إعلان

الحرب على الموارد (٢)

د.غادة موسى

الحرب على الموارد (٢)

د. غادة موسى

أستاذ مساعد - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة 

07:05 م السبت 17 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

قام العالم الغربي منذ القرن التاسع عشر وبأسلوب "شبه مؤسسي" بالاتفاق على تقسيم موارد العالم وممراته. وكان مؤتمر برلين الذي عقد في الفترة من ١٨٨٤-١٨٨٥ أول اتفاق بين القوى الغربية الكبرى – بقيادة ألمانيا – على تقسيم موارد العالم باستخدام القوة والعنف، خاصة عقب الحروب القومية التي خاضتها دول مثل ألمانيا وإيطاليا وكبدتها خسائر هائلة. ومما يلفت النظر أن تلك القوى اعتبرت موارد العالم، وبصفة خاصة موارد قارة أفريقيا، مستباحة. حيث سارعت كل دولة للحصول على نصيب في إحدى أو بعض الدول الأفريقية، وفي مقدمتها الكونغو. لذلك يعتبر مؤتمر برلين محطة فارقة ليس فقط في التاريخ الأوروبي، ولكن في تاريخ القارة الأفريقية بالأساس.

ويمكن القول إن مؤتمر برلين هو أول مؤتمر يرسم خريطة العالم الجديد ويعطي الممارسات الاستعمارية مشروعيتها. أما الدول الأفريقية والعربية فقد أطلقت عليه "مؤتمر التكالب الاستعماري" على القارة الأفريقية، أو مؤتمر "بعثرة" أفريقيا. حيث لم تراع الدول الغربية الاعتبارات الإثنية والعرقية وطرق التجارة البينية للقبائل الأفريقية، وشرعت في تقسيم القارة بشكل عشوائي مجحف تسبب في نشوب صراعات ممتدة حتى يومنا هذا بين الدول الأفريقية من أجل استعادة سيطرتها على الموارد الطبيعية التي قسمتها الحدود العشوائية. وتجدر الإشارة إلى أن الاستعمار لم يعبأ يوما بخطورة وتداعيات تلك الحروب طالما تمكنه من الهيمنة على تلك الموارد الطبيعية. بل قام الاستعمار بعقد تحالفات بين بعض رؤساء القبائل آنذاك مقابل منافع ومزايا مادية ومعنوية حصلت عليها تلك القبائل. وبالتالي تمكن الاستعمار من خلق روابط وحلقات قبلية تضمن له استدامة نفوذه السياسي والاقتصادي والتجاري على أرض القارة الأفريقية.

وبذلك تمكنت الدول الأوروبية القومية من الاستيلاء على موارد طبيعية هامة مثل الذهب واليورانيوم والماس والنحاس والألومنيوم والفوسفات، مخلفة من ورائها صراعات وحروب دامية في القارة الأفريقية.

وكأن برلين على موعد لتقسيم العالم مرة أخرى، عندما عقد المستشار الألماني "بيسمارك" عام ١٨٧٨ مؤتمر برلين الثاني بمشاركة كل من ألمانيا وروسيا والنمسا والمجر والدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، لتقسيم تركة الدولة العثمانية في منطقة البلقان نظرا لأهميتها الجغرافية والاستراتيجية. كما كان الهدف مراجعة معاهدة سان ستيفانو والبحث في نتائج الحرب الروسية العثمانية. وقد تم الاتفاق على تقليص مساحة بلغاريا وإعلان الاستقلال الرسمي لرومانيا وصربيا والجبل الأسود. كما تم الاتفاق على احتلال النمسا للبوسنة والهرسك واحتلال بريطانيا لقبرص بهدف إضعاف النفوذ الروسي وإنهاء سيطرة الدولة العثمانية على البلقان. وقد أسفرت نتائج هذا المؤتمر عن اندلاع التوترات الداخلية في دول البلقان على مدى مائة عام انتهت بحروب أهلية!

وما أشبه الليلة بالبارحة، ولكن هذه المرة يوجد لاعب غربي واحد لا يقبل تقسيم نفوذ أو موارد مع لاعبين دوليين آخرين. فقد شكل تاريخ التاسع من يناير ٢٠٢٦ نقطة تحول استراتيجية في هندسة أسواق الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط. حيث احتضنت الغرفة الشرقية في البيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية قمة جمعت بين الرئيس الأمريكي "ترامب" مع قادة شركات النفط والغاز الكبرى. وجاء هذا الاجتماع ليتوج العملية العسكرية في فنزويلا في الثالث من يناير، والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي "مادورو". وقد مثل هذا المؤتمر إعلانا عن بدء الإدارة – أي الاستيلاء – الفعلية الأمريكية لنفط وموارد العالم، والإعلان عن السياسة التجارية الأمريكية الجديدة بعنوان Buy American أو "اشترِ الأمريكي". وقد اقتسمت "الوليمة النفطية" كل من شركات شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس. كما قام الرئيس "ترامب" بتحديد معادلة تقسيم العوائد النفطية لتشمل تخصيص مبالغ مالية لإدارة فنزويلا بشكل مؤقت، بالإضافة إلى أرباح وتعويضات الشركات مقابل عملها في الاستخراج والتكرير، ثم الفائض الذي سيذهب للخزانة الأمريكية كتعويض عن التكاليف العسكرية والأمنية في فنزويلا.

ويمكن تسمية هذا المؤتمر بـ"برلين ٣ ناقص الاتحاد الأوروبي"!

لقد أشار الرئيس "ترامب" إلى أن الغرض من وراء الأوامر التنفيذية التي أصدرها هو حماية النفط لصالح الشعبين الفنزويلي والأمريكي! فعائدات النفط الفنزويلية مملوكة سياديا لفنزويلا، ولكن تحت الحصانة الأمريكية. نفس منطق إدارة "بوش" للنفط العراقي! فيسرق السارقون ليلا.. وهذا... يسرق الناس جهرة بالنهار!

إعلان

إعلان