التاريخ الطبيعي للصمت
ثمة بضعة كتب مترجمة تتناول تاريخ الصمت، لعل أبرزها كتاب جيروم سيور «التاريخ الطبيعي للصمت» (منشورات حياة، 2025)، الذي ترجمه إلى العربية سعيد بوكرامي. في الكتاب الذي يقع في نحو 318 صفحة، يقول المؤلف إن الصمت يوجد في كل مكان خارج الإنسان، لكنه يوجد في داخلنا أيضًا، يدخل مدمدما من خلال آذاننا ولا يخرج، يعبر أجسادنا دون أي ضرر، يصل إلى أعضائنا، ويلمس صلبنا ونسلنا القادم. تعد أجسادنا نفسها مصادر صوتية، فهي تنبض باستمرار بخفقات القلب، وصرير الأسنان في نومنا، وطقطقة مفاصلنا، وقرقرة المعدة عندما ينهكنا الجوع (ص 19).
إن الصوت عنصر أساسي في حياتنا سواء داخل الرحم أو خارجه، كما يعمل على بقائنا على قيد الحياة. ويبرز الصوت من خلال الكلام قاعدة أساسية لعلاقاتنا الأسرية والاجتماعية، كما يعلمنا باستمرار عن حالتنا البيئية والتغيرات التي تطرأ عليها. وبذلك تصبح سياجا لشبكة هائلة تربطنا وتخبرنا عن الكائنات الحية، بحيث يسلينا الصوت، ويريحنا، وينبهنا، وينشطنا أحيانا، وأحيانا أخرى يتحكم بنا، أو يثير فزعنا. يتغلغل الصوت داخل أجسادنا في أفضل حالاتنا وأسوئها (ص 19).
إن الحيوانات تستخدم أجنحتها، وأرجلها، وبطونها، وحلقها؛ لإنتاج الأصوات، لكنها لا تكفي دائمًا كل هذه الإمكانات التشريحية لإرسال الصوت إلى البيئة؛ لأن المنافسة الصوتية بين الكائنات من النوع نفسه، أو الأنواع الأخرى، تتطلب غالبا تركيز طاقة الصوت على ترددات معينة، وإرسال الصوت إلى أبعد مسافة ممكنة، وبالتالي، فإن الغناء بصوت عال يسمح بطرد الأعداء، ويستدعي الأصدقاء إلى أبعد مسافة ممكنة (ص 58).
تجد الحيوانات في الأشياء، والأجسام، والكائنات الحية من حولها امتدادات لها؛ مما يساعدها على النجاح في جهودها للتواصل مع الآخرين. تتميز الكائنات بطابعها الهندسي، فهي تحدد موقعها بعناية في البيئة، مثلما يضع موسيقي الاستوديو علامة على الأرض تشبه صليبا من شرائط لاصقة ذاتية؛ لكي يحدد موقعه.
يبدو أن اختيار ارتفاع موقع الغناء لدى الزيز، والضفادع، والطيور من بين أمور أخرى، يقلل من تدهور الترددات الصوتية بسبب الغطاء النباتي، ويقلل من مخاطر التداخل مع الأنواع الصوتية الأخرى. تعد البيئة في الآن نفسه صديقة وعدوا للمغني، فهي صديقة؛ لأنها الوحيدة التي يمكنها نقل الرسالة من خلال الترددات المرافقة لصوت المغني، وعدوا؛ لأنها تعيق انتشار الإشارة بما تنشئه من حواجز تتمثل في الأشجار، والطحالب، والصخور، والجدران، وبالتالي يمكن أن تمنع أي فرصة مواتية للوصول إلى أذن مستمعة، ومستعدة للاستقبال (ص 59-60).
وعندما يكتشف المفترس، يمكن للفريسة اللجوء إلى تعابير صوتية مختلفة، أولها إصدار إشارة دفاعية يكون الهدف المتوخى منها هروب المفترس، ويمكن أن نسوق مثالا عن الكثير من الزواحف التي تواجه حيوانا أكبر وأكثر خطورة منها، فتتضخم، وتنتفخ، وتسعل، وتصفر، منذرة بهجوم محتمل. رد الفعل الثاني المحتمل يكون سلوكا إنذاريا وإيثاريا، حين تصدر تنبيها لعائلتها أو أفراد من جنسها، من خلال إصدار صوت يحذر من وجود خطر. إن القرود، والطيور، والسناجب تنذر بالخطر، فيكون رد فعلها إما الهروب، أو الدفاع عن النفس. أما رد الفعل الثالث، فيتمثل في إصدار الفريسة أصوات استغاثة عندما يمسكها المفترس، وهي آخر محاولة لإجباره على الإفراج عنها، أو طلب النجدة من الأم، أو الأب، أو أفراد آخرين من النوع نفسه. وتعد علامات الاستغاثة شائعة جدا لدى الحيوانات من الخفاش إلى التمساح، مرورا بخنفساء الروث، وقد يكون هذا أحد التعبيرات الصوتية التي ظهرت خلال مسيرة التطور، وهي أشبه برد فعل انعكاسي؛ استجابة لاستغاثة قصوى (ص 60-61).
تعد أصوات الأرض على الأرجح أكثر رسوخا في تاريخ الحياة، حتى لو لم ندركها كلها، وهذا ينطبق على الاهتزازات الأرضية التي لا تكفها سوى أجهزة قياس الزلازل. إن الأرض مليئة بالموجات الضعيفة، ولكن المنتظمة بشكل دائم. أولا، تلاحظ التذبذبات الحرة كل دقيقتين إلى ثماني دقائق، ويرتبط ذلك على الأرجح بحركات المحيطات ذات الترددات المنخفضة جدا، وتضاف إلى هذه التذبذبات نبضات منتظمة تسجل كل 26 ثانية، وتنتشر عبر الأرض بسرعة تزيد على 3 كيلومترات في الثانية (ص 63).
تولد الظواهر المناخية الكثير من الأصوات؛ نسمع الثلج يتساقط بلطف من السماء، أو الأشجار عند الذوبان الكبير، فتحدث أصواتا ناعمة، ويكون للغطاء الثلجي تأثير على البيئات الطبيعية الصوتية، حيث يمتص الأصوات الأخرى. ويعد المطر الذي يتساقط أحيانا على شكل عاصفة رعدية، عنصرا مهما في المناظر الطبيعية الصوتية، خاصة في الغابات الاستوائية المطيرة.
تعد الرياح قوة صوتية أخرى في البيئات الطبيعية، ولا تصبح الرياح صوتا إلا عندما تصطدم بعائق. وتكشف الأجسام النباتية والحيوانية عن هذا الصوت، فالسيقان والأغصان والأوراق تميل، وتتحرك، وتتأرجح مع الرياح، وتحول حركتها إلى أصوات، فتغدو هذه الأجسام آلات موسيقية، وعازفة للرياح. إن الأجسام -أجسامنا وأجسامهم- تخلق تيارات هوائية لولبية تصدر أصواتا (ص 66).
إذا استعدنا مقولة فلاديمير نابوكوف، بأن الصمت عالم متعدد الأوجه «مملوء بالأسرار». يمكن أن يكون الصمت مطلقا، فيكتسي (قالبا مستحيلا)، أو طبيعيا فيتخذ (شكلا مهذبا)، أو فسيولوجيا فيبدو (شكله أصم)، أو صمتا مميتا فيكون (شكلا للاختفاء)، أو صمت البقاء، فيغدو (شكله ضروريا)، أو صمت العشاق، فيتحول إلى (شكل وجداني)، أو صمت الانضباط، فيتخذ (شكلا قمعيا)، أو صمت الجماعة، فيصبح (شكلا ارتباطيا)، أو صمت المعارك، فيكتسي (شكلا قتاليا)، أو صمت الفراغ، فيرتدي (شكل الخسارة).
يوجد الصمت على المستويات جميعها، من بضعة سنتيمترات إلى عدة كيلومترات مربعة، ومن بضعة أجزاء من الثانية إلى عدة ساعات، ومن الفرد إلى النظم البيئية؛ إنه داخلي وخارجي، فردي وجماعي، ومثير للقلق وباعث على الراحة.
الصمت ليس فراغا أو غيابا أو نفيا، بل مصدرا ثريا بما يحمل من معلومات أساسية للتواصل بين الحيوانات وللبناء الطبيعي للنظم البيئية، إنه مورد متنازع عليه ومساحة يجب استغلالها (ص 278).
للتعبير عن صمت الرهبان، نجد على رؤوس أعمدة دير سان مارتان دون كانيجو في جبال البرانس تماثيل لرهبان بآذان كبيرة وأفواه صغيرة، ودون أن نركز على معتقد ديني بعينه، ولكن انطلاقا من المعرفة العلمية، ربما ينبغي علينا أن نعدل من تكويننا قليلا، وأن نصغر أفواهنا ونكبر آذاننا، لنعيش في توازن صوتي مع العالم. إن الاستماع إلى الصمت هو بمنزلة دعوة للتأمل في سلوكنا وطريقة تفاعلنا مع البيئة.
استمع إلى الطبيعة واصمت!
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع