إعلان

الفريد.. سيرة قلب جريح

د. ياسر ثابت

الفريد.. سيرة قلب جريح

د. ياسر ثابت
07:00 م الجمعة 30 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

عاش فريد الأطرش حياته الغنية على الهواء مباشرة.

لم يسعَ هذا الفنان يومًا إلى فرض أي نوع من الخصوصية أو السرية على علاقاته الإنسانية والعاطفية، أو حتى خطواته الفنية المستقبلية. اختار أن يظل كتابًا مفتوحًا، تمامًا مثل باب بيته الذي كان أشبه بـ«دوَّار العمدة»، لا يُغلق أبدًا في وجه أحد، الكل مدعو إلى مائدته العامرة طوال الوقت بكل ما لذ وطاب من الطعام المغموس بالمحبة والكرم.

متى يُلحِّن فريد الأطرش؟

سؤال أثاره الموسيقار محمد عبد الوهاب، حين لاحظ الإنتاج الفني الغزير لفريد، الذي عاش حياة صاخبة لا تخلو من السهر والرفاق. الإجابة المثالية هي: الموهبة الاستثنائية التي امتلكها فريد كفنان يتقن التلحين والعزف والغناء.

عن هذه الموهبة ومراحل تطورها وأهم الأسماء التي ارتبطت بها، جاء كتاب الباحث محمد جلال فرج «الفريد: سيرة قلب» (المحرر، 2026)، ليقدِّم عبر 376 صفحة صورة مقربة لهذا الفنان ودراما حياته.

في الباب الأول من الكتاب بعنوان «سنوات الصبر والفرج»، نتابع الخطوات الأولى لذلك الطفل الذي جاء مُلتحفًا برداء أمه علياء المنذر ومُستدفئًا بأخيه فؤاد وأخته آمال، هاربين جميعًا من الوطن المضطرب.

يجد المكروب دائمًا داخل القاهرة بابًا يلوذ به ويدًا حانية تُربت على كتفه المرتعش.

لذلك كان قرار الأم علياء المنذر، التي لم تكن زارت مصر قبل ذلك، هو الذهاب لتلك الأرض السحرية، وكانت قد قرأت كثيرًا عن ثورتها الملهمة التي هزت أركان الاحتلال الإنجليزي قبل أربع سنوات، والتي سيخلدها التاريخ باسم ثورة 1919.

ومن المصادفات الجيدة أن سعد زغلول، قائد تلك الثورة الشعبية والرجل الأول عند المصريين حينها، كان صديقًا وداعمًا لقائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش، وهو الأمر الذي شجع الأميرة علياء وحسم قرارها بأن تكون مصر هي وجهة هروبها مع أطفالها، حين كان الليل يرخي أستاره على بيروت الباردة.

علياء المنذر قدرت أيضًا أن مصر بعيدة عن النفوذ الفرنسي الذي يريد البطش بأسرتها الصغيرة، التي هي أسرة فهد باشا الأطرش أيضًا. ولم تمر الساعة حتى كان فرمان الأم القوية قيد التنفيذ، وحُزمت الأمتعة القليلة ريثما يحضر هذا الملاك المجهول الذي جاء يُحذِّرهم بعربة تجرها خيول لتقلهم إلى حيفا، حيث محطة القطار الذي ستُلقي داخله بمستقبلها ومستقبل أولادها.

نطالع في هذا الباب أيضًا بعضًا من سيرة شقيقته أسمهان.

فقد شهد عام 1939 نقلة نوعية في حياة فريد الأطرش الفنية، وهو العام الذي عادت فيه آمال، أو إيملي، التي صارت بفعل الأقدار «أسمهان»، من زيجتها الأولى من ابن عمها حسن الأطرش، والتي قضت فيها ما يقرب من ست سنوات في الشام بين جبل الدروز وبيروت، وانقطعت فيها أسمهان فنيًا تقريبًا عن عاصمة الفن القاهرة، إلا من زيارات متقطعة، عاشت خلالها في ثوب الأميرة آمال الأطرش بكل ما حمله هذا الثوب من قيود منافية تمامًا لطبيعتها المتمردة المتحررة.

عاشت آمال تلك السنوات الثقال بالطول والعرض، ودخلت في خلافات لا حصر لها مع الزوج المحب والأخ الأكبر القاسي، حتى وصلت العقدة إلى ذروتها، وعادت أسمهان حرة طليقة إلى القاهرة، أو بالأحرى إلى الأخ الحبيب رفيق الأحلام «فريد».

والحق أن أسمهان بشخصيتها المتقلبة غريبة الأطوار جلبت على فريد كثيرًا من المشكلات والمواجهات، لا يُفضِّلها فريد، خاصة مع أخيه فؤاد، الذي كان دائم القسوة عليها، خاصة بعد طلاقها غير المبرر من الأمير حسن الأطرش وعودتها إلى حياة اللهو والسهر في ليل القاهرة العامر.

وعن تلك العلاقة الشائكة يحكي محمد التابعي، حيث كان أكثر من اقترب من أسمهان إنسانيًا بعد عودتها عام 1939، فيقول إن أسمهان كانت تخاف من أخيها فؤاد، لكن لا تحبه، بعكس شقيقها فريد الذي كانت تحبه وتحترمه، وبين الاثنين، فريد وأسمهان، صداقة قبل أن تكون هناك أخوة.

وكانت أسمهان تلجأ إلى فريد كلما ضاقت بها الدنيا، وتبكي على صدره وتشكو له سرها، بل وتبوح له بما تخشى أن تبوح به لأمها أو لشقيقها فؤاد.

وكان فريد في المقابل يفهم أسمهان من نظرة عين، ودائمًا يستوعب شططها وميلها للتمرد الغارق في الأخطاء الجسيمة، ويبرر ذلك بمنتهى الهدوء والحكمة:

إنها فنانة، وأنا أفهمها لأنني فنان.

يحمل الباب الثاني من الكتاب، تحت عنوان «سنوات الحُب والجرح»، ثلاث تجارب حياتية عاشها فريد كان لها أكبر الأثر النفسي والإنساني عليه، وكان في كل تجربة منها يخرج خاسرًا مخذولًا، لكنه في الواقع اكتسب زخمًا عاطفيًا ملأ جعبة إبداعه، ومشاعر كانت وقودًا لأعذب الألحان والتجارب السينمائية الموسيقية. أما بطلات فصول هذا الباب فهن سامية جمال والملكة ناريمان وشادية.

يحكي لنا الكتاب عن زينب خليل إبراهيم محفوظ، بنت مراهقة قليلة الحظ، تعيش في كنف أب وزوجة أخرى غير أمها. تقيم في بلدة صغيرة جنوبي القاهرة اسمها بني سويف في ثلاثينيات القرن العشرين.

كل آيات الإقصاء والتهميش كانت متوفرة لديها لتعيش في الظل إلى الأبد، وإذا أضفنا إلى ذلك مرارة العيش مع زوجة أب قاسية، فإن هذا يزيد العزلة والانزواء على الفتاة المراهقة.

لكن الأقدار بعثت للبنت الضعيفة موجات الراديو لتؤنس وحدتها، حيث دشنت قبل شهور الإذاعة المصرية الرسمية في 31 مايو 1934، وبدأ ذلك الجهاز السحري يتنشر داخل البيوت في بر مصر شمالًا وجنوبًا.

من بين المحظوظين الذين امتلكوا هذا الجهاز جار طيب لبيت «خليل»، أبو زينب، في بني سويف.

ظلت الصغيرة تتلقف الأصوات المتسللة من بيت الجار، وفيها من الأنغام الجميلة التي تأخذ بيدها لتهرب بخيالها الخصب إلى عوالم أخرى خارج تلك الغرفة المحدودة التي تغلفها قسوة الفقر وتنكيل زوجة الأب.

صار الراديو ملجأها الوحيد لتحتمل تلك الحياة الصعبة، وبدأت تُميز أصوات المطربين والمطربات الخارجة من جهاز الراديو، ووجدت زينب نفسها متعلقة بصوت مطرب واحد أكثر من الباقيين، عرفت بعد ذلك أن اسمه «فريد الأطرش»، ظل هذا الاسم خليلها ورفيقها دون أن تعرف شكله، حتى سافر الجار الطيب صاحب الراديو المنقذ سفرًا بدا أنه طويل.

اشتدت الحياة على البنت الوحيدة، وزادها صعوبة التعامل اليومي مع الأب الغافل والزوجة القاسية، فلم يعد أمام زينب من باب مفتوح غير الهروب، هربت من واقعها الخانق في بلدتها الجنوبية، واتجهت لا إراديًا إلى منبت الأضواء والحياة.. إلى القاهرة.

وهي المدينة التي ستُنسي الفتاة اسم «زينب خليل» إلى الأبد، وتخرج من بين جلدها إنسانة أخرى سيعرفها العالم كله باسم: سامية جمال.

في الباب الثالث، وتحت عنوان «سنوات الأحلام المبتورة»، يحاول المؤلف الإجابة عن السؤال الشائك: هل واجه حقًا فريد الأطرش حربًا ثلاثية في القاهرة بقيادة محمد عبد الوهاب، ومعه أم كلثوم وعبد الحليم حافظ؟

يرتبط هذا السؤال وإجابته بالحقيقة القائلة إن فريد الأطرش عاش ومات وهو يحمل في جنباته رغبة عارمة في أن يُغني هؤلاء الثلاثة تحديدًا لحنًا عليه بصمة فريد، وقد ملأت نداءاته صفحات الجرائد والمجلات، مُطالبًا ومتمنيًا أن تتحقق هذه المعجزة، لكن كل محاولاته في هذا الصدد باءت بالفشل.

ويأتي الباب الرابع «سنوات السلطة والسيطرة» ليلقي الضوء على علاقات فريد مع القادة والزعماء، وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر، وأيضًا علاقته مع السلطة الأخوية المتمثلة في شقيقه الأكبر فؤاد. وينتهي الكتاب بباب أخير عنوانه «دراما المكان والموت - من القصر إلى المقبرة»، يقترب من روح فريد المحبة للقاهرة ورغبته في السكنى والاستقرار، وحكاية عمارة فريد الأطرش وعنوانها 26 شارع النيل، التي ضمت تُحفًا معمارية نفيسة صُنعت على عين فريد.

الحق أن فريد الأطرش امتلك قلبًا نقيًا لا يترك داخله أي شيء يشوب نقاءه، مهما كان، يبعث بما لديه مباشرة إلى اللسان، ليؤدي عمله في التعبير عما يختزنه القلب. وهذه الصفة، على قدر ما تحمله من براءة وطيبة، سببت له الكثير من المشكلات التي أرَّقته وسحبت الطمأنينة من سريرته في كثير من الأحيان، ولو كان لديه القليل من الخبث الاجتماعي المطلوب، لربما تغيرت منعطفات كثيرة في حياته الفنية والإنسانية، وتغيرت معها مصائر وحياة آخرين ارتبطوا شرطيًا به.

امتلك أيضًا قلبًا عليلًا في جل مراحل عمره، لكنه كان قلبًا زاخرًا بمنسوب هائل من النبل والطيبة الصافية التي تجعل وجوده في حياة كل من عرفه علامة فارقة، إنسانيًا وفنيًا، ناهيك بالطبع عن جمهوره الذي ارتبط به بشكل فريد فعلًا، فجمهور الموسيقار الحزين حمل جينات جمهور الكرة، شديد التعصب لكل ما هو «فريدي»، مدافع شرس عنه ضد أي شخص يرى أنه أساء لذكراه، أو حتى كان سببًا في إحساسه بالاضطهاد الفني في حياته، حتى لو كان هذا الشخص اسمه محمد عبد الوهاب أو أم كلثوم أو عبد الحليم.

لذلك فإن «سيرة قلب» هو الوصف الأمثل والأقرب لهذا الكتاب الذي يُنقب داخل عالم إنساني فريد من نوعه.. وهو عالم فريد الأطرش.

إعلان

إعلان