"الاختيار" والصراع على شباب الإخوان

محمد جمعة

"الاختيار" والصراع على شباب الإخوان

محمد جمعة
09:42 م الجمعة 08 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا يجسد مسلسل الاختيار حياة ابن بار من أبناء سلاح الصاعقة المصرية، وبطلاً من أبطالها صار رمزًا لشهداء هذه المرحلة، وفقط. ولكن يُحسب لهذا المسلسل أنه يذكرنا بأحداث استثنائية مرت على مصر قبل عدة سنوات، خاصة وأن البعد التوثيقي يحتل مساحة معتبرة من السيناريو ككل.

صحيح أن المسلسل لا يخلو من بعض الأخطاء في تناول بعض تفصيلات تلك الأحداث، لكنها غير مؤثرة على الإطلاق، ولا تنفي عن السيناريو ككل نجاحه في رسم صورة حقيقية ودقيقة، إلي حد كبير، عن تلك الأحداث بشكل عام، والبيئة السياسية والاجتماعية التي أفرزتها وتفاعلت معها.

مشاهد "الاختيار" تضمنت بعض الإشارات الذكية لطبيعة وأبعاد العلاقة بين الإخوان المسلمين وتنظيمات السلفية الجهادية، سواء أثناء فترة بقائهم في سدة الحكم، أو في مرحلة ما بعد الإطاحة بهم.

وهذه النقطة بالذات شكلت -ولا تزال- بعدًا مهمًا وركيزة أساسية لقراءة وتفسير أحداث وتطورات تلك المرحلة؛ لأن معطيات ما بعد يناير2011 أفضت إلى تلاشي الحدود التحليلية الفاصلة بين الإخوان المسلمين، والتيارات السلفية بمختلف مدارسها، نتيجة تشظي مهم حدث في المواقف داخل معسكريهما.

ومن ثم، تشكلت هويات جديدة على حدود وتخوم وهوامش هذه الحركات، بشكل سهل كثيرًا من التعاون والتنسيق بين قطاعات داخل الإخوان المسلمين، وقطاعات أخرى داخل مختلف التيارات السلفية، سواء تلك التي حاولت أن تحظى بشرعية العمل حزبًا وتيارًا سياسيًا، أو تنظيمات "السلفية الجهادية" التي تمارس العنف والإرهاب المسلح.

خذ مثلا، تنظيم "أجناد مصر" الذي عمل مفصلاً أو رابطة أيديولوجية بين الإخوان والسلفية الجهادية، وكان يُعد طوال الفترة من يناير 2014 حتى أبريل 2015 أنشط جماعة إرهابية عاملة في مصر، خارج شبه جزيرة سيناء.

أيضًا شكلت الخلافات والصراع الداخلي الذي شهده تنظيم الإخوان (عقب الإطاحة به من سدة الحكم) دافعًا إضافيًا وظرفًا مغريًا لتنظيم أنصار بيت المقدس (داعش بعد ذلك) لكي يستمر في بذل جهوده لاجتذاب واستقطاب العناصر الأكثر تطرفًا والأشد إحباطًا بين شباب الإخوان الذين لا يرضيهم ما يسمي بـ"الجهاد التدرجي" –وفقًا لمفهوم دفع الصائل– الذي يمارسه الإخوان.

ولا تسعفهم كذلك الإمكانيات المتاحة للإخوان في مجال العمل المسلح، في إشباع رغبتهم في النيل أو الانتقام من رموز الدولة وأجهزتها، لا سيما الجيش والشرطة. خاصة مع توافر معطيين مهمين في ذلك الوقت، وهما:

الأول: أن قاعدة الشباب المعرضين للتجنيد والتوظيف –آنذاك- كانت واسعة جدًا؛ لأن مخزون الغضب لدى شباب الإخوان في تلك المرحلة، كان قد تعمق بشكل خطير نتيجة استمرار قيادة التنظيم ومنصاته الإعلامية في الخارج في صب الزيت على النار، من خلال الادعاء كذبًا بأن ما حدث يوم 3 يوليو2013 يشكل حربًا على الإسلام.

الثاني: وفقا لحسابات "أنصار بيت المقدس" لم يكن هناك فارق كبير (من الناحية العملية) بين من يقول بأن النظام كافر أو مرتد (كما هو طرح السلفية الجهادية) وبين من يقول بأنه نظام باغٍ (كما هو طرح الإخوان)... فالمحصلة تقود أو تدفع نحو هدف واحد يتمثل في الرغبة في النيل من رموز الدولة ومؤسساتها بشكل عام.

وفي هذا السياق يمكننا الوقوف على مظاهر عديدة للجهود التي بذلها تنظيم "أنصار بيت المقدس"؛ لاجتذاب شباب الإخوان واستقطابهم منذ فترة مبكرة... خذ مثلا، قبيل ساعات فقط من تفجير مديرية أمن القاهرة يوم 24 يناير 2014، أصدر "أنصار بيت المقدس" تسجيلاً صوتياً لأحد قادتهم، أبوأسامة المصري، ناشد فيه شباب الإخوان المُحبَطين الذين أشار إليهم بذكاء على أنهم "ثوار"، قائلا: "رسالتنا هي لإخواننا الثوار ضد الطغيان: أيها الثوار تمرّدوا من أجل شرع الله، أيها الأبطال دافعوا عن الإسلام. أيها الثوار الأبطال... تقبّل الله الذين قتلوا منكم...إخواني الثوار: اعلموا أن إخوانكم المجاهدين يعانون بسبب معاناتكم... فاستمعوا إلينا. وتعمد أبوأسامة المصري الإحجام عن انتقاد الإخوان، وناشدهم بدل ذلك، قائلاً: "إن المعركة اليوم ليست ضد فرد أو شخص أو جماعة، المعركة اليوم هي ضد الإسلام".

واستمرت جهود التجنيد التي قامت بها جماعة "أنصار بيت المقدس/ ولاية سيناء"، عقب إعلانها الولاء لتنظيم داعش، في التركيز على الوصول إلى شباب الإخوان الساخطين، حيث أظهرت أشرطة فيديو عديدة أواخر عام 2014 وبدايات عام 2015، على نحو متزايد، عناصر مقاتلة بين صفوف "ولاية سيناء" يتحدثون بلهجات مصرية بصورة مميّزة، أو يتخذون لهم أسماء حركية تشير إلى أنهم قدموا من الوادي والدلتا، وخارج مناطق سيناء.

ولا شك أن ظهور خلايا تنظيمات السلفية الجهادية في داخل منطقة القاهرة الكبرى، ودورها الملحوظ في حوادث التفجيرات الإرهابية الكبيرة آنذاك (مثلما حدث أمام مديريات أمن الدقهلية والقاهرة في وقت مبكر، ثم بعد ذلك مبنى جهاز الأمن الوطني في شبرا وكذلك مبني القنصلية الإيطالية في صيف 2015)، ساهم بدور كبير في تحديد النتيجة النهائية لتلك المحاولات.... فبقدر ما كان حضور تلك الخلايا في الوادي والدلتا كاشفًا عن رغبة "أنصار بيت المقدس/ ولاية سيناء"، في أن يوطئ لنفسه موضعًا أقوى في مصر، بقدر ما ساهم بدور كبير جدًا في تدشين مرحلة من التعاون الوثيق على الأرض بين الخلايا النوعية للإخوان التي مارست الإرهاب، مثل مجموعات "حركة المقاومة الشعبية" و"العقاب الثوري"، وبين خلايا داعش.

وأفضت الديناميكات التي تولدت عن ذلك التعاون إلى نتائج غاية في الخطورة، بحيث لم يأتِ شهر مايو عام 2015، إلا وقد توافرت الكثير من المؤشرات على وصول جماعات إرهابية متعددة الأهداف والتوجهات إلى نقاط تقارب يمكن أن نُطلِق عليها "وحدة شبكية"، بحيث تقاربت تلك الجماعات على اختلاف توجهاتها وأهدافها، وأصبحت أكثر تلاحمًا وتنسيقًا، بل وحاولت أن تستلهم تجارب بعضها البعض، وأحيانًا تبادلت الأدوار معًا بشكل مثير، حتى ولو لم تتلق تدريبًا مشتركًا.

والشاهد على ما نقول، هو ذلك التحول الواضح الذي شهدناه على أداء "اللجان النوعية" للإخوان المسلمين، في تلك الفترة، سواء لجهة استهداف المدنيين، أو لجهة محاولة استلهام أسلوب ودعاية داعش في سيناء. ثم سرعان ما تطور الأمر مع انتقال العدد الأكبر من عناصر مجموعتي "العقاب الثوري" و"حركة المقاومة الشعبية" الإخوانيتين من "مربع التنسيق" مع خلايا داعش، إلى الاندماج معها بالمطلق. والشاهد على ذلك اختفاء هاتين المجموعتين تمامًا عن الساحة المصرية منذ شهر يونيو 2016.

حيث يمثل ذلك الاختفاء إشارة واضحة إلى نتائج الصراع على شباب الإخوان في تلك المرحلة، سواء بين أجنحة الجماعة ذاتها (التي خرجت صراعاتها إلى العلن وتناولتها وسائل الإعلام المختلفة بما فيها منصات الإخوان نفسها)، أو بين الإخوان وتنظيمات السلفية الجهادية التي نشطت في مصر آنذاك.

إعلان

إعلان