جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
«ليس فيلمًا عن داود عبد السيد بقدر ما هو داود عبد السيد نفسه بأفكاره ورؤيته».
بهذه العبارة الدالة، لخَّص المهندس أنسي أبو سيف رأيه في الفيلم الذي عُرض في المسرح الصغير على دار الأوبرا، في حفل تأبين المخرج الراحل.
هذا الفيلم الوثائقي من سيناريو وإخراج أسامة العبد، وموسيقى راجح داود، ومونتاج عماد ماهر، وبحث الناقد أسامة عبد الفتاح، ومدير التصوير كمال سمير، ومهندس الصوت كمال عز، والمنتج المنفذ محمد عبد الوهاب.
بعد تأخير، شاهد الجمهور الفيلم، الذي بدأ بلقطة تُظهِر داود عبد السيد وهو يتأمل مشاهد من الفيلم الذي تأثر به بشدة في صباه وجعله يفكر في دخول هذا العالم السحري: «أورفيوس الأسود» Black Orpheus (إخراج مارسيل كامو، 1959).
وإذا كان المخرج مرَّ سريعًا على هذا الفيلم الفرنسي-البرازيلي، فإنه يتعيَّن التوقف قليلًا أمامه؛ لأنه شكَّل جوهر العمل السينمائي عند داود عبد السيد، وعلى سبيل المثال فإن ماربيسا دون لم تكن برازيلية الأصل، بل وُلِدت بالقرب من بيتسبرغ، بنسلفانيا.
أما برينو ميلو فكان لاعب كرة قدم، ولم تكن لديه أي خبرة في التمثيل عندما تم اختياره لدور أورفيوس. كان ميلو يسير في أحد شوارع ريو دي جانيرو عندما أوقفه المخرج مارسيل كامو وسأله إن كان يرغب في المشاركة في فيلم.
كان أديمار دا سيلفا، الممثل الذي جسَّد شخصية الموت، بطلًا في الوثب الثلاثي، وحائزًا على ميداليتين ذهبيتين أولمبيتين، عامي 1952 و1956.
أدَّى دور زيكا أورينو كاسيانو، وهو موسيقي شاب من عائلة موسيقية كبيرة. كان يعزف مع شقيقه أموري على آلة الكافاكينيو، وأورينو على آلة البانديرو، وكانوا يقدِّمون عروضهم في الشوارع، ويُطلقون على أنفسهم اسم «دوبلا تشوفيسكو». في عام 1957، تمت دعوتهم للظهور في فيلم بعنوان Pega Ladrão، ثم ظهر أورينو في فيلم آخر بعنوان Vai que é Mole. وخلال تصوير فيلم Vai que é Mole، شاهد مارسيل كامو أورينو وهو يؤدي في موقع التصوير، ودعاه لاختبار أداء دور «أورفيوس الأسود».
هذه التفاصيل تتشابه مع رؤية داود عبد السيد واختياراته للممثلين، مثل شعبان عبد الرحيم في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»، وماجد المصري في «سارق الفرح»، ولوسي وعلي حسنين في «البحث عن سيد مرزوق»، وفيدرا في «أرض الخوف». لم يكن داود عبد السيد يلجأ إلى الاختيارات السهلة أو المعلبة للأدوار السينمائية، بل امتلك على الدوام قدرة على التحدي والمغامرة.
وربما نلمح من الطابع الموسيقي لفيلم «أورفيوس الأسود» أثرًا على رؤية عبد السيد، الذي اعتنى بالموسيقى في معظم أفلامه.
دون افتعال، بدا داود عبد السيد حكيمًا، يجيد فن الاختزال، وتكثيف العبارة، وشرح أفكاره العميقة ببساطة.
كان الرائي، الذي استشرف المستقبل، بفنٍّ مقتصد، لكنه شديد التأثير.
مشروع الفيلم الوثائقي بدأ في الأصل ليكون مبادرة لتكريم داود عبد السيد وهو على قيد الحياة، قبل أن يتحول بعد رحيله إلى عمل تأبيني يوثِّق مسيرته ويخلِّد ذكراه. ثمة إضاءات رائعة وبارعة في الفيلم الوثائقي، جعلتنا نرى أوجه التشابه في رموز داود عبد السيد التي وظفها في عدد من أعماله السينمائية، مثل الارتباط بالحبيبة كما في «الصعاليك» و«رسائل البحر» و«أرض الخوف»، أو مشهد المدفأة أو حبات التفاح أو البحر، الذي تكرر في عدد من الأفلام. ونجحت موسيقى راجح داود في وضع بصمة لراجح وأيضًا روح داود عبد السيد على الفيلم الوثائقي.
وإذا كان المجهود البحثي واضحًا على يد الناقد أسامة عبد الفتاح، والمخرج عبد السيد يبدو على سجيته في كثير من الأحاديث والتعليقات التي تضمنها الفيلم، ربما لثقته في المخرج أسامة العبد، فإن الحديث عن كل شيء أضر بالفيلم من حيث لا يدري. وربما كان من الأولى والأجدى التركيز على زاوية معينة تخص المخرج ومسيرته الفنية والإخراجية، والتعمق في مناقشتها. خذ عندك مثلًا: كيف استلَّ شخصية «الشيخ حسني» من رواية إبراهيم أصلان «مالك الحزين»؟ وهل ظلم داود عبد السيد السيناريست داود عبد السيد المخرج؟ وماذا فعل وكتب في الأعوام الستة التي لم يقدِّم فيها عملًا سينمائيًا؟ وهل تجد سيناريوهاته طريقها إلى الطبع والنشر بعد اتخاذ إجراءات لحفظ حقوق الملكية الفكرية؟ وما مدى تأثره بتجربة عمله مساعدًا للمخرج يوسف شاهين في فيلم «الأرض» وكمال الشيخ في «الرجل الذي فقدَ ظله»؟
يبقى القول إن الفيلم يظل مهمًا وثريًا بمضمونه وفكرته ومبادرته لتوثيق جزء من أفكار داود عبد السيد التي تجعله أحد أهم مخرجي الواقعية الجديدة في السينما المصرية.
لم نشاهد جماليات في زوايا التصوير واللقطات، وإن كان مونتاج عماد ماهر مُحكمًا إلى حد كبير. وكان من الأولى تعدد الرؤى النقدية في الفيلم، بدلًا من الاكتفاء بحديث الناقد عصام زكريا وحده، خصوصًا أن الفيلم الوثائقي حرص على أن يجعل داود عبد السيد بلا نقائص ولا شوائب، ونعتقد أن المخرج الراحل لم يكن ليرضى بأن يظهر بمثل هذا النقاء بعيدًا عن طبيعته البشرية.
عقب عرض الفيلم، أُلقيت قصيدة مهداة من الشاعر أحمد حداد، ثم انضم صُنّاع الفيلم، وهم المخرج أسامة العبد، والمنتج محمد عبد الوهاب، والموسيقار راجح داود، والكاتبة كريمة كمال، ومهندس الديكور أنسي أبو سيف، والباحث والناقد أسامة عبد الفتاح، إلى جلسة نقاش حول الفيلم أدارها مصطفى الطيب.
أنسي أبو سيف قال إن «داود عبد السيد كان جزءًا من ثقافتي وتكويني الفني، ورغم أنني مهندس ديكور، فإن أفلامه لم تكن بالنسبة لي مجرد حكايات أو قصص، بل مواقف إنسانية تُعبِّر عن الواقع بعمق شديد». أما راجح داود، فحكى عن موسيقى «الكيت كات» التي جمعت بين نقيضين: العود والأرغن.
الكاتبة الصحفية كريمة كمال، أرملة داود عبد السيد، أكدت أن زوجها ظل متمسكًا بمبادئه الفنية منذ اليوم الأول في مسيرته وحتى رحيله، ولم يقدِّم أي تنازلات من أجل الوجود أو الاستمرار في الساحة الفنية. من جهته، قال الموسيقار راجح داود إن داود عبد السيد كان يصنع أفلامه ليجعل المشاهد يفكر.
أما الناقد والباحث أسامة عبد الفتاح فقال إن داود عبد السيد أتعبهم في البداية حتى وافق على الفيلم، وكان يسألهم: «لماذا تريدون صنع فيلم؟»، مضيفًا أنه شعر بالارتياح لوجود أسامة العبد كمخرج للعمل، وهو ما شكَّل جزءًا من حماسه، وأشار إلى أن أكثر ما أحزنهم هو غياب داود عن مشاهدة الفيلم ورؤية حُب الناس له، لكن عمله باقٍ ليحكي عنه.
يصح القول إن كلمات التأبين سواء من كريمة كمال زوجة داود عبد السيد، أو أنسي أبو سيف، أو الموسيقار راجح داود، أو فريق عمل الفيلم بداية من المخرج أسامة العبد إلى الناقد أسامة عبد الفتاح ومنتج الفيلم محمد عبد الوهاب، حملت رسائل وداعية مؤثرة عن «فيلسوف السينما المصرية»، الذي عالج أزمة الفرد في ظل مجتمع متنمر مثل فيلم «رسائل البحر»، أو أزمة الفرد الذي لا يعترف بعجزه، كما في فيلم «الكيت كات»، أو أزمة الفرد في ظل مجتمع مُرتبك الأحوال كما في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي». بل إنه أعاد اكتشاف حياة الفرد المهمش والطبقات الاجتماعية الهشة في أفلام مثل «البحث عن سيد مرزوق».
غير أن أهم ما في هذه الليلة الاستثنائية هو كلمات «الحكيم» داود عبد السيد، هذا الإنسان الصادق، إلى حدٍّ جعله يعيش طوال حياته في حيرة، يسأل دون إجابات.