إعلان

عندما يتحدث الحرس الثوري الإيراني عن سيناء!

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 25 أكتوبر 2026

في 19 أكتوبر الحالي، نشر العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، تصريحًا عبر منصة "إكس" حذّر فيه من أن أي استهداف إسرائيلي للبنية التحتية للطاقة في إيران سيؤدي إلى تحويل "الأراضي المحتلة إلى أرض محروقة إلى الأبد"، وسيجعل "مغتصبيها مشرّدين في صحراء سيناء".

جاء التصريح في سياق تصاعد التهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب بشأن احتمالات استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الاستراتيجية لدى الطرفين.

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد تهديد جديد يندرج ضمن الخطاب التصعيدي المعتاد بين إيران وإسرائيل. غير أن التدقيق في صياغة الرسالة يكشف أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام ليس التهديد ذاته، بل الجغرافيا التي استُدعيت في سياقه...!

فثمة فرق كبير بين أن يقول مسؤول إيراني إن بلاده ستدمر إسرائيل أو تلحق بها خسائر فادحة، وبين أن يتحدث عن دفع الإسرائيليين نحو صحراء سيناء. ففي الحالة الأولى يبقى الخطاب محصورًا في إطار المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، أما في الحالة الثانية فإن سيناء تظهر بوصفها جزءًا من تصور يتعلق بمآلات الصراع، رغم أن مصر ليست طرفًا مباشرًا فيه.

من هذه الزاوية تحديدًا تكتسب الإشارة إلى سيناء أهميتها السياسية. صحيح أن التصريح لا يرقى (بالمعنى الأمني والعسكري المباشر) إلى مستوى التهديد المباشر لمصر، ولا توجد مؤشرات تدفع إلى اعتباره إعلانًا عن نوايا إيرانية تجاه الأراضي المصرية. لكنه في الوقت نفسه يحمل إيحاءً ضمنيًا غير مريح يتمثل في إدراج سيناء ضمن مشهد الصراع الإقليمي ونتائجه المحتملة، وهو ما يستحق التوقف عنده وتحليله.

****

سيناء ليست اسمًا عابرًا في الذاكرة الأمنية

تزداد أهمية هذا الاستدعاء إذا ما وُضع في سياقه التاريخي. فسيناء ليست مجرد مساحة جغرافية مجاورة لغزة ولإسرائيل، بل منطقة ارتبطت خلال العقدين الماضيين بملفات أمنية معقدة، وتحمل إرثًا طويلًا من التفاعلات الأمنية المرتبطة بمحاولات الحرس الثوري توظيف الورقة الفلسطينية لصالح الاجندة الإقليمية لإيران، منذ أن سيطرت حماس على غزة عام 2007.

وفي هذا السياق تبرز قضية سامي شهاب، المعروفة إعلاميًا باسم "خلية حزب الله" عام 2009، باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي كشفت طبيعة الاهتمام التنظيمي الذي أولته شبكات مرتبطة بمحور إيران للساحة المصرية. وبحكم متابعة هذا الملف منذ سنوات طويلة، فإن القضية بدت أكثر تعقيدًا بكثير من الرواية التي جرى تداولها آنذاك، والتي حصرت نشاط الشبكة في دعم المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة. فبحسب ما أُعلن في حينه، ضمت القضية 26 متهمًا من جنسيات مختلفة، بينهم 18 مصريًا و5 فلسطينيين ولبنانيان وسوداني واحد. غير أن الأهمية الحقيقية للقضية لم تكن في عدد المتهمين، وإنما في البنية التنظيمية التي كشفت عنها. لأن سامي شهاب، واسمه الحقيقي محمد يوسف منصور، لم يكن سوى قائد ميداني للشبكة. أما الشخصية الأكثر أهمية في الملف فكانت القيادي في فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني محمد قبلان، الذي كان يشغل آنذاك منصب "رئيس قسم مصر" داخل وحدة "دول الطوق" التابعة لحزب الله.

تكمن دلالة هذه المعلومة في أنها تكشف أن مصر لم تكن تُعامل باعتبارها مجرد ممر لوجستي مرتبط بغزة، بل باعتبارها ملفًا مستقلاً داخل هيكل تنظيمي متخصص يتابع ساحات بعينها في الإقليم. كما أن وجود موقع تنظيمي يحمل اسم "قسم مصر" يعكس درجة من الاهتمام المؤسسي بالساحة المصرية تتجاوز كثيرًا الصورة التي اختزلت القضية في بعدها الفلسطيني. وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى طبيعة المهام المنسوبة للشبكة آنذاك، والتي شملت جمع معلومات عن حركة السفن والبوارج العابرة لقناة السويس، ورصد منشآت ومواقع سياحية في سيناء، ومراقبة أهداف مرتبطة بالسياح الأجانب، فضلًا عن اتهامات تتعلق بتصنيع وتخزين متفجرات وتهريب أفراد ومعدات إلى قطاع غزة.

لهذا السبب يصعب النظر إلى قضية سامي شهاب باعتبارها مجرد حادثة أمنية تنتمي إلى الماضي، إذ إنها تمثل واحدة من الحالات النادرة التي كشفت بصورة مباشرة حجم التشابك بين الملف المصري وبعض الشبكات المرتبطة بمحور إيران خلال تلك المرحلة.

****

من أيمن نوفل إلى الكوماندوز البحري للقسام

لم تكن قضية سامي شهاب حالة منفصلة عن سياق أوسع. فقبلها بفترة قصيرة ألقت السلطات المصرية القبض على القيادي الراحل في حركة حماس أيمن نوفل بعد تسلله إلى سيناء عبر الأنفاق، وسط اتهامات بمحاولة إنشاء مخازن سلاح وشبكات دعم داخل شمال سيناء. وامتدادا لهذه الخلايا (وثيقة الصلة بالحرس الثوري) جرى ضبط أربعة من الجناح العسكري لحماس (تابعين لوحدة الكوماندوز البحري للقسام) في داخل سيناء، في أغسطس 2015، وكانوا في طريقهم إلى الخارج للالتحاق بأفراد تابعين للحرس الثوري في لبنان. وقد عكست هذه الواقعة استمرار بعض مسارات الارتباط بين فصائل غزة والبنية الإقليمية التي تقودها إيران، حتى وإن اختلفت الظروف والسياقات من مرحلة إلى أخرى.

ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟

استدعاء هذه السوابق التاريخية لا يعني القفز إلى استنتاج مفاده أن تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري بشأن سيناء يُعد مؤشرًا على تحرك إيراني وشيك في سيناء. فالأرجح أن الرسالة الأساسية ما زالت موجهة إلى إسرائيل. لكن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم أن سيناء كانت تُذكر قبل سبعة عشر عامًا في سياق التهريب والدعم اللوجستي وارتباطات غزة الأمنية، بينما يجري استدعاؤها اليوم في سياق إقليمي مختلف تمامًا ويرتبط بأمرين: أولهما، مستقبل قطاع غزة وترتيبات ما بعد الحرب وسيناريوهات تهجير سكانها إلى سيناء، وفقا لخطاب ورؤى قوى اليمين الإسرائيلي. وثانيهما، الصراع "الإيراني – الإسرائيلي"، وتهديد إيران بتحويل "الأراضي المحتلة إلى أرض محروقة قاحلة، ومن ثم تهجير سكان إسرائيل إلى صحراء سيناء، وفقا لتهديد المتحدث باسم الحرس الثوري.

*****

دون تهويل أو تهوين

القراءة الأكثر توازنًا لا تذهب إلى اعتبار التصريح مؤشرًا على نوايا إيرانية مؤكدة تجاه سيناء، لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل دلالته السياسية... فمجرد عودة سيناء إلى الظهور داخل الخطاب المرتبط بالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية يمثل تطورًا يستحق الرصد والتحليل والمتابعة الدقيقة، خصوصًا في لحظة إقليمية تتداخل فيها خرائط الحرب مع خرائط الجغرافيا وتصورات التهجير ومستقبل غزة. وفي السياق نفسه، فإن الدلالة الأهم في هذا الخطاب الإيراني ليس تهديد مصر بشكل مباشر، بل الإشارة الضمنية بأن سيناء أصبحت جزءًا من المخيال الاستراتيجي للصراع الإقليمي، وأن أي حديث عن مستقبل إسرائيل أو غزة بات يستحضر مصر حتى عندما تكون الرسالة موجهة إلى إسرائيل لا إلى القاهرة. وهذه بحد ذاتها إشارة تستحق المتابعة.

باختصار، الخطاب يبدو لافتا جدا لأن بعض الإشارات قد لا تكون حدثًا بحد ذاتها، لكنها تكشف عن الطريقة التي تنظر بها القوى الإقليمية إلى ساحات الصراع المحتملة في المستقبل.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع