إعلان

مآلات الرأي.. وتطور الأفكار

الكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت

مآلات الرأي.. وتطور الأفكار

د. ياسر ثابت
07:06 م الأحد 26 فبراير 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

للفكر قوانين تتحكم في مساره وتوجه تياره، بحيث يمكننا أن نتصور نظامًا عامًا يخضع له في تطوره باعتباره نشاطًا نفسيًا من ناحية، وظاهرة اجتماعية تتفاعل فيها الآراء بعضها مع بعض وكذلك مع عناصر بيئتها بمعطياتها المتنوعة، من ناحية أخرى.

ولعل من القوانين المهمة للفكر ما يمكن تسميته "مآلات الرأي"، وهو أن الرأي لا يتوقف عند ذاته عادة، بل يتجاوزها فيكون مفتتحًا لرأي، أو جملة من الآراء، قد لا تكون متفقة معه، ولكنها مآله ونتيجته في كل حال.

وإذا كان التفكير ظاهرة إنسانية، فإن التفاعل الاجتماعي بين البشر والطبيعة النفسية للإنسان يحصران "مآلات الرأي" بينهما، بحيث يمكننا أن نعد تفاعل النفس جملة مع عناصر ثقافتها وواقعها هي المنتجة للرأي، ومن جهة ثانية يوفر التفاعل الاجتماعي مسارات يمر فيها الفكر، وينتج عن احتكاك العقول -أو الأفكار- بعضها ببعض ولادة أفكار جديدة في العادة.

من هنا تأتي أهمية كتاب د.نبيل فولي محمد الذي يحمل عنوان "علم الكلام: قضايا وشخصيات" (المحرر، 2023).

يتناول هذا الكتاب عبر ستة فصول مجموعة من القضايا الكلامية مثارةً في سياقات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتتفق في بحثها في عالم الأفكار وتطوراته وسياقاته، حيث تلتحم سيرة العالم والمفكر بالحياة والمجتمع والأفكار؛ يأخذ منها ويعطيها، ويتأثر بها ويؤثر فيها، بل يتأثر بمن لم يجتمع به من أهل زمانه والأزمنة السابقة عليه، ويؤثر فيمن يليه من أهل الأزمان التالية.

أما الشخصيات التي سيلتقي بها القارئ في هذه الصفحات التي تقترب من 240 صفحة؛ فمنهم: أحمد بن حنبل، والحسين الكرابيسي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن عيسى الترمذي، ومحمد بن الحسن بن فورك، وعبد الملك بن عبدالله الجويني، وشمس الدين الذهبي، وتاج الدين السبكي، وفولتير، ومحمد إقبال، وبديع الزمان النورسي، وغيرهم.

في الكتاب الذي بين أيدينا نجد تعريفًا أو تعرفًا على شخصيات بعضها مجهول؛ مثل الكرابيسي، وبعضها مشهور، مثل السبكي والذهبي، ولكن دائمًا نجد إضاءة جديدة تكشف عن جهد مضن بُذِل للوصول لمعلومة جديدة، والأهم أنها توضح كيف رأى الباحث هذه المعلومة من منظور مختلف؛ ينيرها ويجعلنا نفهمها بشكل أعمق وأكثر إفادة.

وفي الكتاب، الذي كتب مقدمته الضافية الباحث الموسوعي د. أسامة القفاش- نلمس اهتمام الباحث بتفنيد تهمة وقوف مفكري الإسلام الأوائل في وجه التجديد، فيقول:

"بل هم من مؤيديه ونصرائه بلا ريب، ولكن تركّز نظرهم فيما يخص الرأي المفرد على ألا يؤدي إلى شر في السلوك أو باطل في الرأي، ولا إلى شغل الناس بما لا عمل وراءه، حتى وإن كان الرأي نفسه صوابًا. وإلا -لو كانوا خصومًا للتجديد- فكيف أبدعوا طرق العلم، ووضعوا أسس البحث في علوم الدين واللغة منذ القرن الثاني، وأضافوا إلى ذلك بقية العلوم في القرون القريبة التالية؟" (ص 13).

يقدم د.نبيل فولي في الكتاب رؤية متطورة تعبِّر عن البحث العلمي عابر الأنساق المعرفية. المقاربة التي يقدمها الباحث في نصوصه المتعددة هي مقاربة عين شغوفة تبحث عما أسماه د.عبد الوهاب المسيري "النموذج المعرفي الأكثر قدرة على التفسير"؛ فعلى سبيل المثال، نجده حين يتحدث عن الحسين الكرابيسي يحاول دائمًا فهم موقف الرجل، وفهم مقاربته للقضية المطروحة، وهي قضية ً "اللفظ بالقرآن"، وأيضًا يحاول أن يفهم موقف الإمام أحمد بن حنبل ورفضه للقضية برمتها؛ ليصل بنا إلى فهم قضية المآلات، فينير الموقف من منظور مختلف تمامًا عن المنظور المتحيز لأي من وجهتي النظر، بل ويساعد الباحث في قضايا أخرى وعلوم مختلفة على فهم النموذج المعرفي المستخدم من خلال فهم أن تحيز الباحث لرأي محدد سيؤدي إلى مآلٍ محدد وربما مآلات أخرى، لكن المآل الأكثر احتمالًا قد يكون مرعبًا بالنسبة لباحث آخر، فالنتيجة هي هذا الاعتراض على طرح المسألة أصلًا.

والمآل قضية كلامية فكرية مهمة تطرح نموذجًا معرفيًا مغايرًا يؤدي مثلًا إلى تغيير رؤيتنا لترجمات كثيرة، ويزيل لبسًا كثيرًا فيما يتعلق بترجمة كلمات مثل Determinism التي عادة ما تترجم بــ"الحتمية"، وفي تقديرنا أن الترجمة الأدق لها هي هذا "المآل".

النموذج المقدم في هذا الكتاب يتيح الفرصة للباحث في علوم أخرى وفنون متعددة للاستفادة والاستزادة. وهكذا هي الحال في باقي فصول الكتاب؛ إذ يقدم الكاتب دائمًا رؤية تضيء قضايا ذات أبعاد متعددة؛ فهو يناقش مثلًا قضية السلطة بأبعادها المتعددة الفلسفية والكلامية والتاريخية والسياسية عند مناقشته للخلاف بين الذهبي والسبكي، ويناقش قضية القدر والتاريخ عند مناقشته لمقاربة فولتير والنورسي للقضايا الكونية.

والكتاب في مجمله مناقشة لقضايا التطور المعرفي للفكرة عبر تاريخيتها وانتقالها؛ فيما يشبه ما طرحه المؤرخ الأمريكي آرثر لافجوي Arthur Lovejoy الذي صك مصطلح "تاريخ الأفكار" ولقن طرق دراسة هذه الأفكار ودورها في قضايا الحماية الفكرية، في العقود الأولى من القرن العشرين.

والحق أن كل من ينظر في عواقب الأمور، ويضعها في اعتباره، فهو ممن يهتم بما تؤول إليه الحال، وقد تجلى هذا في حكمة الحكماء من كل أمة، كما تجلى في الفكر التجديدي في كل زمن؛ وذلك أنه يحاول صناعة مستقبل أفضل من الواقع القائم، وأن هذا رهن بتغيير بعض عناصر هذا الواقع، أو إعادة توظيفها؛ حتى تؤول الحال إلى ما هو محمود دون ما هو مذموم.

وحضور فكرة المآل في علم الكلام ظاهرة بجلاء أيضًا، بل إن الطبيعة الفكرية لهذا العلم وشيوع الخلاف بين المتكلمين تجعله أولى من العلوم الأخرى في هذه الناحية، فكثيرًا ما كان الرأي الكلامي في فهم تفاصيل قضية عقدية أو أخرى مثارًا لرأي مضاد أو مجموعة من الآراء المضادة في القضية نفسها أو بعض امتداداتها؛ فالبحث في علاقة صفات الله تعالى بذاته، والقول بأن الصفة هي عين الذات -كما يذهب المعتزلة ومن وافقهم من النازعين إلى العقل- هو الذي أدى إلى القول المخالف أو المناقض، وهو أن الصفة ليست عين الذات ولا غيرها -كما هو موقف الأشاعرة ومن حاول التوسط بين العقل والنقل أو شطح به الرأي إلى شيء من التشبيه- وفي مثال آخر فإن المبالغة في التأويل أدت في المقابل إلى المبالغة في الإثبات، والقول بخلق الإنسان لأفعاله الاختيارية أدت إلى فكرة الكسب الأشعرية توسطًا منهم بين الجبرية والقدرية، وهكذا" (ص 17).

الشاهد أن الإبحار في "علم الكلام: قضايا وشخصيات" متعة للقارئ وفائدة للباحث، ما يجعل كتاب د.نبيل فولي محمد إضافة مهمة للكتب والدراسات التي تتناول علم الكلام وأفكاره وشخصياته الكبرى.

إعلان