تحولات جيل في «الثلاث ورقات»
ليست «الثلاث ورقات» (المحروسة، 2025) قصصا عن شخصيات منكسرة، بل عملا رمزيا عميقا يعرّي التحولات التي عاشها جيل كامل.
ربما كانت قصص الأديب والناقد رضا الطويل سيرة ذاتية لمجند في حرب أكتوبر 1973، وما يشي بالسيرة الذاتية من داخل النص الإهداء إلى شخصيات حقيقية من رفاق الكاتب الذين استشهدوا في حرب أكتوبر؛ إذ نقرأ:
«إليهم: أحمد مختار حراز.. محمد زكي الرافعي.. حسن شوقي الجميل.. محمد فؤاد شبانة.. رفاق السلاح الذين رحلوا ولم يتركوني» (ص 5).
ثمة شخصيات تذبل أمام عيني القارئ حتى تصير مجرد بقايا جسد محاصر بالذكريات. انهياره ليس جسديا فقط بل هو انهيار جيل كامل عاش على حلم الوطن، ثم استيقظ ليجد نفسه محاصرا بالخذلان والمرض والغياب.
نحن أمام عمل في جوهره ملحمة للحزن الوطني، حيث تتحول البطولة إلى ذكرى، والتضحية إلى عبء، والموت إلى معادل وحيد للشرف. إن «الثلاث ورقات» هي لعبة قدر، تكشف أن العائلة ليست سوى صورة مصغرة لوطن جريح، وأن مصير الأب والابن معا يعكس سقوط الحلم الجمعي أمام قسوة الواقع.
في هذه القصص تأمل عميق للحرب والسلام وتجربة جيل ووطن بعد مرور عقود على حرب أكتوبر بأسلوب عذب.
امتلكت القصص وفق مصطلح بول ريكور «الهوية السردية»، فهي قصص عن الحرب والرفاق والمجتمع، مما يمنحها قدرا كبيرا من الأصالة والمصداقية؛ ذلك لأن التاريخ الفعلي، الفردي أو الجمعي، لا يتحقق إلا من خلال الحكايات والمرويات التي تحتفظ بها الذاكرة الثقافية بكل أشكالها. ولئن كان السرد، والأدب عموما، يضطلع بمهمة جوهرية في التعبير عن هذه الهوية، فإن القصص القصيرة أجدر بالتأمل والبحث في الذات، فردية وجماعية، بأبعادها المختلفة: اللغوية، والفكرية، والثقافية، والتاريخية، والاجتماعية، والنفسية.
لئن ربط جورج غوسدورف سمة الذاتية بـ«كتابات الأنا» بوصفها كتابات مرجعية، فلا شيء ينفي سمة الذاتية عن التخييل. صحيح أن المتخيل، من منظور السرديات البنيوية، يعنى بالتحفيز على التفكير في حالة فعلية متخيلة، كما يقول جيرار جينيت، محاولا تعليق القص بحالة ذهنية مجردة تقصي ملامحه الذاتية وتنشغل ببنيته، وبالحكاية متشكلة خطابا، كما أن كتابات الأنا تعنى بعرض ذكرى الفرد وتحتفي بها، ما يجعلها عرضة للتزيد والتحريف لـ«إكمال صورة الذات» أو إعادة إنتاجها بطريقة ما، إن عمدا قصد تمجيد الذات أو غيره، أو من غير عمد نتيجة تغير منظور الأنا للعالم، ما يعني أن محصل هذه الكتابات ذاتي بامتياز. مع ذلك، فإن عدم انتفاء ذاتية التخييل، ومنه الرواية، هو ما دفع مجموعة من دارسي القصة، لإعادة تقصي ملامح ذاتية القول في المتخيل، مستفيدين من لسانيات التلفظ.
ينم أسلوب رضا الطويل عن اهتمام شديد بالوصف، والحس الشعوري للمواقف، والموسيقى الداخلية الكائنة في الجمل القصيرة المكثفة.
انظر إلى الموسيقى الداخلية للجمل القصيرة وأيضا الوصف التفصيلي الدقيق للبطل في قصة «وجه المحارب»، التي تبدأ كالتالي:
«سطع وجوده في فراغ الباب، عندما فتحه الساعي الجافل. كان قد أعلنني بقدومه متوجسا، توقع أن أرفض مقابلته: «أخيرا وجدتك» يصيح بسعادة، أصيح مبتهجا: «كامل»! أستدير من خلف مكتبي أتلقاه معانقا، لائذا بصدري احتضنني، مطاردا من وحوش غامضة رهيبة: «أكثر من عام وأنا لا أكف عن البحث عنك»، حين تلاقى وجهانا تذوقت ملوحة الجلد المحترق، طعم الملوحة نفسها التي لم تفارق فمي، منذ ذلك اليوم البعيد. تفحصت الوجه، اندملت الجروح خلال السنوات المضنية العديدة، التي مرت على ذلك اليوم الموغل في القدم، هالتني بشاعة الحروق. التهمت النيران الأجزاء اللينة من المنخارين، لم تسلم من جشعها غير الأرنبة الغضروفية، معلقة في الفراغ تعتلي فتحتين عاريتين تقريبا من غطاء اللحم، يملؤهما المخاط اللزج بقوامه السميك داكن اللون، نهشت النار اللحم الهش للشفتين نهشا عشوائيا، أجهزت بجبروت على النصف الأيمن من الفم، تركته فدغا مجوفا غير مستوي الحواف، يغمره دائما اللعاب ويسيل منه، يظهر خلال غوره النابان العلوي والسفلي وجانب من الأسنان الصفراء معلقة في اللثة الداكنة، ينحرف الفم بشدة بتأثير الجلد الملسوع اللامع للخد الأيمن، الخد الملسوع مشدود من الوجنة المهترئة التي تجر محيط العين جرا لأسفل، فتتسع الحدقة حول المقلة القلقة في الفراغ غير المحبوك، جاحظة تحت جفن ملتهب، متآكل يتعرج منزوع الأهداب، الجلد المحروق يرسم قوس الحاجب، تتناثر على قوس الحرق عدة شعيرات غليظة صلبة، على انخفاض الخد والوجنة ترتفع كتل اللحم المسود غير المنتظم، تجعد الصدغ، تشكل تلالا لحمية بنية اللون، تحيط بكآبة الشق الأيمن من الوجه، تنزع الشعر من فروة الرأس وتنسحب صاعدة إلى الجبهة، لتنحدر بالتدريج، تاركة باقي مسطح الجبين لطبيعته في جانبه الأيسر، الذي لم يسلم من التشويه في أجزاء منه، كما لو كان قد أصيب بالبقع البيضاء للبهاق، إلا أنه احتفظ بدلائل واضحة على وسامة قديمة، تشهد بما كان عليه الوجه من ملاحة وبهاء» (ص 7-8).
انظر أيضا لتشوه وجه الرقيب كامل ذكري سيدراك، وكيف وصفه الجميع بـ«البطل» أثناء الحرب، وكيف هجره الجميع بعد سنوات قليلة. حتى زوجته ماريانا، وعندما يزورها صديقه يقول لها:
«- زارني كامل أمس.
ظلت عيناها اللتان تتفحصانني باسمتين: العاهة غيرته، أنت كما رأيتك يومها لم تتأثر بالسنين.
-قلت: تقصدين الإصابة؟
تلونت عيناها بالحيرة، تستفهم عما أقصد، كررت كأن الحديث عنه لا يعنيها: العاهة! هل أنا حقا جميلة كما تقول؟
-أجمل بكثير، كامل بطل.
عبست لإصراري، بفتور يزهد الحديث قالت مضطرة: كامل معوق» (ص 18).
الصدمة الأخرى كانت في قولها للزائر: «كما ترى الدنيا تغيرت، تغيرت، تغيرت كثيرا، ازددت وسامة، رأيت صورتك في الجورنال، أنت وكيل وزارة؟» (ص 19-20).
وقبل أن ينصرف يحكي: «رنوت بإجلال إلى العذراء الحزينة التي تزين الحائط، شعرت أنها وحيدة، غريبة بحزنها عن المكان» (ص 20).
في قصة «حرب الزناتي»، يبلغ أحد الجنود للضابط بنبأ استشهاد صديقه الأثير الزناتي عبد الحليم، بطريقة من وحي القرآن الكريم «استشهد بعد يومين، وقعت الواقعة، انفطرت السماء، انتثرت الكواكب، فجرت البحار وسجرت، كورت الشمس، انكدرت النجوم وبعثرت، سيرت الجبال..» (ص 41).
المفارقة أنه التقى الزناتي لاحقا، ليدور بينهما الحوار التالي:
«-صعقني خبر استشهادك. فجعت بنبأ استشهادك عندما تواترت الأخبار بما حدث. قلت
-خبر استشهادي! تخلى الحظ عني، فلم أشترك في معركة، أعادوني للقاعدة قبل عبوري» (ص 44).
وفي قصة «شجون وآلام الملك سليمان»، يقول الحانوتي «أنا أتعامل مع الموت القح، أنا لا أقتل، أنا أتعامل مع الأشلاء، أعلم عقل الأصابع، ألتقط مقل العيون، أفتش عن الأسنان المتناثرة».
ويضيف: «-لا.. أنا لا أحارب، ليس لي أعداء، أنت لا تفهمني، أنا أدفن الموتى، كل الموتى بلا تفرقة.
-حتى موتى الأعداء؟
حتى موتى الأعداء، وبنفس التفاني، الموتى ليس لهم وطن، والجثة لا تحمل جنسية، أنت لا تستطيع أن تكره جثة، أنت لن تستطيع إلا أن تشفق على نفسك من الجنس الذي ينتمي إليه جميع الأموات.. الإنسان» (ص 74).
انظر إلى الأب الذي يذهب اثنان من أولاده إلى الحرب في قصة «الأب»، فيودعهما قائلا: «بالنصر وحده تنالان رضائي وتكونان ابناي» (ص 32)، وبعد أن ينصرفا يجهش بالبكاء في حجرته، وإلى الأب الذي يحتضر في نهاية الكتاب بعد استشهاد ولدين من أولاده الثلاثة في الحرب، وزواج الثالث من أرملة أخيه الأكبر.
في قصة «الثلاث ورقات»، تدور مواجهة إنسانية لها إسقاطاتها ورمزيتها بين الأب وابنه، حيث نقرأ:
«يا صديقي وولدي، راهنت على الورقة الرابحة، ولكنك خسرت، قواعد اللعبة تغيرت يا حبيبي، الأوراق الخاسرة هي التي تفوز، ماذا جرى في الدنيا؟ انقلبت الأرض رأسا على عقب، عمت الفوضى، وتبدلت القيم، من الذي ربح؟! ومن الذي خسر؟! ألهذا حاربت يا صفي؟! كم كنت قاسيا وأنت تحاورني، كانت متعتنا الحوار» (ص 149-150).
نتابع في هذه المواجهة التي تشبه محاكمة جيلين:
«أخرسني المنطق وقتها يا صفي، فلم أجد ما أدافع به عن نفسي، وعن جيلي. الآن أجد ما أجيبك به، وما جدوى ما فعلتموه أنتم يا صفي؟! نعم، لم تعيشوا الحياة كما عشناها، لم تتمتعوا بالطيبات كما تمتعنا، أنكرتم ذواتكم التي لم نستطع التنكر لها، كل ذلك لا ننكره، حقا قاتلتم، وقتلتم، وكتبتم بدمائكم أسطورة من أساطير البطولة، حقا فعلتم يا صفي ما لم نفعله، ما أعظم تضحياتكم، وما أجلها، ولكن يا ولدي ما نتيجة هذا الكفاح المر، هل ترى ما تردينا إليه؟ ألهذا ضحيتم بأنفسكم، أحلامكم لم تتحقق، الآمال الكبيرة التي كافحتم من أجلها وقتلتم في سبيلها عصفت بها الرياح، وكأنها لم تراودكم في يوم، خسرتم اللعبة بعد الفوز بها، نحن متساوون في نهاية الأمر يا صفي، كلانا خسر الرهان... ها نحن نبيع مجدنا القديم بلا ثمن» (ص 150-151).
قصص «الثلاث ورقات» خليط ممتع ومؤثر من أدب الحرب والسيرة الذاتية.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع