من «رأسمالية المراقبة» إلى «العنف بالتراضي»!
العنف البنيوي ليس عنفًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هو أسلوبٌ للهيمنة. فهو يُتيح هيمنةً خفيةً، وهي أكثر فعاليةً بكثير من الهيمنة العنيفة.
ويبدو كتاب «طوبولوجيا العنف» (دار معنى، الرياض، 2021) للفيلسوف بيونغ-شول هان مدخلًا ممتازًا لفهم العنف والعدالة، خاصةً لمن لا يملكون معرفةً واسعةً بهذا الموضوع. إنه كتابٌ يساعد القارئ كثيرًا على فهم لماذا لا يكون كل عنفٍ واضحًا، وكيف أننا جميعًا ضحايا وجناة في آنٍ واحد، مما يدفعنا إلى التأمل في أفعالنا وتأثيرها على الآخرين.
يُقدِّم «طوبولوجيا العنف» تشخيصًا دقيقًا للتفكك الذي نشهده كمجتمع، والتحولات التي طرأت على العنف، والذي يتحوّل أحيانًا إلى عنصر مرتبط بالذات اللامحدودة يقودنا إلى استغلال الذات. ومع ذلك، لا يُقدِّم الكتاب أي إجابات أو حلول ممكنة لما يشخصه، ويرفض دون تردد النظريات المرتبطة بالصراع الطبقي أو الحروب التوسعية.
يشرح الكاتب رؤيته للعنف بالمعنى الحديث الذي يتخذ أشكالًا متنوعة وخفية، على عكس المتعارف عليه في الأزمنة القديمة من تعذيب وبطش. وهو يُحلل المجتمع من منظور العنف، مُسهبًا في شرح عنف السلبية وعنف الإيجابية. في المجتمع المعاصر، يرى الكاتب أن الفرد المؤدي (أنت، أنا، أو أي فرد آخر) أكثر عرضةً لعنف الإيجابية؛ إذ يعتقد هذا الفرد أنه يعيش في حرية. لكن الكاتب يُوضح أن هذه الحرية زائفة، لأنه حتى بدون عنف خارجي يكبته، يُولّد هذا الفرد نفسه عنفًا داخليًا من خلال مطالبته لنفسه بالكثير، وسعيه الدؤوب لأن يكون الأفضل في كل شيء. وتكون عملية العنف الداخلي أشد وطأةً لدى هؤلاء الأفراد، مما يُؤدي إلى الإرهاق والاكتئاب والقلق وأمراض عصبية أخرى.
والكتاب جوهرة أخرى موجزة من نظرية ميشيل فوكو المحدثة، تُقدِّم حجةً مقنعةً تُبيِّن لماذا كانت رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد شجاع» أشد رعبًا من رواية جورج أورويل «1984».
ولعله من المهم القول إن أفكار هذا الكتاب لا تُعالج الأرق؛ إذ تدعو إلى مزيد من التفكير المتعمق.
يعالج الكتاب -الذي ترجمه بدر الدين مصطفى- موضوع العنف ويربطه بطبيعة المجتمع المعاصر كاشفًا عن مستوياته المختلفة. ويستكشف المؤلف مفهوم «العنف» بأشكاله المتعددة، وتطوره، من الحروب القديمة إلى أشكال العنف الحديثة، مثل ذلك الناتج عن «رأسمالية المراقبة»، والذي يُعد نوعًا من «العنف بالتراضي».
يفترض الكتاب تحولًا طوبولوجيًا في طبيعة العنف حسب العصور المختلفة، فقد تحوّل العنف من الصيغة المباشرة له إلى الصيغة الخفية الكامنة له في قلب النظام العالمي الجديد، الذي يوهم أفراده بالحرية وفي الوقت ذاته يُخضعهم لأقصى درجات العنف وأقساه، وهو العنف الذي تمارسه الذات على نفسها.
نقرأ في المقدمة:
«ثمة أشياء لن تختفي من الوجود؛ العنف هو واحد منها. وإذا كان من الشائع القول بأن الحداثة اتخذت موقفًا عدائيًا من العنف، فذلك ادعاء غير صحيح، حيث كل نظام اجتماعي يستدعي شكلًا خارجيًا للعنف يتناسب معه. غير أنه في عالم اليوم يتحوّل العنف من المستوى المرئي إلى اللامرئي، من الواجهة إلى الانتشار الفيروسي الواسع، من القوة الغاشمة إلى القوة الوسيطة، من الحقيقي إلى الافتراضي، من البدني إلى النفسي، من السلبي إلى الإيجابي، والانسحاب إلى ما تحت الجلد؛ ما يختفي تحت السطح وداخل المساحات الشعرية الدقيقة والعصبية، مع خلق انطباع خاطئ بأنه غير موجود. يصبح العنف لامرئيًّا تمامًا في الوقت الذي يتحد فيه مع نقيضه؛ الحرية. والآن، يُفسح عنف السلطة الطريق أمام عنف نظامي عصي على التحديد يتخفّى لأنه أصبح جزءًا من المجتمع» (ص 9).
الممتاز في هذا الكتاب أن الفيلسوف لم يُدلِ برأيه مباشرة، بل كان يطرحه على شكل تعليقات على آراء مفكرين آخرين ويضع النقاط التي غفلوا عنها أو تجاهلوها.
يستكشف بيونغ-شول هان العلاقة بين المجتمع والعنف، بدءًا من وظائفه الأولى كإنفاذ القانون، واستعراض القوة، والسيطرة على المحكومين. وتُعد أعمال الباحث السابقة مرجعًا أساسيًا؛ إذ يربط فيها موضوع العنف بمفهومه عن مجتمع الإنجاز، حيث يتحوّل العنف من مصدر خارجي إلى نتاج ذاتي وممارسة ذاتية. ويتضمن الكتاب الكثير من الانتقادات القيمة لأفكار فلاسفة آخرين حول طبيعة العنف وعلاقته بالمجتمع.
تتناول أطروحة بيونغ-شول هان العنف في القرن الحادي والعشرين، حيث طغت الإيجابية (حرية التواصل، وانعدام الجدران والحدود والقيود) على السلبية (الحدود والقيود وكل ما يعيق وتيرة الإنتاج). نحن الآن مجبرون على التحرر، وهذا الإكراه أزمة عالمية تُضعف هويتنا.
الآن، بات العنف الأكثر انتشارًا داخليًا لا خارجيًا. ولأن العالم قد تحوّل من مجتمع تأديبي (كما عرّفه فوكو) إلى مجتمع إنجازي (كما عرّفه هان)، فإن الكثير من الفلاسفة الذين انبثقت أفكارهم من رحم المجتمع التأديبي أصبحوا متقادمين، وفقًا للفيلسوف الكوري الجنوبي المقيم في ألمانيا. ويشرع المؤلف في دحض بعض أفكار فرويد وبورديو وأغامبين وكارل شميت وغيرهم، وذلك أساسًا لأن أفكارهم تفترض استمرار «السلبية» في مجتمعنا، والتي، بحسب مؤلف الكتاب، تتلاشى.
الفصل الثاني، الذي يُفصّل فيه بيونغ-شول هان تطور العنف، آسرٌ للغاية. في العالم القديم، كان العنف بمنزلة رأسمال؛ فكلما زاد، تحسن البقاء. يبدو أننا جميعًا نحمل في داخلنا نزعةً لممارسة العنف، وهو ما لا نستطيع فعله بالطبع في عالمنا الحديث، فيتحول إلى دواخلنا. ومن هنا تكثر أزمات الصحة النفسية.
يرى الباحث أن العنف متغيرٌ باستمرار: لم يعد العنف الخارجي هو ما يُرهقنا، ولم يعد العنف الداخلي هو ما يُؤرقنا.
يُخفف العنف الخارجي من وطأة النفس لأنه يُخرج المعاناة إلى العلن. في العصر الحديث، يتخذ العنف شكلًا نفسيًا، مؤسسًا، مستبطنًا. لا تُفرّغ الطاقات التدميرية بشكل مباشر وعاطفي، بل تُعالج نفسيًا.
ويضيف أنه في العالم القديم، كان العنف أسلوبًا ضروريًا للبقاء. بل كان طاقة تدميرية مستقلة كأساس للحرب، لا علاقة لها بالتجارة والتبادل.
في تقدير الفيلسوف الكوري الجنوبي فإن الاقتصاد الرأسمالي يُعلي من شأن البقاء، ولا يُعنى بالحياة الكريمة.
ويذهب إلى القول بأن في مواجهة تفكك المجتمع وتآكل الروابط الاجتماعية، لا يتبقى سوى كيان الذات، الذي يجب الحفاظ عليه سليمًا مهما كلف الأمر.
وربما يستوقفنا في الكتاب عبارة يقول فيها: لا يتميز الاكتئاب بـ«تراجع الصراع كنقطة مرجعية»، بل بانعدام المرجع إلى كيان موضوعي حاسم، من شأنه أن يُنتج أشكالًا من الحسم ويُحقق الرضا.
في صفحات كتابه الصغير حجمًا (144 صفحة من القطع الصغير)، نقرأ:
«من الممكن دائمًا مواجهة العنف برفضٍ جريء. الرفض المطلق ينفي علاقة القوة، أي الخضوع. لا يستقر القانون إلا بموافقةٍ ضمنية».
ويضيف:
«يُولِّد العنف الانفجاري ضغطًا خارجيًا. وبسبب غياب أي مخرج خارجي، يندفع العنف الانفجاري إلى الداخل. في الداخل، يُولّد توترات ودوافع مدمرة تُؤدي إلى انهيار النظام بأكمله. كما تُشير الكوارث المناخية والبيئية إلى ارتفاع درجة حرارة النظام. يُعد الإرهاق الناتج عن السعي وراء الإنجازات مؤشرًا مرضيًا على الانهيار الوشيك للنظام».
الشاهد أنه إذا لم يختفِ العنف، وإنما اختفت حدوده فقط، فإننا نتعامل مع عنف موجه داخليًا. عندما يقع العنف في اللامكان، لا يوجد ما يُمكن احتواؤه أو تقييده. يبدو أن نتائج العنف الموجه داخليًا لا دافع لها، لأن المجتمع اللامحدود هو الدافع.
وهذه هي الفقرة الختامية من الكتاب:
«عبر منطقه الداخلي، يتطور مجتمع الإنجاز إلى مجتمع للمنشطات. الحياة المختزلة إلى وظائفها الحيوية الأساسية هي حياة يجب الحفاظ عليها سليمة بأي ثمن. حيث الحياة وقد اختزلت في وظائفها الحيوية العارية؛ وهي الحياة التي يتعين الحفاظ بها بصحةٍ جيدة مهما تكلف الأمر. الصحة هي إلهة العصر الجديد. وهو ما يجعل الحياة المجردة مقدسة. يتميز أفراد مجتمع الإنجاز بصفة أخرى تميزهم عن أفراد مجتمع السيادة: من المستحيل قتلهم. حياتهم أشبه بحياة الموتى الأحياء. هم أحياء جدًا على الموت وأموات جدًا على الحياة» (ص 144).
في الختام، قد يكون كثير من الناس اليوم عاجزين عن التفكير في العالم المادي؛ لأنهم لا يرون أنفسهم كائنات مادية محدودة. لا شيء يهمهم سوى أنفسهم، لأنهم لا وجود لهم في العالم المادي. لديهم فكرة عن أنفسهم ككائنات غير محدودة وخالدة، لا علاقة لها بالواقع المحيط بهم. يكرهون دعاة حماية البيئة، على سبيل المثال، لأنهم يُذكِّرونهم بحدود قدراتهم. ألا يبدو هذا مألوفًا؟ إنه أمرٌ مألوفٌ بشكلٍ غريب؛ لأن الواقع المحدود الذي نعيشه يُثير الرعب حقًا لدى من يرغبون في تجنب الموت. إنه يُزعزع إحساسهم بذواتهم كأشخاصٍ خالدين لا يحدّهم زمن.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع