إعلان

الأمازيغ والبجا في مصر

د. ياسر ثابت

الأمازيغ والبجا في مصر

د. ياسر ثابت
07:41 م السبت 31 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

في كتابها «الأمازيغ والبجا في مصر: حكايات الهوية والفولكلور» (دار المحرر، 2026)، تستكمل الباحثة د. إسراء عصام مشروعها الطموح في الاهتمام بالمكان وعلاقة البشر بالجغرافيا، في مزيج يجمع بين الحقل الجغرافي، والاجتماعي والأنثروبولوجي. تقدم د. إسراء حالة تطواف معرفي حول جزء أصيل من تاريخ مصر الذي يبدو منسيا، ومهمشا، تكشف فيه تفاصيل حياة هذه المجتمعات بدءا من الزي وصولا إلى اللغة التي تحمل خصوصية لهذه المجتمعات.

تدرس المؤلفة تفاصيل حياة قبائل الأمازيغ والبجا في مصر، انطلاقا من أن دراسة عادات وتقاليد ونمط حياة الأقليات العرقية لا تعد مجرد محاولة لتوثيق مظاهر من الحياة اليومية أو التنوع الظاهري، بل هي في حقيقتها نافذة لفهم أعمق لآليات تشكل الهوية في المجتمعات المتعددة.

يتناول الكتاب عادات وتقاليد الأمازيغ والبجا في مصر، لا بوصفها مجرد تفاصيل محلية تخص مجموعتين منعزلتين، بل باعتبارها مفاتيح تكشف طبقات أكثر عمقا وخصوصية في هوية هذا البلد.

يعد هذا الاختيار محاولة أولى لتوثيق جانب من التراث والهوية المصرية، ومنظومة العادات والتقاليد التي كثيرا ما تدفع إلى الهامش. وعبر 286 صفحة من القطع المتوسط، توضح المؤلفة أن التنوع الثقافي والحضاري في مصر، الذي يوصف عادة بأنه تحد، لم يكن يوما مصدرًا للفرقة والانقسام كما يروج أحيانا، بل كان على الدوام مصدرا للثراء ومنبعا للتعددية التي شكلت وجدان مصر وهويتها المركبة. فمن النوبيين إلى الأمازيغ، ومن البجا إلى الغجر، وانتهاء بالكرد والأرمن، تداخلت الأعراف واللغات والطقوس والعادات، وأسهمت جميعها في تشكيل ملامح الهوية المصرية الحديثة (ص 9).

تستعين المؤلفة باقتباس للعالم الهندي البريطاني هومي بابا في كتاب «موقع الثقافة» The Location of Culture يقول فيه:

«الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل هي موقع تفاوض مستمر، وهذا الفضاء الثالث هو مجال إمكانات جديدة للتعايش والتفاعل».

وترى أن تجاوز الإرث لا يعني نسيان الهوية، بل يعني إعادة إنتاجها في ضوء ورحابة أكثر إنسانية، تسمح بالتجاور، لا الإزاحة؛ وبالانتماء التشاركي، لا التنافسي (ص 29).

من أقصى الجنوب الشرقي إلى أقصى الشمال الغربي المصري، يوثق هذا الكتاب ملامح من التنوع الثقافي المصري من خلال مجتمعين مميزين أولهما «البجا» في حلايب وشلاتين وأبو رماد؛ حيث يبرز النظام القبلي، والعادات الاجتماعية، واللغة البجاوية، وأنماط المعيشة، والطقوس المرتبطة بالصحراء والبحر. وثانيهما «الأمازيغ» في واحة سيوة؛ حيث الأصول الأمازيغية واللغة المحلية، والاحتفالات الشعبية، والعادات الزراعية والصناعات اليدوية، وأطباق الطعام التقليدية المميزة، والملابس والمظاهر الحياتية اليومية.

يقوم الكتاب على الملاحظات الميدانية، والشهادات الشفهية، وتجارب الكاتبة المباشرة، ليعرض صورة موثقة للعادات والتقاليد، ويؤكد أن التنوع الثقافي المصري يمتد إلى المجتمعات الحدودية والنائية، كما أنه كتاب عن البشر قبل أن يكون عن الموروث، وعن الهوية بوصفها نسيجا حيا؛ لذا اختلفت طبيعة السرد في كلا المجتمعين باختلاف مكوناتهما وعناصرهما الأساسية؛ فجاء العرض أقرب إلى مرجع إنساني أدبي يعكس صوت الناس وحكاياتهم، أكثر منه دراسة أكاديمية جافة.

فضلت الباحثة البدء بدراسة المجتمعات الصحراوية لما تحمله من خصوصية مميزة، ولما تتركه الصحراء، دونا عن أي بيئة أخرى، من طباع وخصال عميقة في نفس الإنسان، وفي علاقته بالمكان، وبالزمن، وبالآخر. وتقول د. إسراء عصام إنها اختارت مجتمع البجا (الفرع المصري منه) «لأنه يواجه -بكل صبر وقوة- التحديات الجمة على أرضه في منطقة حلايب وشلاتين المصرية التابعة لمحافظة البحر الأحمر، بداية من الفقر وصعوبات الحياة التي تفرضها طبيعة الصحراء، وإلى محاولات مستمرة لسرقة الهوية والأرض من قبل أطراف أخرى» (ص 23).

هذا البعد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا في حالة مجتمع البجا، الذي يعتبر أكثر تحفظا وخصوصية وانعزالا مقارنة بالمجتمع السيوي، نتيجة انقسامات الهوية التي يعيشها بين ما هو مصري وما هو سوداني، وبين صراعات أحقية الأرض.

ويبدو أن الهدف الأعمق من هذا الكتاب هو محاولة تجاوز الإنسان لفكرة الجغرافيا الصلبة، والانطلاق من تصور أوسع للهوية، يرى أن المرء -مهما اختلفت هويته، ومهما مال وجدانيا أو سياسيا إلى هذه الكفة أو تلك- يظل حاملا لإنسانية واحدة، قادرة على الالتقاء مع الآخر عند نقاط ضوء مشتركة، تتجاوز الحدود والخطوط المرسومة على الخرائط.

تشكل البجا إحدى المجموعات العرقية الأصيلة في شمال شرق إفريقيا، وتتألف من عدة قبائل تتوزع جغرافيا بين ثلاث دول هي السودان، وإريتريا، ومصر. وعلى الرغم من أن موطنهم الأصلي يتمركز في شرق السودان، فإنهم يسكنون أيضا المناطق الحدودية في مصر، لا سيما في حلايب وشلاتين، فضلا عن وجودهم في بعض محافظات الصعيد الجنوبي مثل قنا، والأقصر وأسوان. كما يشكلون جزءا من النسيج العرقي لإريتريا، حيث يستقر عدد منهم في المناطق المتاخمة للسودان (ص 39).

كل قبيلة من قبائل البجا، مثل الهدندوة والعبابدة والبشاريين، لها شيخ يعرف بـ«الناظر» أو «العمدة»، وكما يطلقون عليه بلهجتهم المحلية «شيخ المشايخ» أو «شيخ الشيوخ»، وهو المسؤول عن تطبيق الأعراف والتقاليد، وفض المنازعات، وضمان التزام الفرد بالقيم المجتمعية (ص 55).

لا تغفل المؤلفة منظومة العادات والتقاليد لدى البجا، وتبدأ من باب الطعام والشراب، وتتناول اهتمامهم بشرب القهوة، وتعرف باسم «الجبنة» في اللهجة البجاوية (ص 94-95)، وتشرح طريقة إعدادها عبر طقس خاص يعبر عن امتداد تراثي سوداني إريتري (ص 95)، كما يفضلون تناول لبن الماعز والإبل (ص 99). أما أطباقهم الشعبية فمن أشهرها أكلة «السلات»، ويتم تحضيرها عادة من لحم الضأن (ص 102). وتأتي «العصيدة» في المركز الثاني كواحدة من الأطعمة الشعبية في الثقافة البجاوية (ص 104).

تتبادل النساء الزيارات في إطار ما يعرف باسم «الوناسة»، وهو اسم مشتق من الأنس والونس. أما مجالس الرجال فهي غالبا ما تتم في الاستراحات والدكك التي تقام بجوار الأسواق أو على أطراف المنازل (ص 119). وتفرد المؤلفة جزءا من كتابها للحديث بالتفصيل عن أزياء الرجال والنساء في قبائل البجا؛ إذ تتسم ملابس الرجال باللون الأبيض الناصع أو البيج الفاتح، في حين تتميز ملابس النساء بألوانها المبهجة الصارخة (ص 134).

في المقابل، تشير د. إسراء عصام إلى أن المجتمع السيوي يعد أكثر انفتاحا على الآخر، وهو انفتاح يمكن تفسيره بالكثير من العوامل، من بينها عوامل جغرافية في المقام الأول، كالجوار المشترك مع مناطق حضرية، من بينها مدينة مرسى مطروح. هذا الجوار، وإن تخللته في بعض الفترات نزاعات قبلية بين البدو من جهة، وبين عشائر وعائلات سيوة من جهة أخرى، إلا أنه أسهم في خلق مزيد من التداخل الثقافي المشترك داخل المجتمع السيوي.

انفتاح تجلى في المصاهرة والنسب بين العائلات البدوية والعائلات الأمازيغية، كما تجلى في قيام أنماط من التجارة المشتركة بين الطرفين.

وقد وفد الأمازيغ إلى الصحراء الغربية، وتحديدا واحة سيوة التابعة إداريا لمحافظة مرسى مطروح، منذ عصور قديمة، كان من أبرزها العصر الفاطمي، حيث استقروا هناك وشكلوا مجتمعا منغلقا نسبيا يعيش في معزل ثقافي عن باقي المدن المصرية، محافظين على لغتهم الأمازيغية وتقاليدهم الخاصة (ص 161). بصورة عامة، يعد السكان الأصليون لواحة سيوة فرعا من إحدى قبائل زناتة الأمازيغية، الذين استوطنوا المنطقة منذ قرون. ربما يكون اسم القبيلة الرئيسة التي تسكن سيوة اليوم، «ظناين»، تحريفا لغويا لاسم قبيلة «زناتة» التي ما زالت موجودة في ليبيا ومناطق متعددة من شمال إفريقيا، وتتحدث بلهجة أمازيغية تكاد تتطابق مع لهجة سكان سيوة المعاصرين (ص 163).

ونتيجة للانقسام التاريخي والثقافي الذي نشأ بين الروافد البشرية التي أسست المجتمع السيوي، فقد انقسمت القبائل السبع المؤسسة إلى مجموعتين: الشرقيين، وهم قبائل الظناين، والعدادسة والحدادين؛ والغربيين، وهم قبائل أولاد موسى، والسراحنة والبعاونة.

ومع مرور الزمن، تكاثرت هذه القبائل وتفرعت منها عائلات حملت أسماء جديدة. فمن قبيلة العدادسة تفرعت عائلات: الحمودات، والشرامطة، والجواسيس؛ أما قبيلة الظناين فقد خرج منها: الحمادات، والعوران، والهبيرات، والعوينات؛ في حين تفرعت عن قبيلة الحدادين كل من: المخايف، والزعيقات والمتانين، ويعرفون أيضا باسم العساكرة (ص 172).

تتقن المؤلفة شرح ملامح الحياة والعيش في سيوة، وتنقل للقارئ بتفاصيل دقيقة صورا من الحياة الاجتماعية السيوية الحديثة، مشيرة إلى حدوث تغيرات في نظرة المجتمع السيوي إلى عادات وتقاليد الزواج (ص 266) من جهة، وأيضا النظرة إلى الطلاق من جهة أخرى (ص 267).

هذه الحقائق والحيوات والحكايات في مناطق الأمازيغ والبجا في مصر، تفتح نافذة جديدة للقارئ على جوهر الثقافة المتنوعة في مصر الثرية بأهلها.

إعلان

إعلان