ملفات لا يمكن القفز فوقها..!

الكاتب سليمان جودة

ملفات لا يمكن القفز فوقها..!

سليمان جودة
07:00 م الأحد 28 يونيو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الظاهر أن رحلة معاناة العالم مع فيروس كورونا لن تكون على مستواها الاقتصادي فقط. ومن يدري؟! فربما تكون المعاناة على هذا المستوى عالمياً، وعلى مستوى كل عاصمة بالتالي، هي الأخف إذا ما قيست بألوان المعاناة الأخرى!

ففي ذروة انتشار الوباء حول العالم كانت منظمة الأمم المتحدة قد حذرت من مقرها في نيويورك من أن هذا الضيف الثقيل الذي حبس الناس في البيوت كما لم يحبسهم فيروس من قبل سوف تصاحبه أمراض نفسية متنوعة ستجد طريقها بالضرورة إلى حياة الملايين!

ولم يكن هذا التحذير الأممي ناتجاً عن فراغ، ولكن خبراء المنظمة المختصين، وبالذات في منظمة الصحة العالمية التي هي إحدى منظمات الأمم المتحدة، كانوا من مواقعهم قد رصدوا بوادر ما حذروا منه، فتحدثوا عنه، لعل الدول تحترس وتتهيأ وتستعد!

وما كادت أيام تمر على التحذير الأممي، حتى كانت المنظمات المعنية في المغرب تعلن أن دراسة جرت هناك، وأن مؤشراتها تقول إن ما تحذر منه الأمم المتحدة صحيح!

وفي أول هذا الأسبوع، جاء التقرير السنوي الصادر عن مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات ليضيف هو الآخر، ما يؤكد حديث المنظمة الأم في البداية عن قضية الأمراض النفسية.

المكتب يقع في العاصمة النمساوية فيينا، وتتولى إدارته الدكتورة غادة والي التي بدأت مهمتها فيه فبراير الماضي!

والمكتب يتكلم عن أنه رصد تزايداً في تعاطي المخدرات في أرجاء العالم، خلال الفترة التي ظهر فيها وباء كورونا وانتشر، وأن التزايد لم يكن في التعاطي فقط، ولكنه كان أيضاً في النوعية التي جرى رصد تعاطيها، وكذلك في الكميات التي يتعاطاها الذين عايشوا الوباء وعانوا من سحابته القاتمة!

ويربط المكتب بين ما رصده في هذا الخصوص، وما كان قد جرى رصده وقت الأزمة المالية العالمية التي كانت قد فاجأت العالم في عام 2008!

فوقتها اكتشفت أجهزة الأمم المتحدة المختلفة أن الأزمة قد تركت وراءها آثارها الكئيبة، وأن من بين هذه الآثار انتشار التعاطي للمواد المخدرة، وأن التعاطي قد وصل إلى استهلاك مواد مخدرة رخيصة ومصنعة، وأن الحقن المخدرة كانت من بين المخدرات التي ذاعت وانتشرت، باعتبارها نتيجة سلبية من نتائج حلول الأزمة المالية العالمية في تلك الأيام!

وهذا الوضع في إجماله إنما يشهده العالم مع كل فيروس يفاجئه على مدى تاريخه، خصوصاً إذا كان وباءً ثقيلاً في وطأته من نوع كورونا، وكذلك مع كل أزمة مالية عالمية تضربه بقوة، وبالذات إذا كانت من نوع الأزمة التي ضربته قبل 12 سنة!

فما العمل؟! العمل هو بالضبط ما أشار به دستورنا القائم في مواده الأربعة التي تتحدث عن إنفاق عام على التعليم قبل الجامعي، والتعليم الجامعي، والصحة، والبحث العلمي، بما لا يقل عن عشرة في المائة من الناتج القومي الإجمالي كمرحلة أولى، وصولاً في مرحلة لاحقة إلى الإنفاق على الملفات الأربعة بما يتفق مع المعدلات العالمية للإنفاق عليها!

ورغم أن الدستور الحالي جرى وضعه والاستفتاء عليه في عام 2014، فإن تخصيص هذه النسبة فيه للإنفاق العام على صحة الناس وتعليمهم وبحثهم العلمي ينطق بأن الذين صاغوه في مواده الأربعة المشار إليها تحديداً كانوا يتطلعون نحو المستقبل على النحو الواجب!

وباء كورونا الذي أصاب العالم بما أصابه اقتصادياً ونفسياً وصحياً لم يكن يخلو من مزايا، وكانت الميزة الأولى أن الإنفاق على الصحة والتعليم لم يعد من الموضوعات التي يمكن للحكومات القفز فوقها. لم يعد كذلك على أي نحو. وتقرير مكتب الأمم المتحدة في فيينا أقوى دليل.

إعلان

إعلان