صناعة العدو.. في "حروب الشاشات"
في كتابه «حروب الشاشات: استراتيجيات الإعلام الدولي في زمن الصراعات» (بيت الحكمة، 2026) يثير الكاتب الصحفي د. أسامة السعيد تساؤلاتٍ على قدر كبير من الأهمية بشأن دور الإعلام وتأثيراته في عالمنا المعاصر، انطلاقًا من أن كل ما يحيط بنا يلعب فيه الإعلام دورًا، من الترويج للمنتجات إلى تكوين صورتنا الذهنية عن أنفسنا وعن الأفكار والأوطان والثقافات التي ربما لم يُقدَّر لنا أن نتعرف إليها إلا من خلال الشاشات.
وعلى حد تعبير د. أسامة السعيد، فإننا «اليوم، نحن أسرى لما تُقدِّمه الشاشات، نقرأ عليها الصحف، ونشاهد من خلالها البرامج، ونتفاعل عبرها مع طوفان منصات التواصل الاجتماعي، نوثق بها ذكرياتنا ونصنع عليها صداقاتنا، ونخوض فيها أيضًا معاركنا وحروبنا» (ص 10).
في إهدائه لكتابه «حروب الشاشات»، يكتب المؤلف ناصحًا الأجيال الجديدة: «لا تثقوا كثيرًا بالشاشات التي بين أيديكم، فما تطالعه عيونكم الصغيرة وراءه عالم أكبر وأخطر مما تتصورون». وبلغةٍ رصينة، وعباراتٍ دالة، ومراجع مهمة، يحشد المؤلف أفكاره ومنطقه، لتقديم صورة أكثر وضوحًا لتحولات متلاحقة ودرامية في المشهدين الإقليمي والدولي تستحق التأمل والتفكُّر.
يستهل المؤلف الفصل الأول الذي يحمل عنوان «من يملك الإعلام الدولي؟: محاولات لفهم أدوات الصناعة الهائلة ومسارات توظيفها»، بالقول إنه على الرغم من أن الإعلام استُخدم منذ عقود بعيدة بوصفه أداة سياسية وسلاحًا مؤثرًا في الصراعات ووسيلة للحرب النفسية؛ فإن الاستخدام الكثيف للإعلام في صراعات اليوم يزيد من حدة ما يواجهه ذلك الإعلام، خاصة العابر للحدود، من انتقادات واتهامات تجعله في كثير من الأحيان موضع تساؤلات كبيرة حول الأهداف الخفية وراء ما يقدِّمه من محتوى، والأغراض الحقيقية مما يطرحه، أو يتجاهل طرحه (ص 13).
يحاول الكتاب بلورة مفهوم للإعلام الدولي، ثم يتطرق إلى الانحيازات الشخصية لصناع الإعلام، فضلًا عن انحيازات مصادر المعلومات، وانحيازات وسائل الإعلام نفسها، مشيرًا إلى أن هذه الانحيازات الإعلامية لا تبدو دائمًا واضحة ويمكن التقاطها أو رصدها بسهولة، ذلك أن أصعب أشكال الانحيازات هي تلك التي تصدر عن مؤسسات تبدو ظاهريًا الأكثر تمسكًا بالأدوات المهنية؛ فهذه الوسائل غالبًا ما تملك من الدهاء ما يجعلها تداري انحيازاتها بغطاء سميك من الاحترافية، الأمر الذي يجعل الجمهور العادي غالبًا ضحيتها الأولى (ص 18).
ويتساءل المؤلف عما إذا كانت وسائل الإعلام العابرة للحدود أداة للصراع أم لتغطيته. ويذهب إلى القول إن أحداثًا مثل الربيع العربي، وأحداث هونغ كونغ، والمغرب، ومدغشقر وغيرها، تمثل نموذجًا جديرًا بالدراسة لحجم التأثير الذي تلعبه المنصات الرقمية وما بات يُعرف بإعلام المواطن؛ أي الإعلام الذي يقدمه المواطن العادي دون التقيد بإجراءات وقواعد الإعلام الاحترافي التقليدي (ص 20).
يشير د. أسامة السعيد إلى تطويع الخوارزميات المتحكمة في ظهور المحتوى ورواجه عبر المنصات، وهو ما بات أمرًا معتادًا لتمرير وجهة نظر وحجب وجهات نظر أخرى، أو تقليص استخدام أفكار ونشر معلومات قد لا تكون مُعبِّرة عن السياق الذي تتبناه تلك المنصات الرقمية (ص 21). برز ذلك الانحياز الخوارزمي في الكثير من الأزمات، سواء خلال الحرب الروسية الأوكرانية، أو عبر شهور الحرب الإسرائيلية على غزة، وما رافق الأزمة الأخيرة على وجه التحديد من انتقادات حادة للجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين (ص 21).
وحول طبيعة مالكي الإعلام الدولي، يرى الكاتب الصحفي أنه من الصعوبة بمكان تحديد المالكين المباشرين لوسائل الإعلام ذات الطابع الدولي أو العابرة للحدود، فضلًا عن أن المالكين الفعليين لوسائل الإعلام ذات الصبغة الدولية، غالبًا ما تكون لديهم امتدادات وشبكة من العلاقات والمصالح مع جهات رسمية وجماعات ضغط غير رسمية وقوى سياسية وكيانات اقتصادية، وكل من هذه الأطراف يملك أجندة مصالح يحاول أن يحققها أو يدافع عنها من خلال المحتوى المقدم عبر الوسائل والمنصات الإعلامية (ص 22).
وبحسب تقرير Media Pluralism Monitor الذي يرصد أنماط ملكية وسائل الإعلام في القارة الأوروبية، فإنه في ثماني دول فقط من أصل 31 دولة أوروبية يمكن للجمهور معرفة من هم أصحاب وسائل الإعلام، مع أن الإجراءات المتعلقة بالإفصاح والشفافية في الاتحاد الأوروبي تعد من أكثر القواعد تشددًا في هذا الصدد (ص 23).
يطرح الكتاب الكثير من الأسئلة بشكل نقدي، ويحفزنا على فتح المجال لمناقشتها بعمق، كما يقدِّم إجابات أولية، ويحث القارئ على التفكير في تفاصيل المعالجة الإعلامية وتحدياتها.
تحت عنوان «صناعة العدو» إعلاميًا: حدود الدور والتأثير من «الحقنة تحت الجلد» إلى «السيكوميديا»»، يشرح الكاتب كيف يتم صنع العدو نفسيًا واجتماعيًا، ويقول إنه يمكن لوسائل الإعلام أن تقدِّم أكثر من عدو في الوقت ذاته؛ فهناك أعداء دائمون أو ما يمكن أن نطلق عليه «العدو الاستراتيجي»، وهذا تتطلب مواجهته وقتًا طويلًا وعملًا بعيد المدى. وفي الوقت ذاته يمكن أن يكون هناك أعداء «مرحليون» يظهرون على فترات، ويتوارون في أوقات أخرى وفق سياق الأحداث، دون أن يكون هؤلاء «الأعداء المرحليون» بديلًا عن أعداء «العدو الاستراتيجي»، بل أحيانًا يجري الربط بينهما، على اعتبار أن الأعداء المرحليين يحققون أهداف ذلك العدو الاستراتيجي (ص 35).
يلقي الكاتب الضوء على آليات تكوين الصورة الذهنية للعدو، ويتحدَّث عن كيفية لعب السيكوميديا دورًا مهمًا في تكوين وصناعة الصورة الذهنية للأفراد باستخدام عدد من الأساليب، وهو ما يعني كيف أزرع ما أريده في عقل الناس والجمهور وأجعلهم يصدقون ما أبثه، ولعل الاختلافات التي في حرب السرديات في الحرب على غزة وكذلك في أوكرانيا تؤكد تمامًا ما ذكره من حيث الازدواجية التي كانت وسائل الإعلام تنتهجها ما بين أهداف كل منها من عدم الموضوعية في الطرح والتناول (ص 38).
وعبر 293 صفحة من القطع المتوسط، يحاول الكتاب أن يقرأ ويحلل بعمق بعضًا من الظاهر عبر تلك الشاشات، وأن يفهم بوعي العوامل الكامنة وراء ذلك الظاهر (ص 11). ويتناول في «حرب السرديات» استراتيجيات الإعلام الغربي في معالجة الحرب على غزة، مؤكدًا أن المنظومة الغربية ما زالت محكومة بكثير من القيود السياسية أو الثقافية (الاستشراقية) التي تحدد إلى حد بعيد نظرتها لقضايا الشرق الأوسط عمومًا، وبالأخص قضية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؛ إذ تبرز انحيازات سياسية وتاريخية ومهنية وممنهجة على نحو لافت.
وحتى مع بعض التحولات غير الجوهرية تحت ضغط افتضاح واقع الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، وتنامي حركة الاحتجاج الشعبي في الكثير من الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، وبروز أصوات تنتقد الأداء المجحف لوسائل الإعلام التقليدية، والاتجاه نحو التوسع في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، على الرغم مما يفرضه بعضها من قيود على المحتوى الداعم للقضية الفلسطينية؛ فإن كل ذلك لا يمثل سوى ثقب صغير في جدار ما زال صلبًا من الانحياز الإعلامي الغربي لإسرائيل، الأمر الذي يوجب تحركًا منسقًا وبعيد المدى من جانب داعمي القضية الفلسطينية، على نطاق يتجاوز حتى تحرك دولٍ بمفردها (ص 80-81).
في الفصل الذي يحمل عنوان «انحيازات سافرة: اتجاهات «الإعلام الغربي» في تغطية «الحرب على غزة»» يستعرض المؤلف المصادر والمراجع الأجنبية التي تدعم شرحه للموقف، مؤكدًا أن البنية الفكرية والسياسية الإعلامية الغربية الداعمة لإسرائيل ما زالت متماسكة، على الرغم مما يعتريها من تحولات نتيجة دخول منصات التواصل الاجتماعي بوصفها رافدًا مهمًا لتقديم نسق معرفي بديل عما تُقدِّمه وسائل الإعلام التقليدية التي تتحكم في توجيهها شبكة مصالح سياسية واقتصادية وأيديولوجية معقدة، وهو ما تسبب في إحداث فجوة تزداد اتساعًا بين المواقف الشعبية، التي تتبناها قطاعات واسعة من الرأي العام (غالبيتهم من الشباب) في الكثير من الدول الغربية، والمواقف الرسمية التي ما زالت تتمسك بدعم غير محدود لإسرائيل.
ولأن التحولات الملموسة في تغطية وسائل الإعلام الغربية للأزمة في غزة، خاصة بسبب تفاقم الوضع الإنساني في القطاع، لا يمكن اعتبارها دليلًا على تحول جوهري في رؤية وأداء تلك الوسائل التي تغلب عليها الاعتبارات المؤسساتية، وتتحكم فيها الاعتبارات العميقة للتمويل والتبعية السياسية والفكرية؛ لذا ينبغي عدم الانسياق وراء الاستسلام لهذا الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية تنتصر من تلقاء نفسها؛ فالأمر يتطلب جهدًا منسقًا وعملًا مؤسسيًا لدعم السردية الفلسطينية والعربية في وسائل الإعلام الغربية (التقليدية والجديدة)، خاصة في مواجهة عدو إسرائيلي يجيد توظيف تلك الأدوات ويحشد الإمكانات المادية والفنية الكبيرة لإدراكه أن السيطرة والانتصار في «حرب العقول» لا يقل أهمية، بل ربما يزيد، عن تحقيق الإنجازات الميدانية بأدوات الحرب التقليدية (ص 108).
في فصل «نزيف الشمعة»، يناقش د. أسامة السعيد تحولات الصورة الذهنية لإسرائيل واستراتيجيات تُحركها، ويرى أنه على الرغم من الاهتمام الإسرائيلي بامتلاك أدوات التأثير الإعلامي، فإن ذلك لم يفلح في وقف نزيف الصورة الذهنية التي أصابت النظرة العالمية لإسرائيل، ليس فقط في الدول التي ترفض الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين والشعوب العربية، بل في الدول الغربية التي لطالما كانت بيئة داعمة للسياسات الإسرائيلية رسميًا وشعبيًا (ص 150). وينبه إلى أن إسرائيل قد تواجه واقعًا لم تعتده من قبل، وهو عدم احتكار وسائل الإعلام للرواية والقدرة المطلقة على صوغ أفكار وعقول الجمهور (ص 151).
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع