخون إلى أهمية توظيف علم النفس في دراساتهم وأبحاثهم التاريخية، مدركين الفائدة العلمية الكبيرة التي يحرزها البحث التاريخي بفضله.
يوثق كتاب د. محمد فياض الذي يحمل عنوان «تاريخ الخوف في مصر في العصر المملوكي» (دار روافد، 2025) حالة الخوف والاضطرابات النفسية والاجتماعية التي سادت المجتمع المصري خلال حكم المماليك. ويتناول الكتاب قضايا مهمشة وتاريخا مسكوتا عنه، مسلطا الضوء على تأثير الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية على نفسية الشعب المغلوب.
يقول المؤلف إن «هذه الدراسة لم تقم على استدلالات أو استنباط غير مباشر من النصوص، بل كانت النصوص التاريخية قاطعة المعنى في استخدام كلمات الخوف والذعر والقلق وإلى غير ذلك من المفردات التي احتشدت بها المصادر التي أرخت للعصر المملوكي». ويضيف: «وفي الحقيقة فإن المناخ السياسي الذي تولد نتيجة العقيدة السياسية المملوكية كان له عظيم الأثر في تفاقم ظاهرة الخوف في دوائر السلطة، تلك العقيدة التي تلخصها العبارة التالية: «أنه لا فرق بين مملوك على مملوك إلا بالقوة»، فكانت ظاهرة الخوف جزاء وفاقا لهذه العقيدة.
يشير الكتاب إلى أن الأحداث الدائرة على المسرح السياسي كانت من أبرز مثيرات الخوف في مصر في العصر المملوكي. لقد أفاضت النصوص في توضيح مشاعر الخوف المرتبطة بمثل هذه الحوادث، فقد تعلقت أعين وقلوب المصريين بما يدور في المجال العام من صراعات أو قرارات أو شائعات أو توقعات. وقد تعددت المثيرات التي أقلقت العوام وساهمت في تأجيج خوفهم. كان أبرز هذه المثيرات هو الخوف من المستقبل السياسي، فعلى سبيل المثال بعد قتل المظفر قطز عام 658هـ/1259م نادى المنادي في الناس: «ترحموا على الملك المظفر، وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس»، فغم الناس من ذلك وخافوا من عودة دولة المماليك البحرية وسوء حكمهم، ولكن السلطان الظاهر بيبرس (658-676هـ/1259-1277م) ساس سياسة حسنة وألغى كل الضرائب التي فرضها قطز، فطابت قلوب الناس وآمن روعهم».
كما كان تداول السلطة أو التآمر عليها إحدى المثيرات الأساسية للخوف، ففي عام 778هـ/1376م انقلب الأمراء على السلطان الأشرف شعبان (764-778هـ/1363-1376م) وأرادوا قتله فهرب واختفى، فنودي في القاهرة ومصر على السلطان، وتوعد من أخفاه، فاضطرب الناس وباتوا على تخوف وقلق شديد، كما اشتد خوف السلطان الأشرف بعد علمه بذلك وقبضهم على بعض مماليكه وذبحهم، ففر بمفرده. وتمضي الرواية لتقول إنه قصد بيت امرأة المشتولي بحارة المحمودية من القاهرة وبات عندها ليلة، ولكنها خافت على نفسها فأبلغت عنه للأمراء ودلتهم على مكانه، فقبضوا على السلطان الأشرف وقتلوه خنقا.
وأثناء فتنة الأمير علي باي والسلطان الظاهر برقوق ارتجت القاهرة حسب وصف ابن حجر العسقلاني وابن تغري بردي، وأرجف الناس بقتل السلطان واشتد خوف الرعية وتشعب الذعر. وفي عام 824هـ/1421م، قبض على الأمير قجقار القردمي أمير سلاح قبل دفن الملك المؤيد شيخ، واحتاط على حواصله بإشارة من الأمير ططر، وبات بالقلعة والناس على تخوف، فأخذوا في توزيع أمتعتهم من الدور والحوانيت خوفا من الفتنة.
كانت الصراعات السياسية أيضا من أبرز مسببات الخوف في العصر المملوكي، فقد رأت باقي طبقات المجتمع أن ما يدور من صراعات بين الكبار يؤثر بدرجة كبيرة على حياتهم ومعيشتهم وأمنهم واستقرارهم. وعلى سبيل المثال، في عام 741هـ/1340م، انتكس السلطان الناصر محمد قبيل وفاته، وكان الأميران قوصون الساقي وبشتاك العمري على خوف من بعضهما، فكان كلاهما متربصا بالآخر، وبادرا ببعض الإجراءات الاحترازية من جمع للمال والرجال وتخزين للاحتياجات الأساسية من الماء والطعام والقمح والشعير خوفا من وقوع الحرب ومحاصرة القلعة.
ومما زاد المشهد تعقيدا هجوم الأوجاقية على الطواحين لأخذ الدقيق، كما نهبوا الحوانيت التي تحت القلعة وسوق صليبة جامع ابن طولون. كل هذه التعقيدات في المشهد السياسي ألقت بظلال من الخوف على السكان، وهو ما عبر عنه المقريزي قائلا: فغلق التجار وأرباب المعايش حوانيتهم خوفا من وقوع الفتنة.
ويمكن القول إن الخوف على المال من المصادرة كان أحد المسببات الكبرى للخوف في العصر المملوكي، وقد أفاضت المصادر في الحديث عن الأمر، فعلى سبيل المثال تتحدث بعض النصوص عن أن السلطان الأشرف خليل بن قلاوون قد نزل إلى تروجة للصيد والقنص، وتوجه الوزير ابن السلعوس إلى الإسكندرية واصطحب معه حملين مقارع بسبب مصادرة كبار أهلها، وكان المتولي حينذاك الأمير حسام الدين بن داخل، فعنفه الوزير وهدده بالضرب فخاف أهل الإسكندرية منه خوفا شديدا، كما ارتعبوا بسبب إتيانه لهم بالمقارع لأخذ أموالهم عنوة، فبات الناس في كرب شديد .
وفي عام 839هـ/1435م، رسم السلطان الأشرف برسباي باستدعاء قضاة القضاء ومشايخ الإسلام إلى قلعة الجبل لأخذ فتوى بأخذ أموال الأوقاف والأغنياء والناس للنفقة على العساكر المتوجهين لمحاربة شاه رخ، الأمر الذي نشر حالة من الخوف بين عناصر المجتمع على أموالهم التي قد يفقدونها نتيجة لفتوى مثل هذه، وكثر القيل والقال في ذلك فداخل الناس خوف شديد وانزعاج وقلق واضطراب.
لم تقتصر ظاهرة الخوف على العوام والمهمشين فقط، فقد أشارت النصوص إلى أن دائرة السلطة في العصر المملوكي لم تكن بأقل خوفا من العوام.
ففي عام 651هـ/1253م عظم أمر الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار ورشح للسلطنة وتزوج أميرة من البيت الأيوبي، فصار الملك المعز أيبك في تخوف شديد منه، وعمل على التخلص من الأمير أقطاي، فدبر مؤامرة لقتله، وهو ما حدث في عام 652هـ/1254م .****
وتحدثت الكثير من المصادر عن مدى تأثير حالة الخوف لدى السلاطين نتيجة ظروف سياسية متعددة، مثل ما حدث في عام 710هـ/1310م، حيث كتب السلطان الناصر محمد بن قلاوون بالقبض على الأمراء الذين كان أطلقهم من حبس الإسكندرية وأنعم عليهم بأمريات بالشام خوفا من شرهم .
وفي حوادث عام 832هـ/1428م تكلم الأمير سودون بن عبد الرحمن مع السلطان الأشرف برسباي في أمر المماليك الجلبان، حيث ازدادت شناعتهم في النهب والقرصنة وخوفوه من عاقبة ذلك، كما خوفوه من أن ذلك يهدد ملكه. ومن المثير للدهشة رد فعل الأشرف برسباي، الذي بدا غاية في العجز، حيث رد على سودون قائلا: «عجزت عن إصلاحهم»، ثم كشف رأسه ودعا عليهم بالموت جميعا.
أما ظاهرة الخوف من السلطان في العصر المملوكي فقد أسهبت الكتب والمصادر في الحديث عنها، فبعد قتل الأمير أقطاي الجمدار عام 652هـ/1254م أمر السلطان عز الدين أيبك بالقبض على كل مماليكه البحرية ونودي في القاهرة ومصر بتهديد من أخفى أحدا منهم، فخافوا وهربوا إلى غزة، وفيهم ركن الدين بيبرس البندقداري وسيف الدين قلاوون وغيرهم.
وكذا في عام 709هـ/1309م قلق الملك المظفر بيبرس الجاشنكير من أن الملك الناصر محمد حبس الأمير علاء الدين مغلطاي، فاستدعى الأمير سلار، واتهموه بأنه قد باطن الملك الناصر، وأشاروا عليه بالقبض عليه وخوفوه منه، فبلغ ذلك الأمير سلار، فخاف من المماليك البرجية لكثرتهم وقوتهم وأخذ في مداراتهم وهادى خواص السلطان وأنعم عليهم إنعامات كثيرة طلبا للسلامة منهم. كما أنه اشتد خوفه وكثر خياله من أكثر عسكر مصر فقبض على ثلاثمئة مملوك. كما أخذ الملك الناصر في تدبير أمر رجوعه للسلطنة، فعلم السلطان المظفر بيبرس بالأمر فخاف من ذلك وزاد توهمه ونفرت منه قلوب بعض الأمراء والمماليك وخافوا على أنفسهم وانضموا إلى حزب الملك الناصر محمد.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع