إعلان

وحتّى إذا ما تذوقت عَرَفْت...

د.هشام عطية عبد المقصود

وحتّى إذا ما تذوقت عَرَفْت...

د. هشام عطية عبد المقصود
07:00 م الخميس 07 أكتوبر 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يمنح الهدوء بعيدًا عن مسارات تفاصيل عاديات اليوم شيئًا من ارتياد مربعات الحياة الأولى؛ إذ تنغلق بوابات التدافع والتسارع وكل ما يلهث الروح إرهاقا وتعبًا وتحل سكينة الروح، وحيث تمنح بواكير أول ضوء للنهار مع برودة الخريف المحببة شيئًا خاصًا، ملمحًا فريدًا؛ إذ تصفو شوارع القاهرة من زحامها لتبدو كأن لم يمسسها بشر قطـ، وتطل العمارات شاهقة صامتة وتسكن الشوارع فرارا من ضجيجها المزمن، فتذوق طعم ارتياد الأماكن النائية بحساب الدقائق وليس الساعات ويظل باقيا شيء داخلك- يظهر بعد قليل من الوقت- يبحث عن أنس الناس فتسأل: هل لهذا السبب نفضل القاهرة مهما شكونا من ضجيجها وزحامها؟ وهل يمكن لك، وداخلك كل تراث ضجيج البشر، هذا أن تتحملها شبيهة بغيرها من مدن تنام مبكرا وتسكن في الظهيرة وتخلو شوارعها في المساء؟!.

يمنحنا الصمت هذا- المنقطع من سير الحياة - هدأة لإعادة ترتيب الموجودات من حولنا، ويتشكل ذلك مكتملا في المساء المتأخر تماما، حيث كرسي خشبي يستند إلى جدار داخلي لبلكونة صغيرة تطل على طريق مرصوف وبعض شجيرات تتناثر في غير انتظام، وحيث ما تظنه هدوء الكون مكتسيا توقيت أول الخلق، ثم النظر في اتجاه اللاشيء، احتساء دفء الذكريات على مهل، وإعادة ترتيب وربط ما انفصل من أزمنة فائتات، متحليا بما يضفيه العمر رويدا من حكمة بألا يزعجك شيء قط.

مصارعات مجهدة تماما تلك هي محاولات مطاردة الشجن بعيدا، ثم تكتسي تلك المحاولات زهوها حين يصير حزنا شاحبا متضائلا يهرب بعيدا فتبصر الحياة خالية من مظلة قتامته، مراودة الحزن وتعب الحياة وإبعاده ستكون حرفة للصبر وتجربة تنمو مع العمر، ستكون ذاتها من موجبات الحياة حين تنجح- تلك المحاولات- في الإبقاء على خط التماس يقظا طيبا لا تفسده الأشياء وهو يحاول سعيا التشبث بصدق فطرة الله التي فطر الناس عليها.

يصنع النضج تشكلاته ويمنح تجارب الوقت حضورا خاصا محتشدا بالأسئلة التي تتوه إجاباتها أو تراوغ، هي بعض من تجليات فعل جينات إنسانية لا تنتقل بالتوارث بل ربما بفطرة الإنسان كائنا متدبرا، يحيا في الأرض ويحمل سؤاله الأبدي ويستظل بالسماء ويسعى، ولولا مشيئة الله في السعي لما فعل شيئا وانتظر ما هو معلوم حتما وبالضرورة، تطل الأسئلة دون استدعاء وتواجه رجع السؤال الذي يطل كصدى لا يبارح: ما الذي أخذته الأيام وأزمعت في البعد به؟، يظل السؤال كشارة ملازمة، وتغيم الإجابات لتصبح موجات بحر متسع تذهب وتعود في تكرار لا يحمل الإشارات المُجيبة، لندرك يقينًا أننا سرنا في دائرة الأيام وهي تتسع وقد مضينا بعيدا وفعلنا ما حسبناه صحيحا وجديرا بنا، فعلناه صادقين، خايلنا الوقت وخايلناه ثم تقاربنا فجأة في نقطة المنتصف.

يصنع الإنسان محاولاته الخاصة ككائن جدير بالبقاء فيصطفي وينتقي ويستمر، يصنع ما يجعل الحياة براحا والكون مددا يتسع له ولمن يهتم بهم، بينما يتصالح كل التاريخ راضيا مع انطلاق صوت عبد الوهاب يحنو وهو يشدو بكلمات عزيز أباظة نغما فذا "يا منيةَ النفس ما نفسي بناجية".

نمضي ونعتاد الأشياء، وهكذا تعلم البشر درس الحياة الأول منذ آدم ومضوا يحملون نتوءات التكرار علامة على السنوات، وهكذا ربما يصبح الكبار أكثر سكونا وربما حكمة قد يسمونها "نضجا"، ويصبح الصغار أكثر شغفا ولعبا وتوقا ويسمونها "طيشا"، وتكون تلك مسيرة مراودات البشر في مضامير الكون الطويلة، فطوبى لمن تاقت نفسه للشغف واتسعت للحياة وألوانها كبدًا وفرحًا، تقبلًا ومعايشة وأملًا.

محتوي مدفوع

إعلان

إعلان

El Market

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي