إعلان

الانفلات من الزمن في "غرباء يشبهوننا"

الدكتور ياسر ثابت

الانفلات من الزمن في "غرباء يشبهوننا"

د. ياسر ثابت
07:00 م الثلاثاء 03 فبراير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

تبدو "غرباء يشبهوننا" مجموعة قصصية جميلة، ذلك الجمال الناعم البسيط غير المنفّر حتى للمتمرسين في قراءة الأدب.

إنها لوحة إنسانية متكاملة نشمّ فيها رائحة الحنين والاغتراب، وتدور حول موضوعات إعادة الاكتشاف واستعادة الماضي، مع استلهام مقولة جان كوكتو حول اختيار الشغف على الأمان. في هذه القصص قدر كبير من الأحزان والمسرات، والأوجاع والأفراح، وتقلبات المزاج ودفقات المشاعر، التي تحاول عبور جسور الزمان والمكان، وتتجاوز ثالوث: الغربة والوحدة والحنين.

وعبر 146 صفحة، تُقدّم المجموعة نموذجًا مختلفًا للقصة القصيرة، ليس فقط لأنها تبتعد عن البناء الدرامي التقليدي، أو تسعى إلى حبكات محكمة وتصاعد درامي معتاد، بل لأنها تنحاز إلى شكل أكثر هدوءًا، يُقدّم لحظات إنسانية قصيرة تلمس واقعنا المعيش، وتنحاز إلى نوعية النصوص التي تقوم على الحالة أكثر من الحدث، ما يمنحها خصوصيتها، واختيارها الجمالي، الذي يجعل القارئ يتوحد مع كل قصة باعتبارها حالة إنسانية خاصة به، تبدو في ظاهرها مواقف حياتية بسيطة لكنها مُحمّلة بأحاسيس عميقة تجمع بين الفقد والعطاء.

تُرسّخ صفاء فيصل مكانتها ككاتبة تجيد خلق أعمق درجات الحميمية بأقصى درجات الاقتصاد في اللغة. في مجموعتها القصصية الأولى، تتفرد بأسلوبها النقي والمكثف إلى ثيمة العيش بعيدًا عن الوطن. وهي تستخدم هنا خيطًا ذهبيًا غير مرئي، لتربط قصصها وحياتها مع حيوات الآخرين.

القصة القصيرة هنا هي وحدة إدراك، أو لحظة وعي مكثفة تُلتقط من نسيج الحياة اليومية، وتُعرض دون ادّعاء الاكتمال. إنها ليست حكاية تُروى، بل حالة تُشهد.

وهي قصص تمزج بين الذاكرة والروابط الإنسانية، لتُقدّم تجربة أدبية غنية وموحية. تتنوع موضوعات القصص، لكن العنصر الذي يجمع بين جميع القصص هو الاهتمام بالطرق المختلفة التي يمكن للذكريات والتجارب أن تسيطر بها على حياة الإنسان.

الإنسان العادي، المهمّش، هو مركز السرد عند صفاء فيصل، التي توظف الراوي-الشاهد وليس الراوي-العارف أو الراوي-المتدخل. الراوي هنا يرى، يسجّل، يمرّ، ويترك الكاميرا مفتوحة. القصص نفسها تشبه ومضات ضوء تكشف المشهد ثم تنطفئ، تاركة أثرها في العين والواقع.

وإذا كانت القاصة اختارت ثلاثة عناوين لأقسام المجموعة هي: «غرباء يشبهوننا»، و«طقوس الحنين»، و«حروف على جدار الصمت»، فإن أهم ما يجمع هذه الأقسام هو الإنسان.

لا نجد في هذه القصص أفعالًا كبيرة أو مواقف بطولية، بل تصرفات إنسانية بسيطة، قد تمر في الحياة الإنسانية المعيشة دون أن تلفت الانتباه، فالعطاء هنا لا يُقدّم كموقف أخلاقي، بل كحركة هادئة داخل المشهد.

هنا تصبح القصص في المجموعة وثيقة شعورية عن العيش في هذا العالم. إنها كتابة تنطلق من وعي حاد بأن العالم لم يعد يُفهم عبر الحكايات الكبرى، بل عبر التفاصيل الصغيرة التي تُترك عادة خارج الضوء.

لغة صفاء فيصل متدفقة، مشبعة بالعذوبة، بعيدة عن الزخرفة البلاغية، مع احتفاظها بحساسية شعرية معاصرة. والصور التي تخدم المعنى، تتراكم فوق بعضها، وتضغط على القارئ حتى يشعر بعمق التجربة. وربما تلجأ القاصة إلى جُمل طويلة، متلاحقة، كأنها ترفض التوقف خوفًا من الصمت، حين يتطلب الوعي ذلك.

أما تقنية السرد، حيث التكثيف يبلغ حدّه الأقصى، فإننا نجد أن السارد غالبًا متكلم، مهزوم، واعٍ – لا يطلب تعاطفًا – لا يقدّم بطولة، ولكن لا تخلو علاقته بالآخرين من التوتر والهشاشة. تبني القاصة قصصها على أساس مكين من السرد السلس المتدفق، كما تستخدم التنقلات السريعة، واللغة السهلة والسليمة، لتُمسك بقارئ المجموعة القصصية حتى النهاية.

وقد تعمل على إبطاء السرد من خلال المشهدية في قصة «المُربية» التي تدور أحداثها داخل محطة مترو الأنفاق، وتمارس فيها الساردة لعبة التخمين عما إذا كانت الفتاة هي مُربية الولد أم أنها أُمّه، قبل أن تكتشف من تسامحها مع قرصاته المتكررة لذراعها أنها الأم (ص 10-11).

الأمر نفسه يتكرر في قصة «الكون الصغير»، التي تدور داخل قطار، ونتابع فتاة تتطلع إلى رجل، ثم تنشغل عنه بهاتفها المحمول؛ إذ نقرأ: في عربة القطار، لا تهدأ حركة أعين الركاب، مع نهاية يوم طويل ممل. تتابعها، تراقبها، تحسدها، وتغبطها في آن واحد. لكنتها الإنجليزية، المختلطة بلغة حروف لاتينية برنين عذب، جذبت إليها المزيد من النظرات، خليط من الحسد والإعجاب» (ص 12).

في قصة ثالثة، تدور أحداثها داخل القطار أيضًا، وهي رمزية واضحة بالنظر إلى إقامة الكاتبة في لندن لعقود، تبدو القصة القصيرة جدًا بعنوان «خيانة الجَمال» كأنها لغز ظريف؛ إذ تكسر الفتاة هدوء جلستها وتُحرّك عينيها في كل اتجاه، وتمط شفتيها كالمهرجين؛ «لحظات وانكشف السر، كانت تغازل حبيبها الجالس قبالتها في القطار» (ص 49).

التتابع الذي تُشكّله قصص المجموعة يأخذ نمطين من التركيب الدلالي؛ هما: التتابع في الجمل الاسمية والتتابع لشبه الجملة. ونختصر طبيعة هذين النمطين بكونها تتابعًا دلاليًا جماليًا، يشبه التجريد في لوحات اشتغال فن الرسم التشكيلي.

ثمة قصد في الركون إلى الجمل الاسمية وشبه الجملة لسببين؛ هما خلق جو إيقاعي ينغّم السرد ويبعده عن الغنائية الإزاحية للشعر، والسبب الثاني إيجاد شعرية لغوية تزيح التنغيم الفكري من ماديته إلى معنويته، وبذلك تتناغم المتشكلات الجُملية (اللغة) مع الإيقاع الكوني الذي يحتفي بالمطلق؛ كأن الكون نواة من كتلة واحدة تتخلق حديثًا على وفق موسيقى لفكرة ما قبل التشكل المادي المباشر.

الزمن في قصص المجموعة لا يسير بالضرورة وفق خط مستقيم، بل يتشظّى بين استرجاع واستباق، أو يتوقف في لحظات مكثفة تتجاوز الترتيب الخارجي للأحداث، ليعكس حركة الذاكرة واللاوعي أكثر مما يعكس تعاقب الواقع. وتجعل الكاتبة الزمن دائريًا، ومتكسّرًا، حيث الذاكرة أقوى من الحاضر.

يقول إدغار آلان بو: «يتحقق الجنس الأدبي فعلًا عندما يُعبّر عن الأعراف التي تشكّله من داخل سياق المفاهيم الخاصة بالأدب بشكل عام». وترتيبًا على ذلك، فإن هذه المجموعة القصصية تمتلئ بمشاعر الحنين إلى الماضي.

لم تُقدّم الكاتبة نصوصًا تقليدية، بل لجأت إلى أسلوب حداثي هو «السرد المتقطع المتداخل في الزمن»، فاستخدمت «تيار الوعي». وهي تكاد تستخدم راويًا واحدًا عبر قصص المجموعة، لكن هذا الراوي يستخدم ضمائر المتكلم بجميع صورها، وهذا يناسب السرد الخطي الذي ينتقل فيه السارد من واقعة إلى الواقعة التي تليها بسلاسة وذكاء.

يحمل عنوان المجموعة «غرباء يشبهوننا» كثافة دلالية عالية، بكل ما فيه من تضاد بين الكلمتين، لكن الجمع بين المتضادين يكاد يتسرّب إلى كل نص تقريبًا.

على الرغم من تعدد الشخصيات، والأمكنة، والأصوات، فإن القارئ يخرج بانطباع واضح مفاده أن المجموعة تُكتب من وعي واحد متشظٍ، لا من رؤى متنافرة. وكأنها رواية قصيرة أو متتالية قصصية.

تحتل صورة المرأة في المجموعة مساحة دلالية شديدة الأهمية، فهي الأم التي تتابع ابنها خلال قراءة دروسه ذات شتاء لندني في «بتوقيت دمشق»، وهي سيدة «وحيدة واعتادت وحدتها» (ص 27) في «الآنسة فيكي»، وهي أيضًا الجارة أم محمود التي علّمتها كيف تُعدّ لنفسها فنجانًا من القهوة (ص 30)، في قصة «الوِش». بل إن المرأة هي محور الحكاية في «نسوة كريت»، حين «جلست النسوة الثلاث يثرثرن في دِعة، ويحتسين أكواب البيرة، ويلتهمن تفاصيل رجل، ويعاودن مضغها» (ص 43).

بعض عناوين القصص ليست عناوين تفسيرية، بل جُمل شعرية تحمل مفارقة وجودية. هذه العناوين لا تدل على تطور في الزمن، بل على أفعال وذكريات، تحمل دلالات وكنايات، مثل «زهرة الخريف»، و«سنوات منتصف العمر»، و«البيت الذي كان»، و«قُبلة بطعم الغياب»، و«آخر قطار للجنون».

تدعونا قصص المجموعة إلى الانفلات من الزمن الذي يؤطر تجربتنا وإحساسنا وإدراكنا للعالم، وتدعونا إلى سماع صوت آخر عبر الهاتف، هاتفنا الداخلي، الذي يملك نغمة خاصة تحملها الكلمات، وتبدو النغمة، القادمة من مكان آخر، من زمن مغاير، قلقة من كل هذه الغرابة التي تملأ حياة الإنسان وقدره ومصيره.

في «غرباء يشبهوننا» تعمد صفاء فيصل إلى خلخلة اليقينيات والمسلمات والتصورات الجاهزة، وتحرص على اكتشاف الوجه الآخر للإنسان الحديث في علاقته بالزمن، وبكشف النقاب عن المكبوت أو المسكوت عنه، برهافة متفردة.

إعلان

إعلان