إعلان

تخوم الممكن والمستطاع وما يُستجدُ من شغف..

د.هشام عطية عبد المقصود

تخوم الممكن والمستطاع وما يُستجدُ من شغف..

د. هشام عطية عبد المقصود
07:00 م الجمعة 05 مارس 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هناك تقليد عتيق اصطنعته ذاكرة البيروقراطية في العالم فبقي حلًا وأسلوبًا، عاش في مخازن دواوينها عبر عقود طوال حتى صار بندًا ثابتًا وملحقًا أساسيًا يحضر لو اقتضت حاجة أو حتى دون اقتضاء، حيث تتضمن قائمة الملفات والأوراق المختلفة التي تدون وتوثق معًا للقرارات والإجراءات المتبعة في أي شأن -والتي تتمخض عن منظومة الاجتماعات في كافة مجالات الحياة- بندًا يأتي تحت عنوان شهير دال هو "ما يُستجد من أعمال"، والتي يعني بها المهام والموضوعات التي تطرأ والأعمال التي لم تكن مقررة واقتضت حاجة مهنية أو وظيفية لأن تكون حاضرة ويُتخذ بشأنها قرار تمامًا كما البنود المتضمنة في صلب قائمة الاجتماع، تم اختراع هذا المسمى؛ ليسد فراغًا أو احتياجًا أو يلبي طارئًا يلاحق موضوعات أو قضايا مستجدة وعاجلة.

عاش هذا البند حاضرًا لا يخلي مكانه سنوات طوالًا، ولا نبالغ إن قلنا ربما قرونا، يبدو ظاهرًا وكأنه هامش على المتن المعد سلفًا والمجهز ابتداءً، وتبدو المفارقة أنه لو قيدت دراسة لتغلغل هذا البند لبيان كيف كبر مع الزمن واحتشد هذا البند الصغير أحيانًا بموضوعات وقضايا مهمة أحيانًا؛ ليفارق محطة حضوره الأولي هامشًا، والغرابة أنه قد تتزايد مشتملاته حتى لتزيد في عددها وربما أهميتها عن كل ما دخل سابقًا قائمة المتن، وهو أمر ربما يمنحنا الحق في النظر لفكرة "ما يستجد" وجدواها وأن نمد نظرتنا بعيدًا عن حيزها الضيق في اتجاه كيف يمكن في حياتنا جميعها الشخصية والمجتمعية أن يكون ذلك دالًا على نمط حياة وسلوك ثم ما يفضيان إليه من تحولات مضيفة.

وعلى منوال الصياغة ذاتها فيما يخص "ما يُستجد" وليس على مستوى الدلالة حيث يفترقان حضورًا ولا يستويان مثلًا، هناك فكرة شبيهة تخص ما يمكن تسميته التحلي بطاقة وعزم يجدر أن نضيفه بندًا على قوائم متن حياتنا هو "ما يُستجد من أحلام" والتي ربما تثبت ضرورتها ومركزيتها مهما قلل مرور الزمان وإحساسنا به من لا جدواها أو ظننا ذلك.

حيث يمنح إضافة ما يستجد من أحلام مساحة تواجد قد لا تعالج ملحًا حياتيا ومعيشيًا بالضرورة لكنها تصنع حالة تبصر وهدأة تفكير في خضم الانهماك والإنهاك في ملاحقة تداعيات ومعايشة وإنجاز الممكن، والذي يصير مع الوقت هو أقصى غايات المستطاع طريقة وأسلوبًا.

وحيث يعيش الناس حياتهم على مدرج الأيام ليس فقط من خلال تفاصيل واقعية محضة بل وأيضًا على ضرورة مقتضى بعض الحلم، الذي هو بمثابة روافع تجدد وأمل في مواجهة كل ما يحد رؤية البعيد الذي يسعد فتجعله متاحًا، وفي تقديري أن واحدًا من عناصر حيوية البشر والمجتمعات هو في الحفاظ على جذوة تجدد دورة الأحلام في كافة الأعمار، ثم جعلها بندًا ثابتًا ومقدمًا هو "ما يُستجد من أحلام".

والمختلف هنا أنها لا يجدر أن تكون أشبه بالرغبات قصيرة النظر نهمًا أو امتلاكًا أو حيازة وما يدخل في نطاقهم وكل ما يأتي في باب الغايات النفعية التي ترهق ملاحقيها كأنها السراب، بل أحلام تتشكل على يد أصحابها؛ لتكون بوابة كل ما يمنح الإنسان وفق رؤيته براحًا وطمأنينة وهدأة ولو كانت شيئًا بسيطًا تمامًا في عيون الآخرين، هي رعاية ثمار الشغف الصغيرة المؤجلة وعدم تأخير ما يمنح النفس هواء متجددًا تحت وطأة مقولة "بعدين".

يمنح وضع بند ما يستجد من أحلام على قائمة أولويات النفس لطاقة الفعل عزمها ويعيد تشكيل معادلات سرعة الضوء والجاذبية الأرضية لأرواحنا؛ لتحلق فوق أرض الممكن الراكدة والتكرار التي لا تأخذك بعيدًا، صناعة ذاتية محضة لا تداخلها محسنات لون أو طعم فتغير من طبيعتها الفطرية، وحيث لكل شخص مستطاعاته وأحلامه.

إن قدرة الفرد على بناء خلايا الحلم البسيط مستجدة يشبه تمامًا نزوع الجسم في حيويته وقدرته على تجديد خلاياه فيحيا، وهي يجدر أن تكون انشغالًا أبعد كثيرًا من كل انشغال عابر، حيث هي مضخة ذاتية تعمل في مواجهة التعب والأرق وعاديات العمر الذي ترهقها الانشغالات بما تظنه حتمًا من موجبات التفكير.

إعلان

إعلان

إعلان