لماذا لا تزال المرأة متهمة؟
في كل مرة أظن أن الزمن تحرك خطوة إلى الأمام، أفاجأ بأن المرأة ما زالت واقفة في المكان نفسه، لا لأن التاريخ لم يتغير، بل لأن الوعي قرر أن يتجمد عند أكثر النقاط ظلمًا؛ تتبدل المدن، تتغير الملابس، تتطور اللغة، لكن نظرة المجتمع للمرأة تظل أسيرة سؤال واحد خفي: كيف نحاكمها قبل أن نفهمها؟ ولماذا نُبقيها دائمًا في خانة الاتهام، مهما كان موقعها من الحياة؟
امرأة تتلقى الضرب علنًا من رجل، فيشيح المارة بوجوههم، ويتساءل بعضهم همسًا: لا بد أنها أخطأت، فتاة يُغتال جسدها ببطء خلف باب مغلق لمجرد ظنون (عن واقعة فتاة قنا أتحدث)، وأخرى تُعاكس، فيتحول الذنب من فعل الجاني إلى شكل ملابسها، مطلقة تُوصم، لا لأنها أخطأت، بل لأنها خرجت من مؤسسة الزواج، وكأن الزواج شهادة أخلاق، لا علاقة إنسانية قد تفشل، امرأة لم تتزوج بعد، تُختزل حياتها كلها في كلمة "عانس"، وكأن وجودها مؤجل حتى يوقع رجل على حياتها، أخرى لم تُنجب، فتُحاكم بوصفها "ناقصة"، دون أن يخطر ببال أحد أن العيب قد لا يكون فيها أصلًا، أرملة يُطلب منها أن تخفض رأسها، وتُطفئ لونها، وتعتذر للحياة لأنها ما زالت حية بعد زوجها، وأم تعود إلى بيت أبيها بأطفالها هربًا من الضرب، فتُقابل بسؤال: "هنصرف عليكي ليه؟" كأن الكرامة رفاهية، وكأن الأمان ترف.
السؤال الحقيقي ليس لماذا تتعرض المرأة لكل هذا، بل لماذا اعتدنا عليه إلى هذا الحد؟ لماذا أصبح ظلم المرأة جزءًا من "الطبيعي" في وعينا الجمعي، لا يستدعي الغضب، بل التبرير؟ لماذا يُنظر إلى المرأة دائمًا بوصفها عبئًا: عالة على الأب إن لم تتزوج، عالة على الزوج إن لم تُنجب، عالة على المجتمع إن طلبت الأمان، وعالة حتى على نفسها إن حاولت أن تعيش كما هي؟
الغريب أن هذا الظلم لا يُقدم بوصفه ظلمًا، بل بوصفه "نظامًا"، نظامًا أخلاقيًا، اجتماعيًا، دينيًا أحيانًا، رغم أن جوهر الأديان كلها قام على العدل، لا على الانتقاص؛ فالقرآن حين قال: "ولقد كرمنا بني آدم" لم يستثنِ النساء، وحين قال: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لم يجعل التقوى حكرًا على الذكور، والنبي صلى الله عليه وسلم حين أوصى بالنساء، لم يفعل ذلك لأنهن أقل، بل لأنهن أكثر عرضة للظلم، والتاريخ الإسلامي نفسه حفظ لنا أسماء نساء كن فقيهات، وتاجرات، وصاحبات رأي، لم يُنظر إليهن يومًا باعتبارهن "درجة ثانية"، بل باعتبارهن بشرًا كاملي الإنسانية.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في النص، بل في القراءة، في تلك القراءة الذكورية القلقة التي تخشى المرأة الحرة، وتحتاج دائمًا إلى تقزيمها كي تشعر بالأمان، قراءة تجعل الشرف معلقًا بجسد المرأة وحده، وكأن الأخلاق لا تسكن الضمير بل الجلد، قراءة ترى في استقلال المرأة خطرًا، وفي عملها انفلاتًا، وفي صمتها رضا، وفي اعتراضها وقاحة.
وليس هذا حكرًا على مجتمع بعينه، فالتاريخ الإنساني كله شهد محاولات مستمرة لإخضاع المرأة. فعلى سبيل المثال: في أوروبا العصور الوسطى أُحرقت النساء بتهمة السحر لأنهن مختلفات، وفي مجتمعات أخرى عُزلت المرأة خلف الجدران بحجة الحماية، بينما كان الهدف الحقيقي هو السيطرة، لكن الفارق المؤلم أن مجتمعات كثيرة راجعت نفسها، بينما لا يزال كثير من مجتمعاتنا العربية يتعامل مع ظلم المرأة بوصفه "أمرًا مفروغًا منه"، لا يحتاج إلى اعتذار.
الأمثال الشعبية نفسها، التي نرددها دون تفكير، تكشف عمق الأزمة، أمثال تُحمل المرأة مسؤولية كل شيء: "الست ملهاش أمان"، "ظل راجل ولا ظل حيطة"، "البنت لو كتر خروجها تقل قيمتها"، هذه الأمثال لم تأتِ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الخوف من المرأة، لا من فسادها، خوف من وعيها، من حريتها، من قدرتها على كسر الصورة النمطية التي تُريح المجتمع لأنه لا يضطر إلى التفكير.
والأكثر قسوة أن المرأة تُدان في كل الأحوال، إن صمتت قيل رضيت، وإن اشتكت قيل تبالغ، وإن عملت، استُخدم خروجها للعمل أحيانًا للطعن في سلوكها ووصمها بأنها "على حل شعرها"، وإن جلست في بيتها قيل "عالة"، إن تحملت قيل ضعيفة، وإن ثارت قيل مسترجلة، كأن المطلوب منها أن تؤدي دورًا مستحيلًا: أن تكون قوية بلا صوت، حرة بلا اختيار، موجودة بلا أثر.
ألسنا بشرًا متساوين في المشاعر؟ أليست المرأة تحزن كما يحزن الرجل؟ تخاف كما يخاف؟ تنكسر كما ينكسر؟ لماذا يُطلب منها وحدها أن تتحمل الألم في صمت، وأن تُجمل المعاناة، وأن تعتذر عن وجع لم تصنعه؟ لماذا يُغفر للرجل كل شيء باسم "الطبيعة"، وتُحاسب المرأة على كل شيء باسم "العيب"؟
إن أخطر ما في هذا الظلم ليس الفعل ذاته، بل استمراره بلا مساءلة، فالمجتمع الذي يعتاد إهانة نصفه، يفقد بالتدريج قدرته على الرحمة، والمجتمع الذي يُعلم أبناءه أن المرأة أقل، يُربي فيهم قسوة لا تقف عند النساء، بل تمتد إلى كل ضعيف، وكل مختلف، وكل مكسور.
ليست قضية المرأة قضية نسوية ضيقة، كما يحلو للبعض أن يختزلها، بل قضية إنسانية في جوهرها؛ فحين تُهان المرأة، يُهان معنى العدالة، وحين تُكسر، يُكسر ميزان القيم كله، وحين يُطلب منها أن تعيش في خوف دائم من الفضيحة، لا من الظلم، نكون أمام خلل أخلاقي عميق لا يصلحه الزمن وحده.
ربما لا نحتاج إلى قوانين جديدة بقدر ما نحتاج إلى ضمير جديد، ضمير يرى المرأة إنسانًا قبل أن يراها ابنة أو زوجة أو مطلقة أو أرملة، ضمير يفهم أن الكرامة لا تُمنح بالحالة الاجتماعية، وأن الشرف لا يُقاس بالجسد، وأن الأم التي تهرب بأطفالها من العنف بطلة لا عبئًا.
ربما لا نحتاج إلى يوم تُدان فيه المجتمعات علنًا، لأن الإدانة الحقيقية تحدث كل يوم في صمت النساء، تحدث في تلك اللحظة التي تكتم فيها امرأة وجعها لأنها تعلم أن الشكوى ستُضاف إلى ذنبها، لا إلى إنصافها، تحدث حين تبتلع دموعها أمام أطفالها حتى لا يتعلموا الخوف، وحين تبتسم أمام الناس كي لا تُتهم بالهشاشة، وحين تعتذر عن حقها في الحياة لأنها تربت على أن وجودها نفسه يحتاج إلى مبرر.
المرأة في مجتمعاتنا لم تُقهَر فقط بالعنف، بل أُنهِكت بالتطبيع معه، طُلب منها أن تتعايش مع الإهانة، وأن تُجمل الألم، وأن تُقنع نفسها بأن ما تتعرض له "نصيب"، أو "قدر"، أو "حكمة لا نفهمها الآن"، ومع الوقت، لم يعد الظلم صدمة، بل أصبح خلفية ثابتة للحياة، كضجيج لا ينتبه إليه أحد لأنه اعتاد عليه، وهذا أخطر أشكال القهر: أن يتحول الألم إلى شيء عادي.
كم امرأة نامت ليلها وهي تشعر أنها عبء، لا لأن أحدًا قال لها ذلك صراحة، بل لأن كل ما حولها أوحى به، عبء إن بقيت، وعبء إن رحلت، وعبء إن طلبت الأمان، وعبء إن اختارت نفسها، وكم امرأة شكت في إنسانيتها لأنها لم تجد لها مكانًا آمنًا، لا في بيت أبيها، ولا في بيت زوجها، ولا في عيون المجتمع.
الحقيقة القاسية أن المرأة لم تُمنح يومًا حق الخطأ كما مُنح للرجل، خطؤها يُضخم، ويُؤرخ، ويُلاحقها كوصمة لا تزول، بينما يُغفر للرجل باسم الطبيعة، أو القوة، أو الظروف، المرأة وحدها مطالبة بأن تكون كاملة دائمًا: صبورة بلا شكوى، قوية بلا صوت، مستقيمة بلا تجربة، نقية بلا حياة، وحين تفشل في هذا الدور المستحيل، تُدان.
إن المجتمع الذي ينهك نساءه لا يدرك أنه يهدم نفسه ببطء، فالمرأة ليست هامشًا في الحياة، بل نسيجها الداخلي، حين تنكسر المرأة، لا تنكسر وحدها، بل يتشقق البيت، ويختل توازن الأسرة، ويتربى الأطفال على خوف صامت، ويتعلم الذكور أن القوة تعني السيطرة، وتتعلم الإناث أن الأمان حلم مؤجل، وحينها، لا يعود الظلم حادثة فردية، بل إرثًا يُورث.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال المرأة: لماذا لم تتحملي؟ ونبدأ بسؤال أنفسنا: لماذا طلبنا منها أن تتحمل كل هذا؟ لماذا جعلنا الصمت فضيلة حين يكون من نصيبها، والاعتراض جريمة؟ لماذا دربناها على الخوف، ثم عاقبناها عليه؟
هذه الكلمات ليست صرخة، ولا دعوة صدام، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا، لأن المجتمع الذي يتصالح مع وجع نسائه، ويتعايش مع دموعهن، مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية، مهما تشدق بالقيم، والمرأة التي ما زالت تقف، رغم كل هذا الثقل، لا تحتاج إلى شفقة، بل إلى عدل… عدل بسيط، يبدأ بالاعتراف بأنها إنسان كامل، لا درجة ثانية، ولا عبئًا، ولا قصة يجب إخفاؤها، بل حياة تستحق أن تُعاش دون خوف، ودون اعتذار.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع