سوسيولوجيا الرجولة
تُعد الدراسات النقدية للرجل والأوجه المتعددة للرجولة حقلًا أكاديميًا حديث العهد نسبيًا في مصر والعالم العربي، في حين تم اعتماده بوصفه قسمًا مستقلًا في المؤسسات الأكاديمية الغربية منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين.
وعلى غرار تزايد الاهتمام في الأعوام الأخيرة الماضية بالمرأة وحقوقها وقضاياها في مجتمعاتنا، ينهض كتاب د. داليا أحمد عبد الرحيم مصطفى "سوسيولوجيا الرجولة: تأملات في مسألة الرجولة وتنشئة الألم" (دار هُن، 2022) على ضرورة الاهتمام أيضًا بقضايا الرجل المصري والعربي، واستجلاء الأطر الاجتماعية- الثقافية لإشكاليات الرجولة وأزماتها، بدءًا بتفكيك مدلولات "الرجولة" كبناء اجتماعي ونتاج ثقافي للتنشئة في الأسرة العربية.
تتحدد طبيعة الدراسة الراهنة بكونها تنتمي إلى الدراسات السوسيو أنثروبولوجية والتربوية، التي تنطلق من اهتمام الكاتبة بالتعرف على مدلولات “الرجولة” العربية وتنوع أنماطها، وتأثير تنشئة الأم في “صناعة الرجل” وفي خلق بعض أزمات الرجولة، وترسيخها للموروث الأبوي وما يمليه من قوالب ذات صلة بالنوع الاجتماعي (الجندر) والأدوار القائمة على نوع الجنس.
وترى الباحثة أن قهر الواقع الاجتماعي للرجال سقط سهوًا من الإسهامات البحثية حول قضايا النوع والمساواة وديناميات السلطة في إطار علاقات النوع، حيث يمكن أن نلمح بوضوح قصورًا في الكشف عن الأوجه المتعددة للرجولة على نحوٍ شامل وموضوعي، خاصة فيما يتصل بالأنماط غير التقليدية واللا مرئية في التراث السائد في مجتمعاتنا (ص 23) .
في الفصل الأول، تناقش د.داليا أحمد عبد الرحيم مصطفى عددًا من القضايا والمفاهيم التي تبدو جديرة بالمزيد من الدراسات المتعمقة مستقبلًا، مع لمحة تعريفية عن الدراسات النقدية للرجل والأوجه المتعددة للرجولة، ونشأتها وتطورها وأهميتها العلمية وأهميتها على مستوى الفرد والمجتمع. وتلقي الباحثة الضوء على مفهوم "الرجولة" باعتباره إشكالية عابرة للتخصصات والثقافات من حيث التعريف وطبيعته كبناء اجتماعي- ثقافي. وتتولى الكاتبة التعريف بالفرق بين "الرجولة" و"الذكورة". كما تتحدَّث عن البناء الاجتماعي للهوية والأدوار الرجولية في ضوء التنشئة الاجتماعية، مع التركيز على تنشئة الأم لأبنائها.
في الفصل الثاني، تتناول الدراسة ما يُطلق عليه "أزمات الرجولة" وإشكالياتها من المنظورين العربي والغربي، وعلى رأسها ما يُعرف "بالرجولة المهيمنة" و"الرجولة السامة" و"الكرب المصاحب للأدوار الرجولية". ويعني مصطلح "الرجولة المهيمنة" الظاهرة التي تتجسّد في الخطابات السائدة التي تقاوم الانفتاح على رؤى مغايرة للواقع الاجتماعي للرجل، فتتجاهل تعددية أنماط الرجولة، بل تفرض نمطًا واحدًا مشروعًا هو المعيار التقليدي الذي يقاس عليه الرجل "المثالي" و"الحقيقي" طبقًا له، بحيث تصبح أي صورة مغايرة له منبوذة اجتماعيًا. ومع مرور الزمن، تحوّل خطاب "الرجولة المهيمنة" في أغلب المجتمعات إلى أمرٍ نافذ التطبيق من منظور العقل الجمعي (ص 42).
أما "الرجولة السامة" أو "الآثار الجانبية للرجولة"، فهي تنشأ بفعل التنشئة الأبوية، حينما تفرض على الرجل اتباع حزمة من توقعات ومعايير "الرجولة المهيمنة". وغالبًا ما يستجيب الرجل -شاء أم أبى- لهذه "الثوابت"، التي وجد عليها آباءه وأقرانه ومن سبقوهم، دون أن يدرك أن يطمس بذلك ذاته الأصيلة.
وتختزل هذه التوقعات معاني الرجولة المقبولة اجتماعيًا في القوة البدنية والفحولة، والرصانة، والجسارة والاستخفاف بالمخاطر، ووصم الضعف والتردد، وتسفيه الافتقار إلى الدعم العاطفي. فالرجل "الحقيقي" طبقًا لهذه القوالب هو المحارب الجَسور، المسيطر، الذي لا يبكي ولا يشكو ولا يهاب الصعاب، وهو الراعي، الواثق، وهو المنافس الشرس، المستقل، الحُر، المتحكم في مصيره (ص 45).
في الوقت ذاته، يستدعي المجتمع والأقران من الرجل مواصفات وهمية بدعوى "الاسترجال" و"الجدعنة"، وما ذلك إلا رجولة مكبلة بتوقعات سامة لا ضير فيها من تحقير الضعفاء أو إيذائهم لئلا يوصف بأنه "عيل" أو "خيخة" أو "ديوث" أو ما شابه ذلك (ص 45).
ونتيجة لما سبق، يقع الرجل في فخ المباهاة بالهوية الرجولية التي تمنحه امتيازات وسلطة ظاهرية وحرية يسوغها لقب "ذَكَر"، على أنه في حقيقة الأمر يفتقر إلى القدرة على إدراك ما تنطوي عليه أنماط "الرجولة السامة" من قهر لذاتِه وللمقربين منه (ص 46).
تقول د.داليا أحمد عبد الرحيم:
"وتنبع محاولات فهم أزمات الرجولة في الأصل من الكثير من القوى والتحديات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، التي شكَّلت حافزًا لاستيعاب المفاهيم التي لم تكن تُعتبر مثيرة للجدل في السابق، إلى أن بدأت البنية التقليدية للهوية الرجاولية في الاهتزاز بشكلٍ ملموس بدءًا من أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لا سيما مع تنامي تأثير الحركات النسوية التي دعت إلى إصلاحٍ شامل لتفكيك التشريعات والأعراف التقليدية المتصلة بالهوية الرجولية واعتبرت أزمة الهوية قوة دافعة نحو التغيير. ومن هنا بدأ النظر إلى البناء التقليدي للرجولة على أنه مشكلة تحتاج إلى إعادة تفكيك وإعادة تفكير" (ص 34-35). الشاهد أن الاهتمام العلمي بإشكاليات الرجولة وأزماتها بدأ مع انشغال عدد من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا بنظرية صراع الأدوار التي يحددها النوع الاجتماعي وبرصد الآثار السلبية عن قولبة الأدوار والسلوكيات المرتبطة بالرجولة والأنوثة. وتوصل هؤلاء إلى أن الرجولة مسألة "مثيرة للقلق" (ص 35).
كما يناقش الفصل الثاني رؤى الرجال والنساء لهذه الأزمات في المجتمعين المصري والعربي، وتأثرها بأنماط التنشئة وبعض الظواهر المعاصرة ذات الخصوصية الاجتماعية والثقافية. ويختتم الفصل بمناقشة ضرورة مراجعة ديناميات التفاعل الاجتماعي وبُنى السلطة القائمة بين الجنسين في مجتمعاتنا، وتفكيك القوالب النمطية المتصلة بأدوار كل من الجنسين. وهنا تقول الباحثة "إن تقيد الرجل بنمط الرجولة المهيمن وأنماط الرجولة السامة يؤدي حتمًا إلى ما يُعرَف بأزمة "الإجهاد الناجم عن الهوية الرجولية" نتيجة للالتزام بتوقعات الدور الرجولي، فتجعله في خوفٍ دائم من الحياد عن صورة "الرجل النموذجي"" (ص 47).
وتشير المؤلفة إلى المخاطر الجسدية الناتجة عن "الكرب المقترن بالتقيد بالدور الرجولي النموذجي"، فتقول إن بعض الدراسات أظهرت قِصَر العمر الافتراضي للرجل مقارنة بالمرأة وارتفاع عدد الوفيات المبكرة بين الرجال مقارنة بالنساء. وعلاوة على ذلك، تبيّن أن الرجال يمثلون النسبة الأكبر من ضحايا العنف المُثبت رسميًا، والسجن، والصراعات العنيفة التي تفضي إلى إصاباتٍ جسيمة أو إلى الوفاة. وتبيّن أيضًا أنهم الأكثر إفراطًا في الجنس غير الآمن، والاستنزاف المهلِك burnout بسبب الهوس بالعمل وجمع المال (ص 48).
أما الضغوط النفسية والسلوكية، فتتلخص في صراع الرجل بين الرغبة في الامتثال وتلبية التوقعات من جانب، والحاجة لتحرير "ذاته الأساسية" من جانب آخر. وتتجلى الضغوط النفسية أيضًا في صورة الاكتئاب المزمن، أو اضطراب الكرب التالي للصدمة، أو التراجع في تقدير الذات والخوف من فقد السلطة الذكورية والقدرة على السيطرة، أو فقد الوظيفة أو القوة البدنية أو القدرة الجنسية (ص 49).
في معرِض الحديث عن أزمات الرجولة كما تعكسها تنشئة الأم لأبنائها، جاء الفصل الثالث بعنوان "هذا ما وجدنا عليه أمهاتنا"، ويناقش دور المرأة-الأم وتنشئتها في خلق أزمات الرجولة، فهي من جانبٍ تتفوق على مختلف وسائل التنشئة الأخرى في "تشكيل" الأبناء و"صناعة الرجال"، وهي المصدر الأول للحُب والحماية والإيثار، ولكنها من جانب قد تلعب دورًا خطيرًا في خلق بعض أزمات الرجولة والأنوثة من خلال استغلال الموروث الذي يقدِّس الأمومة ويهمش الأنوثة. ومن البديهي أن يترتب على ذلك توريث القهر الناجم عن النظام الأبوي: قهر المرأة والرجل على السواء وقهر الذات أيضًا.
وفي صدد الحديث عن التماهي بالجاني والتواطؤ على الفئات الأكثر ضعفًا، تؤطر الكاتبة لدور المرأة-الأم في ترسيخ واستنساخ ثقافة القهر، وتطلق على هذه الظاهرة اسم "تأنيث القهر" وهو مصطلح تنفرد به هذه الدراسة، كما أنه مبحث يستحق التأمل ومزيدًا من المساهمات البحثية. كما تنفرد الدراسة بمناقشة مفهوم "اعتناق مقاومة الانعتاق" وتحليل ظاهرة “ميسوجينية” المرأة ضد بنات جنسها" (ص 108-111).
ختامًا، وفي الفصل الرابع من الكتاب، تستعرض د.داليا أحمد عبد الرحيم عددًا من الحلول القابلة للتنفيذ للخروج من أزمات الرجولة بجميع أشكالها، وعلى رأسها استثمار والبناء على المساعي السابقة والمبادرات القائمة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
الجدير بالذكر أن هذا الكتاب مستوحى من رسالة دكتوراه بقلم الكاتبة، حازت على عدد من الجوائز. ويختلف الكتاب في مخاطبته لكل القراء المهتمين بالتنشئة الاجتماعية وقضايا النوع (الجندر) وما يرتبط بها من ظواهر معاصرة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع