«فلسفة الجنون».. في عيون المرضى!
كتابان يحملان العنوان نفسه، وهو فلسفة الجنون.
الأول «فلسفة الجنون» (دار الرواق، 2025) كتابٌ نادر كُتب من داخل جدران المصحّ، لا من مقعد الفيلسوف.
صاحبه مريضٌ سابق في مصحّة جلاسكو الملكية في القرن التاسع عشر، قرّر أن يروي من تجربته ما لا يستطيع الأطباء قوله: كيف يفكّر العقل حين يختلّ، وكيف يبدو العالم حين تنكسر حدوده بين الواقع والوهم.
ليس في صفحات الكتاب الذي ترجمته ماريا ألفي دروسٌ طبية ولا نظريات جاهزة، بل أصوات تتناوب داخل ذهنٍ واحد، يبحث عن معنى لما لا يُفسَّر. هي كتابة تمشي على الحدّ الفاصل بين الفكر والهوس: شهادة نادرة عن الإنسان حين يكتب وهو في قلب الإعصار.
الكتاب الذي يقع في 217 صفحة، نُشِر عام 1860، وربما لم يذكر المؤلف اسمه خوفاً من وصمة العار التي لاحقت المصابين بالأمراض النفسية بشكل كبير حينذاك، وما زالت - للأسف - لكن على نطاق أصغر في الوقت الحالي، أو حتى يتمتع بحرية التعبير عن آرائه دون أن يُلام.
يتضح من النص أن الكاتب واسع الاطلاع والمعرفة. ظهر ذلك في اقتباساته الكثيرة من نصوص مسرحية وشعرية، وذكره لبعض الشخصيات السياسية واستشهاده بمواقفها أو مقولاتها.
ولعل الهدف من تأليف الكتاب ثم ترجمته هو الاقتراب من معرفة ما الذي يدور في عقل المريض النفسي، وممَّ يعاني وما رأيه في الكثير مما يحدث حوله؛ فقد يساعدنا ذلك في توفير رعاية أفضل له، ومعاملته بطريقة مناسبة.
حتى إن لم يتفق القارئ مع الكثير من الآراء والمقترحات المقدَّمة من الكاتب، يظل ما كتبه ذا أهمية لفهم كيف فكّر وعانى وما الذي تعرّض له، وما الفرق بين معاناة المريض النفسي عبر العصور، والتحديات التي تواجهه وتواجه المؤسسات والأشخاص المعنيين برعايته.
إلا أن علينا أن نتذكر جيداً أن الكاتب ليس طبيباً أو مُقدِّم خدمة صحية أو خبيراً نفسياً، وأنه ليس من الصواب أن ننساق وراء رأي أو نصيحة طبية مذكورة في الكتاب. كما أن المصطلحات القديمة التي تخص المرض النفسي، تغيّرت بمرور الزمن مع فهم طبيعة المرض وتطور نظرة المجتمع، فعلى سبيل المثال، نحن الآن لا نطلق على المريض النفسي لفظ «مجنون» الموجود بكثرة في الكتاب، وقد تزعج الكلمة البعض.
الطريف أن المؤلف لا يتوقع أن يحظى الكتاب بالشعبية أبداً (ص 9)، ولكنه يتمنى أن يقرأه كل قريب وكل مُقدِّم خدمة لمريض نفسي، خصوصاً أنه يقول عن نفسه: «تواصلتُ مع الجنون سبعة عشر عاماً، وأُعجبتُ بشدة طويلاً بفكرة أن جعل هذا المرض أكثر ألفةً، وبالطبع أقل إثارةً لاشمئزاز الوعي الجماعي، تعطي فرصةً أعظم لفحصه والسيطرة عليه في المرحلة الأولى؛ يخفيه الناس حتى يقوى، وأحياناً يكتب الإشعار الأول بدم الضحية» (ص 19).
في تقدير هذا المؤلف أن العقل المجنون يتسم باضطراب حركته، والتضاد بين طبيعة الأقوال والأفعال مع الدوافع التي تنتجها، وتصبح نتائج النصيحة أو اللطف، مهما كانت حكيمة أو صادقة أو حسنة النية، على النقيض تماماً مما يحدث مع العقل السليم؛ لذا فإن الطريقة الأكثر أماناً هي الاهتمام بالاحتياجات الجسدية وترك العلاج الأخلاقي جانباً. ويضيف: «إن كافحتَ ضلالاتِ المريض العقلي فأنت تؤكدها له، تجاوزها، ولا تستمع لهذيانه. قد تموت الضلالات من تلقاء نفسها، لكن كلاكما لا تستطيعان قتلها. اتركه في يدي ذلك الطبيب العظيم: الوقت» (ص 17).
يرى المؤلف أنه «في المرحلة الأولى من الهوس، حينما تتمتع الإرادة بالحياة والطاقة، إذا لم يقاوم المريض الخيالات الجامحة التي تجتاح مخه بسرعة وقوة الكهرباء، بل ضم المدمِّر إلى قلبه، إن شعر بالاضطرار لفعل ذلك، فإن حالته ميؤوس منها حقاً» (ص 27).
ويضيف «أميل إلى الشك في أن نوبات الصرع والجنون المتكررة التي لا يمكن السيطرة عليها، قد يمكن تتبعهما إلى مصدر واحد، ويبدو أن ذلك المصدر أو السبب هو تراكم الطاقة العصبية داخل الدماغ وتركيزها» (ص 156-157).
وربما يجادل البعض في صحة رأي المؤلف حين يقرر أن «المجنونات أقلّ قابلية للضبط والسيطرة من الذكور، أشدّ إزعاجاً، وأعلى ضجيجاً، وأفحش لساناً في مخاطبة من يتولّون رعايتهنّ، وأسرع إلى استعمال الأسنان واللسان واليدين من الرجال الذين تلقّوا القدر نفسه من التعليم، واختلطوا في دائرة المجتمع معهن» (ص 158).
يحكي الكاتب عن دور زوجته، فيقول:
«خلال فترة إقامتي في المصحة، زارتني زوجتي في يوم معين كل أسبوع؛ بخلاف فترة عزلي، حين أخبروها أن شدة مرضي تمنعها من رؤيتي، لم يمر أسبوع دون أن تراني. اضطرت إلى السفر من بلدة روثرجلين في وقت ما، على بُعد سبعة أميال من المصحة. لم تتوفر وسائل مواصلات في هذه الأماكن في تلك الفترة؛ وحتى في أشد الأيام عاصفة، ظلت حاضرة، وفية لموعدها مثل الشمس. أدين لذلك، ولها بحمايتي من الانتحار أو الخبل. أعطتني هذه الزيارات شيئاً أفكر فيه، فقد مثلت، مثل زوجتي، بقعة صلبة وسط محيط مضطرب، حيث تستطيع الروح أن تستريح بين وقتٍ وآخر» (ص 39).
ويذهب المؤلف إلى أن «أمراض المعدة مصدرٌ خصب للجنون» (ص 76)، وأن «أحد العوائق التي تعترض راحة ونقاهة المرضى المنتمين إلى الفئات الدنيا في مصحات الأمراض العقلية، هو المظهر الخاوي والمقفر في القاعات الطويلة التي يُحتجزون بها خلال اليوم، والمنظر غير المنزلي للأجنحة الكبيرة التي ينامون فيها ليلاً» (ص 89).
في اعتقاده، فإنه «يحتاج المناوب المرافق لحالات الجنون إلى مؤهلات نادراً ما تتوفر في شخص واحد، ومن المؤسف بالتأكيد أن يتوفر رجال أو نساء موهوبون بهذه الدرجة مقابل أجر لا يزيد كثيراً عن أجر الخدم والخادمات في المزارع. وطالما يتقاضى هؤلاء الرجال أجراً أقل من العاملين بالأجر اليومي، وربما يُطلب منهم في أحيان كثيرة العمل على هذا النحو، فلا شيء سوى الضرورة يدفع الناس المؤهلين للمهمة الشاقة إلى قبولها، ولا شيء أقل من الضرورة يجبرهم على الاحتفاظ بالعمل» (ص 98).
في الفصل الثامن، وتحت عنوان «العمل والتسلية باعتبارهما وسائل علاجية»، يؤكد المؤلف أن «شغل الأصابع بعملٍ بسيط ومفيد، في الحقل أو الحديقة، تحت إشراف شخص حكيم ومتعاطف، من شأنه أن ينظم العمل طبقاً لقوة المريض السابقة وعاداته؛ أما إذا وُضع تحت إشراف شخص قاسٍ عديم الشعور، يمنحه عملاً فوق قدرته أو يسمح له بالإفراط في العمل، كما تفعل بعض الحالات العصبية وسريعة الانفعال، فستكون النتيجة عكس المرغوب» (ص 137). ويضيف أن «للموسيقى تأثيراً في الجنون أقرب إلى السحر منذ القِدم، كما يشهد التاريخ الديني والدنيوي في الأزمان الغابرة، وكل من شاهد تعبيرات وجوه نزلاء المصحة خلال هذه العروض الصوتية والموسيقية، لا بد من ملاحظته أن الزمن لم يسرق من الروح الخيّرة التي تتحكّم بالألحان العذبة شيئاً من سحرها الآسر وقدرتها على التأثير في النفوس» (ص 141).
من جهة ثانية، يعد «فلسفة الجنون: تجربة التفكير الذهاني» (دار ملهمون، الإمارات، 2022) كتاباً ثورياً يتناول مسألة تحيط بها الكثير من التساؤلات والوصمات والأحكام المسبقة في العالم العربي عامة. مؤلِّفه هو ووتر كوستر، كاتب ومؤلف هولندي، خاض نوبات ذهانية كثيرة كان أشدها عندما شُخِّص بالذهان عام 1987 وعام 2007، وهو في الأصل عالم لغويات وفيلسوف.
ولعل ترجمة غلاء سمير أنس وتحرير منير عليمي لهذا الكتاب تفتح «علبة من الدود»، حيث تنفتح أمامنا شتى الأبواب في شتى المجالات والعلوم والأديان، ولهذا فهو كتاب المتعلم والمتدين والمتصوف والذهاني والمثقف وكل من يجد في نفسه تساؤلات حول التجربة الفلسفية وعلاقتها بالتجربة الذهانية.
في كتابه فلسفة الجنون، الذي يقع في 800 صفحة، يوضح الكاتب طبيعة التجربة الذهانية التي يخوضها المرء، ويقف على العناصر الكثيرة المشتركة بينها وبين التفلسف والتصوف، لذلك فإنه يقتبس من الذهانيين ومن المتصوفين والفلاسفة، ويتناول تجاربهم المتشابهة والملامح التي يختبرونها فيها. غير أنه يريد الإثبات أن التجربة الذهانية تعني القدرة على الوصول إلى ما يسعى الفيلسوف والمتصوف للوصول إليه، أي سر الوجود، المبدأ الأصل، جوهر الحياة، أو أياً كانت تسميته، الفارق الوحيد هو أن الذهاني يعيش ما يسعى إليه المتصوف والفيلسوف، ويقصد بذلك التجربة الذهانية التي تمكّن المرء من إدراك ذلك المبدأ الأصل، وليست التي تهبط به في أمراض جنون العظمة، والهلوسات، والتيه الوجودي والارتياب. وبعبارة أخرى، فإن الكاتب يريد إرشاد هذه الفئات الثلاث في المسارات التي يتبعونها من أجل الوقوف على المبدأ الأول والأصل للوجود.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع