إعلان

التوازنات السياسية في ليبيا وترسيم الحدود البحرية

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م الأحد 25 أكتوبر 2026

تظل التغيرات في التوازنات السياسية في ليبيا بين حكومتين وبرلمانين وقوى إقليمية وتقاطع المصالح بين القوى السياسية في الشرق الغاربة سابقًا وأنقرة، مما يفرض على مصر حالة من مراجعة مستمرة لأدوات نفوذها الدبلوماسي لضمان التوازن وعدم استفراد أي طرف بقرارات تمس أمن مصر القومي المباشر على حدودها الغربية والبحرية.

لقد شهدت منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط منذ عام2003 تحولًا استراتيجيًا في ملف ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان؛ بهدف الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية المكتشفة في المنطقة وتأمين الحقوق السيادية للدول وفق قواعد القانون الدولي للبحار (UNCLOS لعام 1982).

بدأ هذا المسار في فبراير 2003 حين وقّعت مصر وقبرص أول اتفاقية لتعيين الحدود البحرية وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) لكل منهما. اعتمدت هذه الاتفاقية على خط المنتصف (Equidistance Line) الموصى به في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لحل تداخل المناطق البحرية بين الدول المتقابلة.

مهّدت هذه الخطوة الطريق للاكتشافات الغازية الكبرى لاحقًا، وتوّجت بتوقيع اتفاقية إطارية في ديسمبر 2013 لتقاسم المكامن الهيدروكربونية المشتركة عبر خط الحدود المعتمد، مما سمح بتنمية حقول الغاز ومشاريع ربط البنية التحتية للطاقة.

وابتداءً من عام 2014، تحول التعاون الثنائي إلى آلية ثلاثية تجمع مصر وقبرص واليونان، حيث عقدت قمم دورية لتنسيق المواقف السياسية والاقتصادية. اتفقت الدول الثلاث على ضرورة الالتزام التام بقانون البحار الدولي كمرجعية حصرية لترسيم الحدود وحل أي نزاعات.

أثمر هذا التعاون الإقليمي عن تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط" (EMGF) ومقره القاهرة، والذي أضفى صبغة مؤسسية على التعاون في مجال الطاقة.

وامتدادًا لهذا التراكم، وقّعت مصر واليونان في أغسطس 2020 اتفاقية تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما. جاء الاتفاق تطبيقًا لأحكام قانون البحار، وحسم المسائل المتعلقة بالأثر القانوني للجزر في تحديد الحدود البحرية (مثل جزيرة كريت).

اعتمدت الاتفاقية التحديد الجزئي للمناطق الاقتصادية للتوافق مع أحكام القانون الدولي ولإتاحة المجال للاستكشاف والبحث عن النفط والغاز في مساحات واعدة بالبحر المتوسط دون المساس بحقوق أطراف أخرى.

تكمن أهمية هذه السلسلة من الاتفاقيات في الاستناد الصريح إلى اتفاقية UNCLOS لعام 1982 بما يكفل المشروعية الدولية للحدود المترسمة ويحمي حقوق الدول في استخراج الغاز والنفط. بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار والاستثمار من خلال إزالة التداخلات القضائية والمكانية بين الدول الثلاث وتمكين شركات البترول العالمية الضخمة من أعمال التنقيب ودعم مشاريع الربط الكهربائي وتصدير الغاز الطبيعي بين دول شرق المتوسط والأسواق الأوروبية.

وردًا على التحالف الثلاثي وتأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط"، صاغت تركيا عقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan) لتثبيت حضورها البحري. وتجلى الرد العملي والأبرز في نوفمبر 2019 بتوقيع مذكرة تفاهم لتعيين الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس. وهدفت المذكرة التركية-الليبية إلى إنشاء خط حدودي يربط الساحل التركي بالساحل الليبي، مما خلق حائلًا يقطع التواصل الجغرافي للمنطقة الاقتصادية الخالصة بين اليونان وقبرص، وجعل مشروع أنبوب غاز شرق المتوسط (EastMed) يمر عبر مناطق تتطلب موافقة أنقرة.

وعلى الرغم من أن السنوات الأخيرة قد شهدت تحولًا نحو التهدئة وإعادة تنظيم العلاقات الإقليمية المصرية التركية، إلا أن مصادقة مجلس النواب الليبي (في الشرق) على اتفاقية تحديد مناطق الصلاحية البحرية مع تركيا شكلت تحولًا مفصليًا في مشهد الجيوسياسية بشرق المتوسط؛ إذ ألغت قرار الرفض الصادر عنها عام 2020، لتضفي مشروعية تشريعية ليبية داخلية على مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر 2019.

ويستند موقف تركيا إلى معارضة ما سبق من اتفاقيات ثنائية وثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، إلى مقاربة قانونية وسياسية خاصة بها في تفسير حقوق الجزر البحرية، حيث ترفض أنقرة منح الجزر (مثل جزيرة كريت والروذس وخاصة جزيرة كاستيلوريزو اليونانية الصغيرة) جرفًا قاريًا كبيرًا أو منطقة اقتصادية خالصة كاملة، بحجة أن ذلك يظلم الدول ذات السواحل القارية الطويلة كتركيا ويحصرها في شريط ساحلي ضيق. كما تؤكد تركيا عدم اعترافها بالحكومة القبرصية اليونانية كممثل شرعي للجزيرة بأكملها، وتعتبر الاتفاقية القبرصية-المصرية (2003) باطلة لأنها تتجاهل حقوق الشطر الشمالي للقبارصة الأتراك في الثروات الهيدروكربونية.

وإذا كان الموقف التركي وتقلباته الجيوسياسية متوقعًا إلى حد ما، فإن موقف البرلمان في الشرق الليبي يثير الدهشة في ضوء مساندة مصر لحكومة حفتر وبرلمان شرق ليبيا، تلك المساندة التي لم تسفر مع الأسف عن حدوث تشاور بين الجانبين الليبي والمصري من أجل دراسة هذه الخطوة التي تمس بمصالح مصر الاقتصادية والأمنية والعسكرية في المقام الأول.

إن هذه المصادقة تفرض واقعًا متجددًا في شرق المتوسط يعيد اختبار مسار التهدئة المصري-التركي؛ فبينما تحرص القاهرة على استقرار العلاقات الثنائية والشرق الليبي، يظل الخط الأحمر المصري متمثلًا في رفض أي ترتيبات أحادية تمس حقوقها الاقتصادية والسيادية في مياهها الخالصة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع