العلم والطوالع وبضاعة العصر..

د.هشام عطية عبدالمقصود

العلم والطوالع وبضاعة العصر..

د. هشام عطية عبد المقصود
07:23 م الجمعة 03 يوليه 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حدثان متباينان تناولتهما منصات التواصل الاجتماعي ترويجًا ونشرًا، ورغم اختلاف موضوعهما فإنهما يظلان يحملان معًا أفقًا واحدًا، أولهما الحديث عن علامة تجارية عالمية شهيرة لمعجنات ظلت زمنًا طويلاً، هي المهيمنة استهلاكًا في الأسواق الدولية في مجالها، ثم إذا بها في مركزها الرئيسي الغربي تعلن إغلاقًا وإفلاسًا بعد تدهور المبيعات بفعل الجائحة؛ لتبتعد شحوبًا وظلاً بعد أن شغلت الحاضر عقودًا، وحيث كانت هي التعبير الكوني المعولم متعدد الفروع هيمنة واشتهاءً وطلبًا.

كما تتداول منصات التواصل الاجتماعي أيضًا وبالتزامن تعبيرات عن علامة تجارية تخص "كولونيا" محلية كادت أو أوشكت أن يتناسى الناس عهدها، ثم إذا بها تعود بعد خفوت بروزًا وتسويقًا وطلبًا، وحيث منحتها جائحة كورونا حظًا فحققت مبيعات مالية ضخمة وعوائد جمة.

حملت التعليقات بشأن الأمرين رؤى تتركز في سياق الغرائب والطرائف والأعاجيب، وما يحمل ذلك، ترتبط بما هو مدهش ومفاجئ ويخرج من إطار نطاق الحسابات المباشرة لعموم الناس، وهو أمر لا شك يحدث، فتقدير المقادير هو مظلة الحياة وعصب تدافع المعايش وجوهر ائتلاف عناصر الحياة سيرًا ومسيرة، لكن غالبية البشر بفعل الأزمات يميلون دومًا إلى ذلك، كأنه لم يكن موجودًا من قبل – وطبعًا بعد حدوث الوقائع- وفي ذات الوقت يتغافلون أنهم لم يطلعوا أبدا على المقادير، ولم يقتربوا من تخوم معرفة القادم، ومن ثم فإن ضرورة التحلي بالأسباب هو سبيل حياة البشر الذين تتواصل أجيالهم مكوثًا وزوالاً في كون عمره بلايين السنوات، وأن هناك عشرات الأمثلة مما لم يستدعوه يمكن تفسير نجاحاتها وإخفاقاتها أخذًا بالأسباب وضوحًا، وأن معرفة ذلك جدير دومًا بتأكيد ضرورات العمل والأمل والسعي طالما تنفس الإنسان متحليًا بيقين أن من يسعى فإنما يأخذ بالأسباب وينتظر المشيئة، وهكذا تحدث الفروقات بين العوالم في الكون، وهو ما يتأكد من خلال مؤشرات التنمية والرفاهية بين مختلف الدول على المقاييس المعروفة في هذا الشأن، لا يحول ذلك أبدًا ولا يتعارض بين أن تنشأ تلك الوقائع أو المفاجآت السار منها أو الضار، فهذا مما هو خارج حدود وعي ومعرفة البشر.

وربما ما يرتبط بذلك ويشكل مساحة للنظر والتأمل حقًا، هو كيف صار بعض مدعي معرفة الطوالع والتنبؤ بالقادم أصحاب مهن وحضور بارز في عصر المعرفة والعلم والتقدم، وكيف يزداد البشر لا يقينا وتأرجحًا يشابه فعل البدائيين الأوائل في الكون رغم كل ما توافر لديهم من مصدات وعي وتجربة، وكيف تفسح الأزمات الشخصية والمجتمعية والعالمية لبعض هؤلاء المدعين أن يؤكدوا حضورًا ملفتًا، ينتقل بنا تاريخيًا من صورة شائعة تحملها الأفلام القديمة لامرأة ترتدي جلبابًا أسود وتحمل صرة من الرمل وبها مجموعة من القواقع "توشوش الودع"، فيصير حالة مهنية مزدهرة لا يخجل أصحابها وصويحباتها منها، بل أصبحت الشاشات تستضيفهم على برامج رئيسية يشاهدها ملايين البشر، فتمنحهم المصداقية والثقة وتربط الجمهور العام بحضورهم وأهميتهم – مجرد ظهورهم يفعل ذلك - وهم لا يحملون سوى مجموعة من الأوراق الملونة يزعمون أنهم يرون فيها شيئا من الآتي، ولم يعد حال ترهاتهم يقف فقط كما كان الحال قديما ليلهو في مساحة مقابلة المحبوب الغائب أو إيجاد الشريك المناسب، بل صاروا يتحدثون بجرأة وثبات عن النظام الكوني وسير الحوادث فيه ووقوع الحروب والصراعات والجوائح أيضًا.

يمكنك دوما أن تكتب في باب الطالع شيئًا شبيهًا بهذا: ستقابل اليوم حدثًا سيتعمد أن يعكر مزاجك لكن لا تكترث به وتخطاه، وحاول أن تتناساه، والمصدق سيجتذب أي شيء يقابله ويزعجه مهما كان تافهًا – وكم من عوارض في الكون- فإذا لم يجد ثمة شيء كبير ووقع منه كوب الشاي الساخن فأصاب رذاذه يديه، سيرى ذلك علامة التفسير وفك شفرة الطالع الذي صدقه.

عموما كانت مطالعة الأبراج قديمًا شيئًا بسيطًا وربما مجالاً للسخرية، فصار بعضًا من بضاعة العصر، عصر العلم والمعرفة والكمبيوتر والإنترنت ووفرة المعلومات وأيضا صعود وارتياد المجرات، وهو ما قد يكون تعبيرًا عن جوهر اللا يقين الإنساني في معايشته لظواهر الحياة المتجددة، لا يقين معرفي يزداد قربًا كلما أوشكت على أن تخترق تخومه يقينًا.

اللا يقين المعرفي والعلمي يظل هو الثابت في الكون، ينظم بالعلم والمعرفة سيرة الحياة صعودًا ويرتقي بها أسبابًا، ويبقى متجددًا مانحًا للعزم والاكتشاف ما دامت الحياة تمضي، وإلا فلماذا الجهد والسعي ومراودة الأمل طالما عرف "المطلعون" الغايات وحددوا النهايات؟.

إعلان

إعلان