زلزال الأيديولوجيا يُطيح بعرش البراغماتية.. ترامب "تاجر الصفقات" يُحقق صفراً كبيراً
في عالم تحكمه لغة الأرقام، وتُدِيرُه صفقات "المكسب والخسارة"، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الممثل الأبرز للبراغماتية النفعية في العصر الحديث – مذهولاً أمام مشهد لم تتوقعه حسابات "فن الصفقة".
خلال حرب الأربعين يوماً الأخيرة، لم تكن المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وبين طهران من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري على نفوذ إقليمي، بل كانت اختباراً كونياً لمدى صمود "المنطق البراغماتي" حين يجد نفسه محاصراً بين فكي أيديولوجيتين راديكاليتين: "صهيونية دينية" متمثلة في إسرائيل التي تبحث عن أرض الميعاد، و"ولاية فقيه" متمثلة في إيران التي تنتظر النصر الإلهي وطغيان المذهب الشيعي.
البراغماتي في "وادي العقائد"
دخل ترامب المعركة بعقليته المعهودة؛ يريد "تصفير المشاكل" عبر الضغط الأقصى لتحقيق مكاسب سريعة.
بالنسبة له، كل شيء له ثمن، وكل خصم له نقطة انكسار مادية، لكنه وجد نفسه في حالة صدام "وجودي" لا "سياسي".
سقط ترامب "بين المطرقة والسندان"؛ فبينما يستمد هو شرعيته من صناديق الاقتراع وقوة الاقتصاد، وجد نفسه أمام حليف وخصم يستمدان شرعيتهما من "السماء".
إن المأزق الذي واجهه ترامب يكمن في وجود تشابه مخيف في "البنية الفكرية" لقطبي الصراع رغم عدائهما الدامي؛ فبينما تستند إيران إلى "ولاية الفقيه ونصوص القرآن" كمرجع نهائي، تقابلها إسرائيل بمرجعية "الصهيونية ونصوص التوراة والتلمود". وبينما تطارد إيران حلم "النفوذ الإقليمي وتصدير الثورة، والانتصار للمذهب الشيعي"، تقابلها إسرائيل بحلم "الاستيطان وأرض الميعاد".
حتى في تعريف "العدو"، كانت البراغماتية الأمريكية غريبة بينهما؛ فإيران ترى الصراع معركة ضد "معسكر الاستكبار العالمي"، بينما ترى الأيديولوجيا الصهيونية في الآخرين مجرد "أغيار" أو أعداء وجوديين للأمة اليهودية.
أمام هذا الصدام بين "نائب الإمام" في طهران و"الحق التاريخي والديني" في تل أبيب، وقف "تاجر الصفقات" عاجزاً، فحليفه يقيس النصر بميزان "الحق الإلهي"، وعدوه يقيس الصمود بميزان "العقيدة والمذهب".
تهديد الـ 4 ساعات وصدمة "الأجساد البشرية"
جاءت لحظة الحقيقة عندما هدد ترامب بتدمير "الحضارة الإيرانية" في غضون 4 ساعات إذا لم تخضع طهران لشروطه البراغماتية.
كان التهديد يحمل في طياته منطق القوة المادية الصرفة التي تؤمن بأن الدمار الشامل هو نهاية المطاف.
لكن الرد الإيراني جاء بـ "لغة" لا يفهمها منطق الصفقات؛ مشهد آلاف الإيرانيين وهم يصطفون بأجسادهم فوق الجسور والكباري، معلنين استعدادهم للفناء مقابل عدم الانكسار الأيديولوجي. هذا المشهد أحدث زلزالاً في قلب "الرجل البراغماتي الأول"؛ فكيف تتفاوض مع شخص لا يرى لحياته قيمة أمام فكرته؟ وكيف تكسر إرادة شعب يرى في "الخسارة المادية" نصراً معنوياً؟
حين تهزم "العقيدة" لغة "الأرقام"
لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن البراغماتية، رغم قوتها وسيطرتها على مقادير الكوكب، تظل عاجزة أمام "الأيديولوجيا" في أبهى صورها وتطرفها، فالنفعية تبحث دائماً عن مخرج، تبحث عن حل وسط، عن صفقة تضمن البقاء، أما الأيديولوجيا فلا تعرف "نصف حل".
إن ما حدث في هذه الحرب لم يكن انتصاراً للسلاح الإيراني على الترسانة الأمريكية، بل كان انتصاراً لـ "الفكرة" على "المصلحة". لقد نجحت إيران الأيديولوجية في إثبات أن العقيدة والمذهب هما الدرع الوحيد الذي لا تستطيع "أدوات الضغط" البراغماتية اختراقه.
عودة التاجر بخفي حنين
خرج الرئيس الأمريكي من هذه الجولة مدركاً – ربما لأول مرة – أن العالم ليس "مولاً تجارياً" كبيراً يمكن شراء كل من فيه.
لقد وقف حائراً أمام حليفه الذي يريد "حرباً دينية" لا تنتهي، وخصمه الذي يرحب بـ "الموت" في سبيل مبادئه.
إنها المفارقة الكبرى؛ البراغماتية التي تقهر الجيوش، انكسرت أمام "الروح" التي تحركها العقيدة.
لقد انتصرت إيران بالفكر والمذهب، تاركةً لترامب دروساً قاسية في أن "المصلحة" قد تبني إمبراطوريات، لكن "العقيدة" وحدها هي التي تمنحها القدرة على الصمود في وجه الفناء.
سؤال المستقبل والدرس القاسي
يبقى السؤال المعلق فوق أنقاض حرب الأربعين يوماً ورماد التهديدات التي لم تتحقق: هل استوعب ترامب "البراغماتي" و"تاجر الصفقات" هذا الدرس القاسي؟ وهل سيجبره هذا الاختبار على إعادة تعريف الأشياء وقياسها بالقياس السليم، أم أنه سيعود لممارسة "فن الصفقة" بذات الأدوات القديمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح السياسة الخارجية الأمريكية القادمة؛ فهل ستغير واشنطن حساباتها وتلقي بظلال هذا الدرس على قراراتها المستقبلية؟ والأهم من ذلك، هل سيجبر هذا الإخفاق "البراغماتي" أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات على مراجعة مناهجها وإجراء دراسات عميقة تفهم "طبيعة الشعوب" وسيكولوجيتها ومرجعياتها الفكرية، بدلاً من الركون إلى جمع معلومات "جوفاء" لا تؤدي إلا لاستنتاجات مضللة لا تعبر عن حقيقة الواقع؟
إن صدمة الصمود العقائدي تضع العالم أمام حقيقة جديدة يجب أن يعترف بها ميزان القوى؛ وهي أن الأفكار لا تُباع، وأن الأيديولوجيات لا تكسرها لغة الأرقام. لقد كشفت الأربعون يوماً أن العالم الذي يواجهه ترامب اليوم لم يعد مجرد "سوقٍ" للعرض والطلب، بل هو ساحة لصراع إرادات تعتقد أن الموت في سبيل المبدأ هو المكسب الأكبر، وأن البقاء بلا كرامة هو الخسارة التي لا تعوض. فمن لا يقرأ "روح الشعوب"، سيظل دائماً غريباً في ساحة المعركة، مهما امتلك من صفقات، ومهما كدّس من أسلحة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع